السؤال الذي لا يتوقف عن المثول أمام كل مفترق طرق وعند كل منعطف سياسي في الشرق الأوسط خلال انتفاضة الأقصى التي كادت أن تختم عامين من عمرها، يتعلق بالموقف الأميركي من الأحداث الخطيرة التي نشهدها كل يوم، وسر ذلك الموقف الذي يصب في النهر الإسرائيلي الجارف مكتسحا ألف خط أحمر ومتجاوزا ما كنا نظن إلى ما قبل شهور قليلة أنها ممنوعات، لكن هذه الممنوعات سقطت هي الأخرى، ولم تعد واشنطن تتردد في إعلان دعمها الكامل لإسرائيل، وتحديدا لسياسات آرييل شارون الذي فاقت طموحاته ودمويته جميع أسلافه ابتداء بالمؤسس ديفيد بن غوريون وانتهاء بإيهود باراك. نتساءل عن سر ذلك الموقف التحالفي والتلاحمي، ونتساءل في الوقت ذاته عما إذا كانت هناك خلافات في الرأي داخل الإدارة الأميركية تعطل السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط أو العراق أو قضية مكافحة «الإرهاب»؟ من المؤسف جدا أننا بقينا مغيبين عن ذلك «السر» الذي هو في الحقيقة ليس بسر، وانما نسميه الآن سرا، لأن الآلة الإعلامية العربية فشلت طوال العقود الماضية التي سبقت وأعقبت إنشاء دولة إسرائيل فوق الجزء الأكبر من أرض فلسطين التاريخية، في التعرف على ذلك السر، أو بمعنى أدق، في تسليط الأضواء عليه، فبقي متواريا عن الأنظار ومدسوسا في قلوب السياسيين وصناع القرار لا يستدعونه إلى موائدهم التفاوضية وإنما إلى غرفهم المغلقة ولا يتحدثون عنه أمام الغرباء حتى لا تواجههم سلسلة من المآزق الأخلاقية والتناقضات الخطيرة بين السياسات المعلنة والسياسات المطبقة، وبين ما تنص عليه دساتيرهم وديمقراطياتهم من تساو بين بني البشر بغض النظر عن اللون والعرق والدين، وبين حقيقة مشاعرهم وحقيقة ما يمارسونه على الأرض، ولكن في الظلام، خوفا من نور الحقيقة الساطعة. مرت كل تلك العقود دون أن نسمع من دولة عربية أو من محلل أو مفكر عربي منذ الخمسينيات وحتى التسعينيات، إجابة شافية عن «سر» ذلك الموقف الأميركي والبريطاني الداعم لإسرائيل، فهل هذا الغياب العربي دليل عجز أم جهل أم قلة معلومات أم إمعان في الهروب من الحقيقة؟ الباحث محمد السماك ألقى مشكورا الضوء على تلك البقعة السوداء المشطوبة من جدول أعمال الأميركيين والإنجليز وغيرهم من دوائر مسيحية متنفذة ما زالت تخجل من المجاهرة بها وكأنها طقس من طقوس عادة سرية لا يجوز أن تخرج من الصدور والقلوب. وقبل أن نرد على تساؤلنا الأساسي حول ما إذا كانت هناك خلافات داخل الإدارة الأميركية في التعامل مع فلسطين ومدى عمق هذه الخلافات، لنتوقف قليلا عند بحث الأستاذ السماك في العدد الأخير من مجلة «وجهات نظر» حول «المسيحية الصهيونية» في أميركا، حيث قال: «تقف الدبلوماسية العربية متلعثمة أمام تفسير الموقف الأميركي المؤيد لإسرائيل في كل الحروب والاعتداءات التي تشنها على العالم العربي، فلماذا تغامر الولايات المتحدة بتعريض مصالحها وسمعتها للخطر ولماذا تضرب عرض الحائط بالصداقة مع العالم العربي (300 مليون) والعالم الإسلامي (1.3 مليار) بل مع شعوب العالم في الشرق والغرب التي تؤمن بحقوق الإنسان وتدعو إلى احترام المواثيق والقوانين الدولية؟ ولماذا تدافع عن المجازر التي ترتكبها إسرائيل وتؤيدها على حساب كل هذه القيم والمبادئ الإنسانية»؟ يرد السماك على تساؤلاته بالقول إن هناك خطأ في صياغة السؤال الذي يتردد على كل شفة جيلا بعد جيل والخطأ السائد هو أن الولايات المتحدة تؤيد إسرائيل، فالعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست مبنية على التأييد وعلى الدعم والمساندة وليس صحيحا أن إسرائيل تلعب دور الشرطي الأميركي في الشرق الأوسط، الحقيقة أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية تتجاوز حدود المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، وبالتالي فإنه مهما قدم العالم العربي والإسلامي من تنازلات وتضحيات للولايات المتحدة، فإن ذلك لن يغير شيئا من الموقف الأميركي تجاه إسرائيل، ذلك لأن هذا الموقف انعكاس لثوابت إيمانية تتعدى المصالح والحسابات السياسية. يسهب الباحث في الحديث عن دعوة الحركة البروتستانتية منذ عام 1600 اليهود لمغادرة أوروبا إلى فلسطين «لإقامة مملكة الله». كما أن أوليفر كرومويل راعي الكومونولث البريطاني في انطلاقته الأولى دعا إلى تهويد فلسطين «تمهيدا لعودة المسيح». وعام 1655 نشر قس بروتستانتي ألماني كتابا قال فيه إن اليهود سوف يتحولون إلى المسيحية بمجرد الظهور الثاني للمسيح لأنهم سوف يعتبرونه واحدا منهم وأن من مستلزمات هذا الظهور الثاني عودة اليهود إلى البلد الذي منحهم إياه الله عبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب. من خلال هذه الادبيات أصبح «الإيمان بمساعدة اليهود في فلسطين نوعا من العبادة التي تعبر عن المشاركة الإنسانية في تحقيق الإرادة الإلهية». وعندما تبنى الكونغرس الأميركي عام 1944 قرارا تتعهد الولايات المتحدة بموجبه بفتح أبواب فلسطين لليهود لاستعمارها من جديد حتى يتمكن الشعب اليهودي من «إعادة تكوين فلسطين لتصبح يهودية حرة ديمقراطية»، فإنه يكون قد زايد على ما دعا إليه المؤتمر الصهيوني قبل ذلك بسنتين من إقامة دولة في فلسطين، حيث أن الصهيونية المسيحية قد بدت أشد تطرفا من الصهيونية اليهودية، عندما لم تكتف بإقامة دولة في فلسطين وإنما تريد إقامتها على فلسطين كلها! ورغم أن البروتستانت يتشكلون من 200 طائفة، فإن الذين يؤمنون إيمانا راسخا بالعقيدة الصهيونية يصل عددهم إلى 40 مليونا في الولايات المتحدة وهم متنفذون جدا ويرفضون تنازل إسرائيل عن بوصة واحدة من فلسطين. وبعد أن أدركنا عمق العلاقة الدينية بين اليهود والصهاينة المسيحيين، وبالتحديد بعض الطوائف البروتستانية، يمكن لنا أن نرد على السؤال الخاص بالخلافات داخل الإدارة الأميركية. هناك خلافات بالتأكيد، لكنها ليست من النوع الذي يهدد بانهيار القرار، أو باتخاذ موقف متوازن، أو ـ حتى نكون موضوعين ـ موقف أقل انحيازا على غرار الموقف الأوروبي، ذلك أن مدارس الرأي التي تصطرع في واشنطن لم تُحدث شقوقا في جدران البيت الأبيض، ولن تحدث مثل هذه الشقوق إلا إذا تكاتفت المواقف العربية والأوروبية على برنامج عمل عنوانه الضغط المشترك على الولايات المتحدة وتخييرها ما بين الرؤى التوراتية الإسرائيلية وقرارات الشرعية الدولية. لا شك أن حالة من الانفصام تسيطر على الفكر السياسي الأميركي لأن زخم الانتفاضة والرد الإسرائيلي القاسي، أيقظا «الفتنة النائمة» التي حاولت واشنطن أن تبقيها في سبات عميق. وعندما كانت إدارة بوش تقول في بداية الانتفاضة