من المفيد القول ان زعامة جورج دبليو بوش منذ بدايتها خرجت من دهاليز المحكمة الاميركية العليا التي اجازت فوزه في انتخابات الرئاسة على خصمه الديمقراطي آل جور، وما زالت تلك القضية رغم دستوريتها حديث المحللين والمراقبين السياسيين الذين يشككون في اكثر من موقع في شرعية الفوز بالانتخابات. وعلى تلك الخلفية فإن بوش الابن الذي اعتلى سدة الحكم بخبرة سياسية متواضعة وبينما كان يتلمس طريقه في زعامة الامبراطورية التي تحكم العالم في ظل موازين القطب الأوحد فاجأته احداث 11 سبتمبر التي صعقت الأميركيين والعالم ومثلت عهداً جديداً في النظام الكوني وفي تاريخ الولايات المتحدة. هذه الاحداث قلبت المفاهيم والمعادلات وافرزت استراتيجية أميركية جديدة تجاه العالم ودفعت واشنطن الى ان تقود الحرب العالمية ضد الارهاب في اكثر من اقليم ودولة في العالم وعلى اكثر من ساحة وصعيد. بوش اليوم يقود فريقاً من الوزراء والمستشارين لا يتسم بالتجانس والانسجام، فقد اثبتت الاحداث والمواقف الظاهرة للعلن ان الادارة الاميركية تنقسم الى تيارين احدهما يمثل الصقور والآخر يمثل الحمائم، ويمثل التيار الأول تشيني ورامسفيلد وكوندوليزا رايس وآخرون هم اليمين المتطرف، اما التيار الآخر فيتمحور في كولن باول وزير الخارجية وجورج تينيت رئيس جهاز المخابرات الـ «سي.آي.ايه» وبعض الرموز في الخارجية وهو الفريق الذي يمكن تسميته مجازاً بالحمائم الذي يمثل النهج المعتدل والعقلاني. بين هذا الفريق وذاك وجد سيد البيت الابيض نفسه بين خطين متناقضين يحاول كل طرف ان يدفعه باتجاه سياساته ومنهجيته ويطرح المبررات والحيثيات الامر الذي خلق شقوقاً في جدار البيت الابيض جراء تلك التناقضات وانعكس على السياسة الأميركية وتوجهاتها تجاه دول العالم، وبدت بعض المواقف مرتبكة ومتناقضة ومترددة حتى انكشف المشهد الداخلي الاميركي على العالم واتضحت كل تقاطعاته وتفاصيله. ان تناقضات السياسة الأميركية تجاه القضايا العالمية تبدو من التصريحات المتضاربة لمسئولي الادارة الاميركية وبالتالي فإن واشنطن تبدو اليوم وكأنها لم تحسم امرها ولم تحدد استراتيجيتها بصورة قاطعة حيال كثير من الموضوعات والأزمات الساخنة في العالم، فما زالت تتعامل مع أزمة الشرق الأوسط بروح من التردد والتهيب وتتضارب التصريحات من يوم لآخر، لأن مطبخ القرار اسير لتنازع تيارين متضادين، فبينما يدعو البعض الى التعامل بشيء من العقلانية مع القضية الفلسطينية حفاظاً على المصالح الاميركية في المنطقة العربية وعدم اثارة مشاعر العداء ضد اميركا في العالمين العربي والاسلامي يبرز التيار المتشدد الذي يقوده اليمين المتطرف المندمج سياسياً وروحياً مع اللوبي الصهيوني ليدعو الى دعم خطط شارون واستبعاد عرفات ونصرة الدولة العبرية ضد النظام الاقليمي العربي برمته. ان مجموعة الصقور التي يقودها رامسفيلد تدعو الى استعداء العراق وايران وسوريا وليبيا وتضع خططاً سياسية واستراتيجية لمعاقبة هذه الدول وتقليم اظافرها وتحرص على وضعها ضمن ما يسمى بمحور الشر. وفي المحصلة النهائية فإن مثل تلك السياسة والمنهجية المتطرفة ستقود بطبيعة الحال الى تأليب العداء على واشنطن في أوساط الشعبين العربي والاسلامي، الامر الذي من شأنه ان يخلق بيئة خصبة لنمو الكراهية والحقد على الولايات المتحدة، وبالتالي يغذي بعض جماعات الارهاب ضد المصالح الأميركية مما يستوجب معه اعادة النظر في التعاطي مع قضية الشرق الأوسط ومراعاة حجم المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والعالم العربي.