لا يخفى على أي متابع لأداء الإدارة الاميركية الحالية أن هناك صراعا وتنافسا بين جناحين داخلها أحدهما متشدد ويتزعمه نائب الرئيس ديك تشيني ومعه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه، والأخر معتدل ويقوده كولين باول وزير الخارجية، هذا الصراع انعكس بصورة كبيرة على السياسة الخارجية الاميركية تجاه مختلف القضايا على الصعيدين الإقليمي والدولي وبحيث صار هناك تردد وتشويش في رؤية هذه الإدارة للتعامل مع هذه القضايا وهو ما يراه الكثيرون لا يتناسب مع مكانة القوة الأوحد والأعظم في العالم . لقد ظهرت هذه الخلافات والصراعات في قضايا عدة مثل ضرب العراق وقضية الشرق الأوسط والحرب ضد الإرهاب حيث كان هناك على طول الخط تصوران ورأيان أحدهما يدفع باتجاه توسيع نطاق الحرب ضد الإرهاب وللإطاحة بصدام حسين والآخر يدعو إلى التريث والاكتفاء ببعض الإجراءات قبل الوصول إلى الصدام. «الملف» التقى د. قدري سعيد مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والخبير الاستراتيجي د. جمال عبد الجواد لإلقاء الضوء على طبيعة هذا الصراع والتنافس وتأثيره على مصالح وسمعة وهيبة الولايات المتحدة، وخاصة في ضوء هذا التردد الاميركي في التدخل لحسم الكثير من القضايا، وأيضا للحديث حول موقف كل من التيارين في الكثير من القضايا الشائكة التي تتطلب تدخلا أميركياً حاسما في الشرق الأوسط وضرب العراق والحرب ضد الإرهاب، وحول المصير الذي ينتظر كولين باول في ظل إمساك التيار المتشدد بمقاليد الأمور وفي ظل ميل الرئيس بوش له وتبنيه لمواقفه التي تجد هوى لدى أيديولوجيته السياسية، وكذلك للبحث في إمكانية أن ينتهي هذا التنافس والصراع في وقت قريب . بداية يرى د. قدري سعيد مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام أن وجود اتجاهين داخل الإدارة الاميركية ليس أمرا معيبا لأنه في النهاية الرئيس الاميركي هو الذي يستطيع حسم القضايا الخلافية، نعم هناك خلاف واضح بين تيارين داخل هذه الإدارة الأول يتزعمه نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني ومعه رامسفيلد وزير الدفاع ونائبه وهذا التيار يبدو الأكثر تشددا وخاصة أنه يمثل المؤسسة العسكرية التي تنامى دورها بشكل كبير بعد أحداث 11 سبتمبر وبدء الحرب ضد الإرهاب التي تدور رحاها الآن على أرض أفغانستان وسوف تنتقل بمرور الوقت إلى مناطق أخرى أما التيار الأخر والذي يتزعمه كولين باول وزير الخارجية الاميركي وهو الأكثر حكمة واعتدالا لأنه يمثل العمل الدبلوماسي ولديه سفارات ورجال يعملون في مختلف بقاع الأرض لديهم القدرة على نقل ما يحدث في الخارج بواقعية، فقد تراجع دوره بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية أمام تيار رامسفيلد ومساعده وخاصة في ظل انحياز وميل الرئيس الاميركي لرامسفيلد وحتى قبل أحداث 11 سبتمبر لأنه ومنذ مجيء الإدارة الاميركية الجديدة بزعامة بوش وهناك قناعة مفادها أن الولايات المتحدة هي القطب الأوحد ولديها من القدرات العسكرية والاقتصادية والبشرية ما يؤهلها لأن تحسم أية قضايا بمفردها ودون الحاجة لأحد أو حتى التشاور مع الآخرين حتى لو كانوا حلفاء لها، هذه الإدارة ترى أن الدخول في مفاوضات والتنسيق مع الحلفاء هي أمور تضيع الوقت وتعطل تنفيذ الاستراتيجية الاميركية الجديدة التي تتبناها إدارة بوش . ويضيف د. قدري: إن وجود تيارين داخل الإدارة الاميركية أو حتى أكثر من تيار أمر لا بأس به إذا كان الجميع يعملون داخل إطار واضح المعالم وخاصة أن هذا العمل يصب في النهاية في الصالح الاميركي، أما إذا كان هناك تعارض وتنافس ودون مراعاة للمصلحة الوطنية فهذا من شأنه أن يضر بالمصالح الاميركية ويؤثر على سمعة الدولة الأعظم في العالم عندما يتردد الحديث عن تخبط وتشويش صانعي القرار، لذلك فطالما الأمور كانت تحت السيطرة والعمل يتم في إطار الهدف والمصلحة الاميركية فلا خوف من وجود أكثر من رأي وخاصة أن الرئيس موجود في النهاية سيدعم الرأي الذي يراه صائبا . ويوافق د. قدري على الرأي الذي يقول بأن هذا الصراع والتنافس بين جناحي الإدارة الاميركية سيؤثر على المصالح الاميركية وذلك بعد أن ظهر بسببه قدر كبير من التردد داخل الإدارة الاميركية عند اتخاذ القرار في بعض القضايا الهامة. لقد بات التردد وعدم الوضوح والتشويش هو السمة التي تحكم السياسة الخارجية الاميركية خلال الفترة الماضية وهو بلا شك يؤثر ويضر بالمصالح الاميركية لأنه لا يساعدها على اتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب، ويضعف هيبتها وخاصة أمام حلفائها الذي يريدون منها تحركا فعالا في الكثير من القضايا الدولية . وحول المصير الذي يمكن أن يلاقيه باول في ظل ميل الرئيس بوش للتيار المتشدد يرى د. قدري أن الإدارة الاميركية ماضية في تنفيذ سياستها واستراتيجيتها المتشددة وسوف يستمر تفوق وسيطرة التيار المتشدد وإذا لم يعجب باول هذا الكلام فلن يكون أمامه سوى الانسحاب بهدوء، الولايات المتحدة الآن تريد ان ترسخ الوضع الإمبراطوري الاميركي وترى أن اللحظة مناسبة لذلك وخاصة أنهم يمتلكون كل مقومات النجاح في تحقيقه . تيار متشدد ومن جانبه يؤكد الخبير الاستراتيجي د. جمال عبد الجواد وجود هذين التيارين بالفعل داخل الإدارة الاميركية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ولكن فيما يتعلق بالمصالح فلا خلاف بينهما على الإطلاق ولايمكن أن يدعي تيار أنه أكثر وطنية من التيار الآخر، ولكن الخلاف هو على الأسلوب فقط، فالتيار المتشدد بزعامة رامسفيلد لديه ميل أكثر للجوء لاستخدام القوة ولتجاهل اعتبارات ومصالح الآخرين ويرى أن الولايات المتحدة يمكنها أن تعمل بشكل منفرد وأن الآخرين عندما يروون نجاح أسلوبها في إدارة القضايا والصراعات الدولية سوف يتجاوبون معها ودون الدخول في مباحثات أو تنسيق وغيره، هذا التيار لا يريد تقديم أية تنازلات طالما أنه يستطيع تحقيق ما يريد من خلال استخدام القوة، أما التيار الأخر المعتدل ويتزعمه باول فيرى أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تعمل منفردة لأن هذا يزيد مهمتها صعوبة بل يجعلها مستحيلة، وأن القوة العسكرية لابد وأن تواكبها رؤية سياسية شاملة تساعدها على تحقيق الهدف المطلوب، أي أنه لابد أن تكون هناك مسافة للتوافقات مع الآخرين . ويؤكد د. جمال عبد الجواد أن هذه الخلافات بين التيارين قد تجسدت في أكثر من موقف منها الموقف