إنها لا تريد ان تتدخل في النزاع مفضلة أن تترك الطرفين يتفاوضان وحدهما، كانت في الواقع تصيب عصفورين بحجر واحد، الأول هو النأي بنفسها عن المشاركة الفعلية في حل نزاع تقف فيه بكل جوارحها مع إسرائيل، وبالتالي تكشف مدى انحيازها، والثاني هو أن ترك الأسد والدجاجة «يتعانقان» وحدهما، سيكون لمصلحة إسرائيل. غير أن اشتداد المقاومة الفلسطينية وظهور العمليات الاستشهادية كسلاح فعال أحدث نوعا من «توازن الرعب» مع الآلة العسكرية الإسرائيلية الجبارة، دفع الولايات المتحدة إلى التحرك دفاعا عن مصلحة إسرائيل، لذلك أصبح الاستشهاديون الفلسطينيون المشكلة الأساسية للأميركيين فضغطوا على العالمين العربي والإسلامي ليتنصلوا من تلك العمليات وليدفعوا علماء الدين إلى تحريمها ورجال السياسة إلى التشكيك بجدواها. غير أن الذي ترفض إسرائيل فهمه هو أن العمليات الاستشهادية لا توقفها الأسوار الواقية ولا الجدران العالية ولا السلطة الفلسطينية ولا حتى حركة «حماس» ذاتها إذا قررت يوما وقفها. هذه العمليات هي الشوكة الأخيرة المغروزة بقوة في الخاصرة الإسرائيلية، والتي فشلت اجتياحات شارون وموفاز وتوغلاتهما واعتقالاتهما واغتيالاتهما، ليس فقط في اقتلاعها، ولكن في تقليلها إلى درجة تستجيب لحجم القوة العسكرية التي استخدماها في غزو الضفة وغزة. ما الذي يخبئه الغد سوى المزيد من الاجتياح والمزيد من القنابل البشرية؟ لكن الأهم أن ياسر عرفات يستطيع الآن أن يضع إصبعه في عين شارون إذا حمله مسئولية العمليات، ومن حقه أيضا، بل من واجبه، أن يؤكد علنا وأمام شاشات التلفزيون أن جيش الدفاع الإسرائيلي بكامل جبروته قد أخفق في منع الاستشهاديين من الوصول إلى داخل الخط الأخضر، فكيف يستطيع هو ذلك بعد أن أفرغوا سلطته من جميع محتوياتها؟ ويمكن لتساؤله أن يسري بأثر رجعي يثبت صدقه في رفض تلك العمليات، وعجزه عن وقفها سابقا والآن.. ولاحقا أيضا. نقول للمرة الألف إن العمليات الاستشهادية نتيجة وليست سببا، وإن أحدا لا يملك زرا سحريا يضغط عليه فتتوقف. والذي يفوت الإسرائيليين وهم يملأون معتقلاتهم بانتحاريي المستقبل، كما يصفونهم، ويعلنون عن إفشال محاولة تفجير أو اثنتين يوميا، أن ما يفعلونه وما يقولونه يؤكد استفحال الظاهرة الاستشهادية وانتشار فيروسها بكثافة في هواء الضفة الغربية وقطاع غزة، وربما أبعد من ذلك. وما قد يفوتهم أيضا أن الإقبال المتزايد على الاستشهاد هو رد للاعتبار واسترداد للكرامة بعد أن اشتد الحصار وكثرت الإهانات وأغلقت كافة سبل المقاومة دون أن يظهر ولو بصيص ضوء بقرب انتهاء الاحتلال. ولو لم تكن تلك العمليات مؤذية لإسرائيل معنويا وأمنيا، ولو لم توفر دليلا عمليا على فشل جميع أسوار شارون، لما وجدنا الدعوة إلى إدانتها ووقفها متصدرة أجندات الدول الغربية والعربية أيضا. وعندما ننظر إلى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، نقرأ تباينات وتناقضات وانفصامات، لكننا لا نقرأ عدلا ولا نزاهة. كما أن الفوضى والهلهلة يميزان السياسة الخارجية الأميركية دون أن ينعكس ذلك بفوائد على الفلسطينيين أو العرب الذين فشلوا فشلا ذريعا في إحداث ثغرة ينفذون منها إلى ملعب السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، إذ لم يسبق أن كانت واشنطن في كل