قبل أن يدخل الرئيس جورج بوش الابن البيت الأبيض 2001، وعندما كان الفريق المعاون لبوش والمختص بالسياسة الخارجية مازال خارج الحكم، كان من السهل أن نعرف أن هذا الفريق في معظمه، له فلسفة وتوجه سياسي متقارب، يغلب عليه بالنسبة للخطوط العامة على مستوى العالم، فكرة الهيمنة، وأن ما تملكه الولايات المتحدة من قوة وتفوق وتقدم، يهيئ لها وضع الدولة التي تقود وتأمر، أما على مستوى ما يخص الشرق الأوسط، فقد كان التوجه يتراوح بين الميل لإسرائيل والتحيز المطلق لها. كان هذا الفريق في معظمه ينتمي إلى ما يعرف بالتيار اليميني في الحزب الجمهوري أو حركة المحافظين الجدد، وقد جمعهم تحالف مع اليمين في إسرائيل خاصة الليكود، ظهر بصورة صارخة في فترة التسعينيات وخلال وجود الجمهوريين في المعارضة، بينما كلينتون الديمقراطي يتولى الرئاسة، يقوم التحالف والتنسيق بين أبرز ثلاثة ضمن هذا الفريق المعاون للرئيس بوش، الذي يمسك في يديه بدفة السياسة الخارجية، لتبحر في الإتجاه الذي يتسم مع برامجهم، وهم ريتشارد تشيني نائب الرئيس، ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وبول وولفويتز نائب وزير الدفاع، والثالث يختص أكثر بالتخطيط والتنظير وقد عمل مع تشيني في البنتاغون عندما كان وزيرا في حكومة بوش الأب، وكان قبل أن يشغل موقعه الحالي نائبا لرامسفيلد، يعمل رئيسا لكلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، والتي تصدر مجلة فصلية متخصصة في قضايا الفكر السياسي والاستراتيجي، ظل يبشر فيها بفكره ونظرياته. هذا الثلاثي، بالإضافة إلى آخرين مثل جون هاناة مستشار نائب الرئيس لشئون الشرق الأوسط ، ودوجلاس فيث وكيل وزارة الدفاع للشئون السياسية، وريتشارد بيرل رئيس المجموعة السياسية الاستشارية بوزارة الدفاع، طبع السياسة الخارجية في فترة حكم الرئيس الأميركي الحالي بما وصف بعسكرة السياسة الخارجية، وإتخاذها منهجا متشددا متصلبا. كما يمثل تيارا غارقا بفكره السياسي في مفاهيم الحرب الباردة لم يتخلص من شكوكه وهواجسه نحو روسيا والصين، يرفض ما يعتبره التراخي تجاه أنظمة حكم يراها خطرا على أمن الولايات المتحدة ، حتى ولو لم تكن معادية لها، لأن إمتلاكها لأسلحة استراتيجية، يتيح لها إمكان فرض أوضاع إقليمية تتعارض مع خطط الولايات المتحدة، لإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية بعد إنتهاء الحرب الباردة، ولهذا فتيار المحافظين الجدد، يشدد على تأكيد قوة أميركا العسكرية واستخدام القوة إذا دعت الضرورة لتغيير أوضاع أو أنظمة حكم، وينتهي إلى خطين أساسيين: سياسة خارجية تستند إلى مفاهيم القوة، وأن تظل للولايات المتحدة الهيمنة، وأن تكون صاحبة الرأي والقرار حتى ولو اختلف معها الآخرون ومن ضمنهم الحلفاء. وثمة مجموعة أخرى جمهورية أكثر توازنا في مواقفها وآرائها، يشغل أعضاؤها حاليا مناصب مهمة في الصف الثاني في مواقع الحكم خاصة في وزارتي الخارجية والدفاع، مثل ريتشارد هاس، وريتشارد ارميتاج، ودوف زكهايم، وروبرت زوليك، ولا يخفى أن هناك شبه منافسة بين مجموعة الاعتدال المنتمين لتيار الواقعية السياسية ومجموعة اليمين المحافظ المتشدد تحت مسمى المثالية السياسية، في دفع السياسات نحو مفاهيم الهيمنة بالإضافة إلى إرتباطات التحالف القديم بين هذا اليمين الجمهوري، وبين الليكود في إسرائيل وجرت بالضرورة عملية ممارسة مهام السياسة الخارجية من جانب كولن باول وزير الخارجية والذي يمثل مجموعة الاعتدال، باعتباره المختص بالسياسة الخارجية، لكنه واجه حركة معاكسة من وزارة الدفاع، تحاول فرض رؤيتها على السياسة الخارجية الأميركية، ثم اكتملت حلقات سيطرة هذا الإتجاه بالمرحلة اللاحقة التي وصفت بإختطاف البيت الأبيض للسياسة الخارجية من أصحابها في وزارة الخارجية، عندما ظهر وقوف ديك تشيني نائب الرئيس، وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي، في نفس الصف الذي يقف فيه رامسفيلد وبول وولفوتيز. ولاشك أنه يتسرب من داخل وزارة الخارجية تململ من هذا التحول، وقيل أن عددا من أصحاب المراكز المؤثرة في وزارة الخارجية، مثل ويليام بيرنز مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط، وريتشارد هاس مدير التخطيط السياسي، بالإضافة إلى عدد من الخبراء الذين يرجع إليهم كولن باول أحيانا ويستطلع رأيهم بالنسبة للشرق الأوسط، قد حذروا من خطورة السياسة الأميركية الحالية على الوضع في المنطقة، وعلى مصالح الولايات المتحدة، ونصحوا بدور أميركي أكثر توازنا بين إسرائيل والعرب، ولكن قيل أيضا أن كولن باول آثر السلامة، واختار أن يحني رأسه للتيار الغالب، وألا يحاول فرض وجهة نظره ، ثم يخرج من هذا الموقف خاسرا، لأن التيار الغالب، خاصة بعناصره في البيت الأبيض والبنتاغون، يجمعهم ميل صريح نحو مؤازرة شارون وما يفعله ، ومعارضة حادة لعرفات وحتى لا تظل عيوننا ترى في سياسة بوش تناقضات، وهي ليست بتناقضات، وحتى لا يشغلنا شئ عن رؤية الفجوة التي تزداد إتساعا بين ما نراه نحن العرب سلاما، وبين رؤية الولايات المتحدة اليوم للسلام، فمن المهم أن نتوقف أمام المبدأ أو الفلسفة أو القاعدة التي شيدت عليها إدارة بوش سياستها الحالية في الشرق الأوسط ، وهي القاعدة التي لم تتغير منذ دخل بوش البيت الأبيض في يناير 2001، وحتى حرب التدمير التي أعلنها شارون ضد الفلسطينيين كشعب ووجود. ان التغيير الجوهري الذي حدث في فهم الولايات المتحدة لعملية السلام، إنما يتمثل في التراجع عن النظر إلى الأرض الفلسطينية على أنها أرض محتلة، وهذا يعبر عن تحول جذري في المفهوم الذي أسست عليه الإدارات الأميركية السابقة سياستها من عملية السلام التي اعتبرتها حسب الواقع الفعلي والقانوني والسياسي أرضا محتلة، وأن عملية السلام ستؤدي التي إنهاء هذا الاحتلال، وإقامة سلام كامل ودائم وشامل في المنطقة. وهذا يفسر الخلط الذي نلاحظه في الخطاب السياسي الأميركي في القائه مسئولية الوضع الخطير في الأراضي الفلسطينية على عرفات المحاصر داخل مبنى متهدم في رام الله تطوقه الدبابات الإسرائيلية، وليس على أصل المشكلة وهي أن هناك إحتلالا أجنبيا يفرض وجوده بالقوة الكاسحة والمدمرة، وسيظل هذا الإحتلال حسب منطق التاريخ، عنصرا متجددا في إيجاد أسباب العنف والصراع بلا توقف وبلا نهاية. وتقوم التناقضات في السياسة