اعتبرت الأوساط المراقبة في دمشق زيارة مصطفى يلماظ وزير الدولة التركي لمشروع جنوب الأناضول «الغاب» لسوريا ومحادثاته مع المهندس رضوان مارتيني وزير الري السوري مؤشراً مهماً على حدوث تطور نوعي في علاقات البلدين خاصة وان الجانبين يبحثان إقامة، برامج تعاون جديدة ومشتركة تقضي بالوصول الى قسمة عادلة ومعقولة بين الدول الثلاث المتشاطئة على نهر الفرات وهي سوريا وتركيا والعراق. وأوضحت مصادر وزارة الري السورية لـ «البيان» بأن هذه المحادثات تهدف الى تفعيل علاقات التعاون وتبادل الخبرات والتجارب في مجال ادارة المياه وتنفيذ مشاريع الري معتبرة ان التعاون على صعيد المياه يدعم علاقات التفاهم ويعزز عوامل الثقة ويحقق مصالح مشتركة ستكون لها انعكاسات ايجابية. وقال مصدر دبلوماسي تركي ان الزيارة تعد مقدمة لايجاد حلول لمشكلات المياه بين البلدين مشيراً الى انها اي الزيارة تعبر عن اتجاه جديد في التعامل مع المسائل العالقة بين دمشق وأنقرة وبالتالي فإن الخطة الموضوعة لتطوير العلاقات تشير وفق البرنامج الزمني المرسوم لها. وأضاف ان هذه التطورات الايجابية والمتسارعة جاءت في أعقاب اتفاق اضنة الموقع عام 1998 حيث استطاع البلدان ان ينقلا علاقاتهما الثنائية الى مرحلة الانفتاح والتعاون الشامل وهو الأمر الذي ساعد بالفعل على المساهمة في استقرار الوضع الاقليمي كله. وأكد أن هذه المباحثات ستمهد لفتح ملفات المياه المتنازع عليها من جديد بين سوريا وتركيا وبالتالي تجاوز العقدة الكبرى التي تحول دون تحقيق تطور نوعي في العلاقات الثنائية.ويرى الخبراء والمراقبون ان موافقة الجانب التركي على الدخول في مفاوضات مع سوريا للوصول الى صيغة محددة لتقاسم مصادر المياه يعد تطوراً نوعياً في العلاقات السورية التركية لانه حتى وقت قريب كانت انقرة ترفض حتى مجرد الحديث عن موضوع المياه. ويضيف هؤلاء ان الجانب السوري بأمل ان تقود هذه المباحثات بالنهاية الى عقد اتفاق نهائي وحول تقاسم مياه نهر الفرات ليحل بذلك محل البروتوكول المؤقت الذي كان قد جرى ابرامه العام 1987 والذي نص على أن يقوم الجانب التركي بفتح نحو 500م3 من الماء في الثانية الى الجانب السوري. وفي أوقات كثيرة أقدم الجانب التركي على خفض هذه الكمية الأمر الذي ألحق أضرارا كبيرة بالمحاصيل الزراعية والثرية في مناطق الجزيرة وشمال سوريا. واوضحت المصادر المطلعة انه في حال تم التوصل الى اتفاق جديد فان العراق سيكون جزءا اساسيا منه لان هناك تفاهماً سورياً ـ عراقياً على خوض مفاوضات المياه بصورة موحدة مع تركيا من اجل الحصول على أكبر كمية من المياه المشتركة في الفرات ودجلة مشيرة الى ان هناك لجنة مياه ثلاثية سورية ـ عراقية ـ تركية مشتركة ومن المفترض ان تدعو الى الاجتماع في أعقاب هذا التطور النوعي الذي سجلته العلاقات السورية ـ التركية في مجال قطاع المياه. واشارت المصادر السورية الى ان وزير الري السوري اثار مع نظيره التركي موضوع شبكات السدود الضخمة التي أقامتها وتقيمها تركيا على نهر الفرات وخاصة السدود المقامة جنوب الاناضول بإرواء ما يزيد على مليون هكتار وهو الأمر الذي أثر على منسوب المياه وبالتالي حصة سوريا من نهر الفرات. كما جرى التطرق الى حادثة انهيار سد زيزون وانعكاسات ذلك على مسألة السدود والمياه في تركيا، حيث جددت المصادر السورية تأكيدها بأن الجانب التركي لم يطالب بأية تعويضات عن أضرار مفترضة بل ابدى استعداده لتقديم كل أشكال العون والمساعدة الى الجانب السوري وهو عرض ارسال خبراء وآليات من أجل المساهمة في تطويق الكارثة. ولاحظت المصادر الدبلوماسية ان هذا التطور الجديد في العلاقات السورية ـ التركية يتزامن مع حركة اتصالات ناشطة بين البلدين وعلى أعلى المستويات فقد أرجا الدكتور مصطفى ميرو رئيس الوزراء السوري زيارة مهمة ورسمية كانت من المقرر ان يقوم بها لتركيا خلال هذا الاسبوع وذلك بسبب الوضع الصحي لرئيس الوزراء التركي بولنت اجاويد. وأكدت المصادر السورية انه تجرى حاليا اتصالات مع الجانب التركي من اجل تحديد