حملت الحكومة الجديدة التي أعلنت الرئاسة الجزائرية عن تشكيلها امس الاول جملة من المفاجآت والتساؤلات فهي أولا اكبر حكومة تعرفها الجزائر منذ الاستقلال حيث بلغ تعدادها أربعين وزيرا، وكاتب دولة. وثانيا هي أول حكومة جزائرية تضم خمس نساء دفعة واحدة. وثالثا احتلال الشخصيات المستقلة لنحو ثلث عدد المناصب الوزارية وهي ظاهرة لم تحدث منذ مطلع الثمانينات حين زرعت جبهة التحرير الوطني «الحزب الواحد آنذاك» المادة 120 سيئة الصيت التي تمنع توزيع المسئوليات على غير المنخرطين بها. وجيء بعدد كبير من وزراء حكومة بن فليس على غير العادة من المقاعد الخلفية لأجهزة الحكم ووظائف الدولة. وإذا كانت هذه أشباه مفاجآت فإن ما فاجأ الجميع أكثر هو تثبيت وزير الدولة للداخلية نور الدين يزيد زرهوني في منصبه رغم اعتباره من الخاص والعام من أهم المسئولين على انفجار الوضع بمنطقة القبائل ثم اتهامه بالعجز المستمر على معالجة هذا الملف بتراكم الأخطاء والتجاوزات. وكان الاتجاه العام في الجزائر يميل قبل أيام الى فرضية مفادها ان الرئيس بوتفليقة سيستغل تعيين الحكومة الجديدة لإظهار النوايا بنزع الفتيل في القبائل من خلال تعيين شخصيات قادرة على التعاطي مع الأزمة لا سيما في منصب الداخلية. وأجمعت الصحافة الجزائرية التي صدرت أمس بأن تعيين زرهوني كان قضية شخصية للرئيس بوتفليقة لقربه منه. وهو قرار لا يريده رئيس الحكومة علي بن فليس لكنه أرغم على قبوله. أما أحمد أويحيى وزير الدولة للعدل في الحكومة السابقة فقد عين في منصب «وزير الدولة المفوض الشخصي لرئيس الجمهورية» وهو منصب لغز وغامض بنظر الملاحظين وقد استحدث للمرة الأولى في تاريخ الجزائر وسيظهر المستقبل أهمية هذا الموقع الجديد في حياة الرجل اعتبارا لتعدد القراءات لهذا التعيين. فأويحيى كان قد طلب قبل أيام إعفاءه من أي منصب تنفيذي للتفرغ لإعادة بناء التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه بعدما أصيب بنكسة في انتخابات 30 مايو الماضي. وهو ما يعني أنه يريد الاستعداد للمواعيد الانتخابية المقبلة لاسترجاع الصدارة التي فقدها. لكن بوتفليقة وبن فليس ألحا عليه كل بطريقته الخاصة للمشاركة في تحمل أعباء الحكم. ويأتي هذا التعيين توفيقيا فهو ينقص من حجم عمله بغرض التفرغ نسبيا لعمل حزبه خاصة مع موجة المعارضة التي يلاقيها من مجموعة غاضبة مدعمة من أوساط نافذة في الحكم من جهة ويبقيه على صلة بمؤسسات الدولة من جهة أخرى. هذا الذي يبدو ظاهريا لكن الأوساط السياسية والمعلقين في الجزائر أعطوا قراءتين لتعيين أحمد أويحيى في هذا المنصب الغامض. القراءة الأولى أن التعيين يدخل ضمن تقاليد الحكم في الجزائر حيث جرت العادة بتعيين شخصيات مؤثرة في منصب مستشار بالرئاسة أو في أي منصب آخر تابع مباشرة لرئيس الجمهورية عندما يراد التخلص منها و تقليص نفوذها بدون ضجيج أما القراءة الثانية فهي تحضيره لخلافة بوتفليقة في الرئاسة وهو أقر الاحتمالين الى الواقع. فقد جاء اسمه في المركز الثاني بعد اسم رئيس الحكومة علي بن فليس وقبل وزيري الدولة للداخلية والخارجية وهو ما يعني أن قيمته أعلى منهما في الحكومة الجديدة كما كان مرتبا في المركز الثاني في الحكومة السابقة عندما عين وزيرا للعدل وهي أول مرة في تاريخ الجزائر يكون فيها وزير العدل قبل الداخلية والخارجية في ترتيب الأهمية والأهمية هنا لم تعط للمنصب ولكن للشخص الذي يحتل هذا المنصب بدليل أن وزير العدل الجديد محمد شرفي جاء في الصف الخامس ضمن القائمة المحددة حسب الأهمية. وكان أحمد أويحيى قد قاد انقلابا داخليا في حزب التجمع بمباركة الأوساط الفاعلة في الحكم من أجل قيادة الحزب باعتبار ذلك هو طريق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية. وسيواصل عبد العزيز بلخادم مهامه في قيادة الديبلوماسية قبل البت في أمر خلافة محمد الشريف مساعدية على رأس مجلس الأمة. وكان بلخادم أول المرشحين لهذا المنصب قبل الانتخابات البرلمانية وفوز جبهة التحرير بها لكن اليوم تغيرت المعطيات ويدرس أصحاب الحل والربط ايجاد توازن بين غرفتي البرلمان