الأميركية نتيجة العمل أحيانا على موازنة إنحيازها الكلي لإسرائيل، بتصريحات تخفف من وقع هذا الإنحياز على العرب، ومن ذلك مثلا خطاب بوش في الرابع من أبريل الماضي الذي تحدث فيه عن وقف المستوطنات، ووضع حد لإذلال الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل، وتصريحاته اللاحقة بمطالبة شارون بالإنسحاب دون إبطاء وفورا من الأراضي الفلسطينية، وبعدها إيفاد كولن باول وزير الخارجية في مهمة محكوم عليها مقدما بالفشل، فهو جاء بلا تفويض، وفي مهمة فارغة المحتوى، حتى أن تناقضات الظروف التي جاءت به، أخذت تطوح به ما بين تصريحات في مدريد والدول العربية، لها إتجاه محدد، وتصريحات في إسرائيل لها معنى معاكس تماما، وكانت ذروة فشله في ظهوره بمظهر العاجز عن الحصول من شارون على تعهد بوقف مجازره في الأراضي الفلسطينية، التي شهدها ميدانيا بعينيه، ولم يكن إخفاق باول مفاجأة، فهو قد جاء، وفي حقيقته تكليف بالمهمة، إلى جانب مقومات الفشل، فمن البداية كانت المجموعة المسيطرة على البيت الأبيض ووزارة الدفاع، معارضة لزيارة باول للمنطقة، وحين غيرت موقفها فيما بعد، وقبلت أن يقوم باول بالزيارة، فقد جاء ذلك نتيجة ضغوط عليها أرادت أن تبطل مفعولها بإتمامها الزيارة، وليس لوقف عدوان إسرائيل أو حل النزاع. إن الرئيس بوش محاط بمجموعة مساعدين لها توجه سياسي مناصر لإسرائيل على طول الخط، وهذه المجموعة تكاتفت لإضعاف الفريق الآخر المعتدل في وزارة الخارجية الذي كان يمكن أن يحافظ على التوازن داخل إدارة الرئيس بوش، ومجموعة الصقور هذه تعمل حسب مفاهيم سياسية ربطتها باليمين المتعصب في إسرائيل ممثلا في الليكود ضمن نظرتها الأوسع للعالم، الذي مازالت فيها أسيرة عصر صراعات الحرب الباردة، وقوى الشر، والرسالة الإنسانية للعالم وللبشرية، وهو العصر الذي كانت فيها إسرائيل قاعدة عمليات أميركية في الشرق الأوسط (وطرفاً أو وكيلاً في إشعال الحروب الاهلية ، والإقليمية والاغتيالات السياسية وعمليات المخابرات) وجزءاً من استراتيجية الولايات المتحدة العالمية، أو حسب التشبيه الذي سبق أن استخدمه قبل سنوات «نيوت جنجرش» الذي كان أحد الأقطاب البارزين ضمن اليمين الجمهوري، حيث قال إن إسرائيل هي حاملة طائراتنا في الشرق الأوسط ويبدو أن الجمهوريين الذين يتولون الحكم الآن في الولايات المتحدة، يسعون لإحياء دور إسرائيل كقاعدة العمليات الأميركية في الشرق الأوسط واستخدامها في الدور الذي تكلف به في حربهم على الإرهاب، ضد محطات أخرى قادمة خارج أفغانستان، في المنطقة وفي العالم. وبين الصقور والحمائم بالمفهوم النسبي، يتأرجح موقف الرئيس بوش، قليل الخبرة بطئ القرار،ضعيف الحسم، حيث باول وحمائمه يرون أن الوقت قد أصبح ملائما لإنغماس واشنطن في صراع الشرق الأوسط، بعد أن لعلعت نيرانه بشكل يهدد المصالح الحيوية الأميركية، فضلا عن تهديد أمن إسرائيل، التي يجب إنقاذها من رعونة اليمين الحاكم بقيادة شارون وجنرالاته الدمويين، أما صقور تشيني وباقي المجموعة، ترى أن الصراع لم يبلغ بعد نقطة السخونة والنضج، وإن الوقت مبكر جدا للإنغماس في تسوية بطريقة تحقق المصالح الأميركية، التي