من العراق ففي حين يميل التيار المتشدد لتوجيه ضربه عسكرية سريعة لتحقيق الأهداف الاميركية في العراق، يرى التيار الأخر المعتدل التريث والبدء في إجراءات أخرى مهمة قبل الاقدام على هذه المهمة الصعبة من وجهة نظره، مثل عودة المفتشين الدوليين ودعم المعارضة العراقية والتنسيق مع دول الجوار وغيرها من الأمور، أيضا ظهر هذا الخلاف فيما يتعلق بموضوع الحرب ضد الإرهاب، في الوقت الذي يرى فيه التيار المتشدد ضرورة أن يتسع نطاق هذه الحرب لتشمل دولا أخرى ومناطق متعددة من العالم، نجد على الجانب الأخر التيار المعتدل يطالب بالتريث كذلك في هذا الموضوع، وأخيرا فيما يتعلق بالشرق الأوسط فقد أظهرت جولة كولين باول الأخيرة في الشرق الأوسط حجم هذا الصراع حيث فشلت هذه الجولة فشلا ذريعا بسبب ضغوط التيار المتشدد وبحيث تدهورت الأوضاع بهذه الصورة التي عليها الآن . تكلفة عالية ويرى د. جمال عبد الجواد أن الرئيس الاميركي بوش يبدو أكثر ميلا للتيار المتشدد وأن كانت طاقته وخبرته بالنسبة لقضايا السياسة الخارجية قليلة وأسلوبه في التعامل مع هذين التيارين سواء فيما يتعلق بالسياسة الخارجية أو غيرها يعتمد على أن يكون الحكم بين التيارين دون بذل عناء محاولة تطوير مبررات القرارات التي تتخذ، وبحيث تكاد تكون السياسة الخارجية سياسة داخلية تتم من خلال الحكم بين التيارين المعتدل والمتشدد، وان كان واضحا حتى الآن ميل بوش للتيار المتشدد على طول الخط ما لم تكن القضية مثار الخلاف قد تؤدي الاستجابة للتيار المتشدد بخصوصها إلى تكلفة عالية أو إضرار بالمصالح الوطنية الاميركية، أي أن الرئيس بوش يرى في التيار المتشدد قربا من أفكاره الأيديولوجية التي تؤمن بالعمل المنفرد والانعزالية . وحول إمكانية أن يتغير أسلوب العمل داخل الإدارة الاميركية مستقبلا وبحيث يختفي هذا الصراع يرى د. جمال عبد الجواد أنه لا توجد مؤشرات على تغيير هذا الأسلوب في الوقت القريب، ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو حدوث بعض الحسم في الكثير من القضايا موضع الخلاف بين التيارين وهو ما سيؤدي بمرور الوقت إلى حدوث التقارب بينهما، كما حدث في موضوع مبادرة الدفاع الصاروخية لقد كان التيار المعتدل يرى بعدم أغضاب روسيا بالعمل المنفرد في هذا الموضوع لأن ذلك ليس من مصلحة اميركا في حين رأى التيار المتشدد عكس ذلك، لكن الذي حدث في نهاية الأمر أن وافقت روسيا على المطالب الاميركية وبالتالي ذهب الخلاف بينهما. ويؤكد د. جمال عبد الجواد أن هذا الصراع وما يؤدي إليه من تردد اميركي عند اتخاذ الكثير من القرارات لاشك أنه يؤثر كثيرا على المصالح الاميركية وعلى هيبة وسمعة الدولة الأعظم في العالم، وخاصة أن العالم يتوقع من الولايات المتحدة قدرة على الفعل وبالذات في الأحداث الكبرى مثل الشرق الأوسط، وهو ما يضر بالمصالح الاميركية وبمصالح الدول الأخرى في الوقت نفسه، ومن هنا فوقوع الضرر على الولايات المتحدة بسبب هذا التخبط أمر وارد وان كان هذا لا يمنع من القول بأن هذا الضرر لاشك سيكون أقل حدة من الضرر الذي قد يقع على العالم كله لو سيطرت آراء التيار المتشدد على السياسة الخارجية الاميركية. القاهرة ـ مكتب «البيان»