موعد جديد لزيارة ميرو مرشحة ان تتم الزيارة قبل نهاية الشهر الحالي. اتفاقات جديدة ويعلق الجانبان أهمية كبيرة جدا على زيارة د. ميرو لأنقرة لأنها ستكون الأولى من نوعها لرئيس وزراء سوري يزور تركيا منذ عقد الخمسينيات وحتى الان. ويتوقع ان يتم خلال الزيارة التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الجديدة للتعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والسياحة والمواصلات والسري. وكشفت مصادر دبلوماسية النقاب عن ان هناك توجها لدى الجانبين لتشكيل لجنة مشتركة تتولى ادارة شئون المياه بين البلدين ووضع الحلول والمقترحات الدائمة لتطوير التعاون في هذا المجال معتبرة ان زيارة وزير الدولة التركي لشئون مشروع جنوب الأناضول «الغاب» الحالية لدمشق تعد جزءا من الاستعدادات والتحضيرات الجارية بشأن زيارة رئيس الوزراء السوري المرتقبة لأنقرة. وكان عبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري قد زار تركيا العام الماضي ليكون بذلك ارفع مسئول سوري يحضر الى أنقرة منذ انتهاء الأزمة التي نشبت بين البلدين عام 1998، وأكدت المصادر الدبلوماسية أنه ليس مستبعداً ان يقوم بشار الاسد الرئيس السوري بزيارة انقرة في وقت لاحق اذا ما استمرت اجواء وعلاقات البلدين في التحسن السريع وتم التوصل الى اتفاق حول موضوع تقاسم مصادر المياه مشيرة الى زيارة العماد حسن توركماني رئيس الاركان السوري حالياً لأنقرة والتي تؤكد بجلاء ان العلاقات بين البلدين قد انتقلت بالفعل الى مسار جديد يعد الأكثر اهمية وسط توقعات ان يتم التوقيع على اتفاقية للتعاون في مجال التدريب والانقاذ وهو ما سيؤدي الى إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة. وترى هذه المصادر ان تطور العلاقات السورية ـ التركية سيؤثر ايجابياً على العديد من المسائل الاقليمية وفي مقدمتها الموضوع الكردي الى جانب اعتبار الشأن العراقي فمن اية حالة جديدة بين دمشق وانقرة وفي هذا السياق كشفت المصادر السورية انه يجري حاليا الاعداد بإقامة منطقة تجارة حرة بين سوريا وتركيا حيث تقوم الجهات المختصة في البلدين بإجراء التحضيرات اللازمة للتوقيع على هذه الاتفاقية. وكانت مستشارية التجارة الخارجية التركية قد طلبت عقد سلسلة من الاجتماعات مع وزارة الاقتصاد السورية للاتفاق على كل القضايا المتصلة بموضوع منطقة التجارة الحرة. كما طلبت معلومات دقيقة عن سير مفاوضات الشراكة بين سوريا ودول الاتحاد الاوروبي حيث من المقرر ان يتم بحث مجمل هذه القضايا في إطار اجتماعات اللجنة العليا السورية ـ التركية التي ستعقد برئاسة رئيسي وزراء البلدين في وقت لاحق من هذا الشهر وذلك لأول مرة الى ذلك. وأكدت المصادر السورية الرسمية أنه يجري حاليا الإعداد لإقامة منطقة تجارة حرة بين سوريا وتركيا حيث تقوم الجهات المختصة في البلدين بالتحرك والدراسة لعقد اتفاقية بهذا الشأن، وذكرت صحيفة «الثورة» السورية الصادرة امس ان مستشارية التجارة الخارجية التركية طلبت من وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية عقد سلسلة من الاجتماعات بين الجانبين لدراسة كل القضايا والمواضيع المتعلقة بإقامة منطقة للتجارة الحرة وبشكل مستقل عن اجتماعات اللجنة العليا السورية ـ التركية المشتركة. كما طلبت تزويدها بسير المفاوضات مع الجانب الاوروبي حول موضوع الشركة وفق اعلان برشلونة الشهير الذي ارسى نواة الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية ودعا الشركاء المتوسطين الى عقد اتفاقيات شراكة وإقامة مناطق للتجارة الحرة فيما بينهم. وأشارت الصحيفة الى ان موضوع منطقة التجارة الحرة عرض على اجتماعات اللجنة العليا السورية ـ التركية التي عقدت مؤخراً في أنقرة الا ان الجانب السوري طلب التريث وذلك على الرغم من وجود قناعة لدى الحكومة السورية بحجة التوصل الى اتفاق بهذا الشأن نظرا لتنامي وتطور علاقات التعاون ويريد الجانب السوري معرفة ودراسة تأشيرات وانعكاسات خطوة كهذه على الاقتصاد السوري وقطاعاته المختلفة.