التي تسيطر على إحداهما جبهة التحرير وعلى الأخرى التجمع الديمقراطي. وورد اسم عبد القادر مساهل في الأيام الماضية كخليفة لبلخادم لكنه عين في منصب وزير منتدب لدى وزير الخارجية مكلف بالشئون المغاربية والافريقية. نساء في اللعبة ومن أهم الوجوه الجديدة في الحكومة خليدة مسعودي التي شغلت منصب مستشار لدى رئيس الجمهورية لشئون الأسرة وكانت نائبا بالبرلمان السابق عن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وعضوا في لجنة إصلاح المنظومة التربوية. وتقود جمعية «راشدا» النسوية ومناضلة شرسة لتحقيق مطالب البربر الثقافية واللغوية. وكانت ممن قادوا التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الى التحالف مع بوتفليقة والسير خلفه والمشاركة في حكومته بوزيرين وهو ما فسر وقتها على أنه انقلاب في التركيبة الفكرية للحزب كونه كان معارضا ويدعو الى حل الأحزاب الاسلامية ثم أصبح معها في ائتلاف حكومي. وبالإضافة الى منصبها الجديد في وزارة الاتصال والثقافة عينت خليدة ناطقة رسمية باسم الحكومة وهو منصب عاد الى الظهور بعد ما ألغاه الرئيس بوتفليقة عند وصوله الى سدة الحكم عام 1999. وعاد حميد تمار الى وزارة المساهمة وتنسيق الإصلاحات التي تركها قبل عام لنور الدين بوكروح المعين في الحكومة الجديدة في منصب وزير التجارة ونور الدين بوكروح هو زعيم حزب التجديد الجزائري. وحافظ عدد من الوزراء على حقائبهم إما لتحقيقهم نتائج مقبولة في قطاعاتهم أو لشروعهم في مهمات كبرى ضمن برنامج الإنعاش الاقتصادي تتطلب الاستقرار ومنها شكيب خليل وزير الطاقة والمناجم وحافظ أيضا على منصبه كمدير عام لشركة سونطراك والدكتور سعيد بركات وزير الفلاحة والأخضر ضرباني وزير السياحة وبوعبد الله غلام الله وزير الشئون الدينية والبروفيسور عبد الحميد أبركان وزير الصحة ومعظم هؤلاء انتخبوا على قوائم جبهة التحرير الوطني في التشريعات الأخيرة. هؤلاء إذن تمكنوا من الحفاظ على مناصبهم لكن عددا كبيرا من الوزراء في الحكومة السابقة غادروا. ولئن كان رحيل وزير النقل العقيد سليم سعدي مفهوما كونه ينتمي للتحالف الوطني الجمهوري الذي عارض إجراء الانتخابات بسبب أزمة القبائل ودعا لمقاطعتها، فإن ذهاب مراد مدلسي وزير المالية وتعيين محمد ترباش من الصف الخلفي للمسئوليات محله لا يجد تفسيرا لدى الملاحظين سوى باستمرار تدهور وضع تسيير المؤسسة المالية الجزائرية. فقد كان عبد اللطيف بن أشنهو أول رجال الرئيس الذين اختفوا بعد أن حمل حقيبة المالية لمدة قصيرة و ضاع في دهاليزها. ومحمد ترباش الذي عين وزيرا جديدا معروف بكونه تكنوقراطيا ورجل تنفيذ لا يستند الى أية نظرية اقتصادية. وليس مفهوما أيضا رحيل عبد المجيد تبون وزير السكن والبناء الذي حقق في الظاهر على الأقل نتائج جيدة منذ توليه المنصب قبل عام. وزرع في القطاع حيوية غير معهودة سواء من حيث إسراع وتيرة انجاز المشاريع خاصة بتوسيع مجال الشراكة وإيجاد التمويل الأجنبي أو من حيث المبادرات القانونية والمنهجية لتجاوز أزمة السكن في ظرف خمس سنوات مقبلة. والملاحظ في التشكيلة الجديدة أن حركة مجتمع السلم التي كانت قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة أكبر حزب إسلامي في البلاد فقدت وزارتين بعدما فقدت نصف أعضاء كتلتها البرلمانية ولم يعد لها اليوم في الحكومة إلا وزير واحد هو عمار غول وزير الصيد البحري السابق الذي عين في قطاع الأشغال العمومية فيما اختفى عبد المجيد مناصرة وزير الصناعة وعبد القادر سماري وزير الصناعات الصغيرة والمتوسطة. وكانت التوقعات تشير الى وضع التيار الاسلامي في حجمه الحقيقي في الحكومة بعد الخسارة التي مني بها في الانتخابات. ويكون هذا التوقع هو الدافع الذي جعل حركة الاصلاح الوطني اكبر الأحزاب الاسلامية حاليا حسب نتائج الانتخابات الأخيرة تفضل البقاء في المعارضة وتجنب دخول الائتلاف مع أن بن فليس عرض على زعيمها عبد الله جاب الله المشاركة. وتغلب على التشكيلة الحكومية الجديدة وجوه مستقلة وأخرى من جبهة التحرير الوطني وبدرجة اقل التجمع الوطني الديمقراطي.