مراحل انحيازها لإسرائيل على هذه الدرجة من التلاحم والوضوح، فهناك أربع وزارات خارجية في رئاسة جورج بوش، رغم أننا كنا طوال الانحيازات الأميركية إلى إسرائيل من هاري ترومان إلى بيل كلينتون نلمس رؤية واحدة ونسمع لسانا واحدا، لكن الألسنة الأربعة الممدودة نحونا هذه الأيام لا تشي فقط بغموض ربما يكون متعمدا في جانب من جوانبه، وإنما بضبابية عالية تدل على الحيرة والانفصام. فها نحن نرى أربع مدارس تتسابق لإعطاء رأيها في ما يجب أن يكون. دونالد رامسفيلد الصقر العتيق ذو التوجهات العنصرية الصهيونية البغيضة لا يتردد عن قناعة إيديولوجية في دعم «الحرب الإسرائيلية المشروعة ضد الإرهاب الفلسطيني» متجاهلا تماما أن هناك أرضا محتلة. وهذه التلميذة النجيبة كونداليزا رايس التي لا تعرف عن الشرق الأوسط أكثر مما يقدمه لها دنيس روس ومارتن إنديك من أبحاث و«نصائح» تستخدم قدراتها الكلامية في ترديد مواقف رامسفيلد ومساعده المقيت فولفويتز، بل وتزايد عليهما في تشويه سمعة عرفات والتجرؤ على الدعوة لاستبداله «حتى يمكن للسلام أن يتحقق»! أما وزير الخارجية «الحقيقي» كولن باول فيمتلك رؤية عملية ويحاول على استحياء دفعها إلى واجهة الأحداث بما في ذلك دعوته إلي تجميد الاستيطان والدخول فورا في مفاوضات «الوضع النهائي»، غير أن صقور واشنطن يعتبرونه «حصانا ميتا»، فيتجاوزونه ويقطعون الطرق على أي أفكار متوازنة يخرج بها، متسلحين بتردد وزير الخارجية الرابع الرئيس جورج دبليو بوش ذاته، الذي يقول كلاما في الصباح وعكسه في المساء إلى درجة أن نبيل شعث أحصى له أربعة مواقف متناقضة في أربعة أسابيع! ولولا أن نائب الرئيس ديك تشيني بعيد عن الأنظار نسبيا هذه الأيام، لقلنا إن هناك خمسة وزراء خارجية للولايات المتحدة التي أربكتها هجمة شارون، فلم تعد تعرف ماذا تفعل. وعدم المعرفة.. هو أكبر خدمة تقدمها لإسرائيل. بعد كل هذا يبقى اللغز الكبير: لماذا تأخرنا نصف قرن عن اكتشاف الرابط الديني بين الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، رغم أنه موجود منذ التوراة والإنجيل؟ فهل نحن جهلة إلى هذا الحد، أم أننا نفضل أن نعيش دوما في دائرة الوهم؟ الأربعون مليون أميركي المتصهينون يقابلهم مائتا مليون أميركي لا يؤمنون بخرافة أرض الميعاد وبأسطورة الوعد الإلهي لبني إسرائيل، فماذا فعلنا لاستمالتهم أو لمواجهة الرؤية البروتسانيتة المريضة والمهووسة بأكاذيب الصهاينة؟ إن التشقق الذي نتطلع إلى إحداثه في جدار القرار الأميركي لن يكتب له النجاح الحقيقي إلا عندما نستثمر الأغلبية الأميركية المهمشة والمهملة. ولكن هل نستطيع ذلك ووزراء إعلام العالم العربي قد أوصوا في مؤتمرهم بالقاهرة الأسبوع الماضي أن يجابهوا الآلة الإعلامية الإسرائيلية بميزانية قدرها 5.22 مليون دولار؟ هذا المبلغ التافه لا يكفي لحملة إعلامية واحدة في صحف وتلفزيونات الغرب، لكنه برهان جديد على أن الأمة لم تستوعب أبعاد الموقف ولا خطورته على مستقبلها ومستقبل أجيالها. فماذا نقول في أمة تريد أن تخوض معركة إعلامية في عهد الفضائيات باثنين وعشرين مليون دولار ونصف ـ لا تنسوا النصف ـ سوى أنها أمة تريد أن تحفر خندقا بإبرة خياطة، أو أن تفرغ المحيط بفنجان قهوة؟ بقلم: مازن حماد ـ مدير تحرير الوطن القطرية