هي أصلا غير معرضه للخطر من العرب المسالمين المهادنين الضعفاء، رغم كل الصراخ والضجيج الصاخب، ويلقى الصقور دعما هائلا من الكونغرس المتشدد أصلا، والذي ينحاز بكل قوة وبأغلبية كاسحة لإسرائيل، حتى وهي ترتكب كل فظائع الحرب غير الأخلاقية، بحجة أنها تدافع عن نفسها ضد الوحوش العرب الإرهابيين، الذين تجرأوا حتى على مهاجمة الولايات المتحدة في عقر دارها يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، الذي لا يزال حيا في أذهان السياسيين والرأي العام، والذي تتأجج ذكراه المريرة عبر صفحات الصحف وشاشات التلفزيون صباح مساء. ولعل الرئيس الأميركي لم يكن في حاجة إلى حجة العمليات الاستشهادية الأخيرة للإعلان عن تأجيل مبادرته للسلام في الشرق الأوسط والدولة الفلسطينية «المؤقتة» أو الإنتقالية فهو قد أخذ وقته أصلا، من أجل القيام بسلسلة مشاورات مع فريقه في الإدارة قبل أن يدلي بخطابه الموعود، كما أنه من الواضح أن هذه المشاورات ستؤدي إلى تنازع بوش بين التيارين اللذين يحكمان الكثير من القرارات الأميركية، قبل أن يحزم أمره، وليس سرا أن وزير الخارجية كولن باول يسعى إلى اقناع رئيسه بتسريع تقديم فرصة للأفق السياسي عبر اقتراحات أميركية محددة تفتح الباب لعقد المؤتمر الدولي، تمهيدا للمفاوضات السياسية، وإن الفريق الآخر الممثل بنائب الرئيس ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي، يسعى إلى تأجيل الإلتزامات الأميركية، خصوصا إذا كانت تشمل، ولو تلميحا جدولا زمنيا (حتى إذا كان تقريبيا)، ومن بين الإتجاهات التي تتنازع بوش وتؤخر قدرته على الحسم هو «الإنتخابات النصفية» المقبلة في شهر نوفمبر المقبل التي تشمل إنتخاب حكام الولايات الأميركية وأعضاء مجلس النواب ونصف أعضاء مجلس الشيوخ،إلا أن السبب الأهم الذين ربما يكون بوش خاضعا له، هو أن الفريق المتشدد مهتم، فيما يخص أوضاع المنطقة، بالتخطيط للعمليات الخاصة في العراق أكثر من إهتمامه بما يجرى بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هناك رأي يمثله كولن باول يصر على مركزية معالجة النزاع العربي - الإسرائيلي جذريا قبل فتح ملف العراق، ورأي معارض لأسباب عدة بينها الرغبة بتحجيم مساهمة البيئة الإقليمية العربية، وحماية إسرائيل من ضغوط عليها، ومقارنة فكرة قيام الإدارة الأميركية بفرض تسوية سلمية، جورج بوش يستمع إلى الرأيين، بل أنه احتار كثيرا بين الفكرين،مما اسهم فعليا في تبعثر السياسة الأميركية بين استراتيجيتها التي عبر بوش نفسه عنها في خطاب 4 أبريل 2002 وبين تعابيرها الإرتجالية، على لسان الرئيس نفسه. يقال أن «الصقور» في الإدارة الأميركية سيربحون المعركة، خصوصا أن نائب الرئيس ديك تشيني في صفوفهم، ولكن مشكلة تشيني، إزاء بوش أنه بالغ أحيانا بـ «الأبوية» على الصعيدين الفكري والمنصبي لدرجة لابد أنها تثير الرئيس الأميركي، فبوش يقدر بلاشك تاريخ نائبه وسنه وذكاءه، لكنه قد لايقدر الإفراط في صورة الرعاية الأبوية له، والتي تظهره وكأنه جاهل أو غبي غير قادر على القيادة، لو لم يكن نائب الرئيس هو الحاكم الفعلي. بقلم: د. محمود مرتضى ـ كاتب مصري