الدولة العبرية لم تجد من قبل المجتمع الدولي الدراسة المعمقة مع خطورة وجودها واستمراريتها فهي ترسيخ لظاهرة الاستعمار الاستيطاني «اسطورة العودة لارض الميعاد» والتوسع الاقليمي، «استنادا الى فكرة المجال الحيوي» وهي امتداد لنفوذ الغرب وواحدة من البدائل لاساليب الاستعمار المباشر. عن الارتباط العضوي بين اسرائيل والولايات المتحدة كتب يوئيل ماركوس في جريدة «هآرتس» عام 1973 بمناسبة زيارة رئيس وزراء اسرائيل الى الولايات المتحدة الاتي: ان اسرائيل القوية هي في الحقيقة ضمانة للمحافظة على المصالح الاميركية في المنطقة، وقد اوضحنا ان الجيش الاسرائيلي بقوته المطلقة لا النسبية هو خط الدفاع الاول عن المصالح الاميركية في حوض البحر الابيض المتوسط اكثر من معظم دول حلف الاطلسي اضف الى ذلك اننا قلنا وعلى مسمع من الاميركيين اننا ايضا الضمانة الوحيدة للمحافظة على الانظمة الاسلامية الموالية لهم في المنطقة. الصراع العربي الاسرائيلي خطير ومعقد فهو يدور حول قضايا عميقة الجذور تمس مصالح العرب الحيوية ومصيرهم. لم تكن اهداف العدو الاسرائيلي التوسعية غائبة عن العرب ولكن الاحساس بالخطر شيء والقدرة على التعامل معه واحتوائه او مواجهته شيء اخر. ادراك العرب لخطورة المشروع الصهيوني ورفعهم لشعار تصفية الاستعمار وشعار الوحدة افرز تفاعلات اقليمية ودولية وظفت بذكاء لتمكن اسرائيل من الهيمنة على المنطقة.اسرائيل اليوم دولة مقبولة دوليا والى حد ما اقليميا معترف بها ولها علاقات ومعاهدات مع دول عربية وهي الان تخطط لمرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد التسوية. التسوية في ظل المتغيرات الاقليمية والدولية سوف تفرض على العرب بعد ان فشلوا في ادارة الصراع مع العدو الذي سجل انتصارا عليهم في الحروب وفي مفاوضات التهدئة والتسوية، الان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واحداث 11 سبتمبر واعلان الولايات المتحدة مساندتها غير المشروطة لكل ما تقوم به الدولة العبرية من قتل وتشريد لكسر اخر حلقات المقاومة في فلسطين مقبولة على الاقل دوليا لسبب مهم هو ان عملية التسوية يجرى البحث عنها وميزان القوى في صالح اسرائيل وفي ظل ضغوط مكثفة على العرب لتقديم مزيد من التنازلات بهدف اتمام العملية عبر جولات تفاوض معزولة عن الجماهير العربية ومقيدة بارادة العدو وحلفائه. ما العمل؟ المعالجة تبدأ باصلاح البيت العربي على مستوى الدولة وعلى المستوى القومى وباعادة النظر في علاقاتهم بمحيطهم الاقليمي باعطاء الاولوية لافريقيا وهي ساحة مفتوحة للصراعات لذلك تعمل اسرائيل على تحجيم الدور العربي فيها، فاسرائيل ترى في العلاقات العربية الافريقية خطرا على مصالحها لسببين اولهما انها تعنى اضافة عناصر قوة حقيقية للطرف العربي وثانيهما خصم عناصر قوة حقيقية من الطرف الاسرائيلي، وننظر لمفهوم القوة هنا بأوسع معانيه ليشمل اوضاع الامن القومى والموارد الاقتصادية..... لذلك على الامة العربية كي تنتصر في صراعها مع العدو في الساحة الافريقية قراءة الواقع والخريطة السياسية الافريقية والتعامل معهما بأسلوب جديد ومبتكر بعيدا عن ما كان يتبع في الماضى من اساليب عتيقة وسالبة اضعفت العلاقات في افريقيا بين العرب وغير العرب ومهدت الى تعقيد قضايا كان من الممكن معالجتها بيسر مثل الحرب الاهلية في جنوب السودان. عن التعاون العربي الافريقي عبر سفير دولة افريقية عن استيائه للاسلوب المتبع اذ قال: حتى القروض فهي تأتينا من خلال البنوك الاوربية وبذلك نضطرالى دفع الفوائد الباهظة فاين التعاون المباشر؟ اين التعاون الثنائي؟ اين الاخوة التي يتحدث عنها العرب ؟!!. اين التضامن الذي تحدثوا عنه بعد ان قطعنا علاقاتنا مع اسرائيل عام 1973؟ ان معظم الدول الافريقية كانت تتمتع بعلاقات مفيدة مع اسرائيل قبل المقاطعة حيث كانت اسرائيل تمدنا بالمعونات الاقتصادية والتكنولوجية فاين المعونات العربية؟...... لقد تعاملت اسرائيل مع الافارقة بأسلوب مختلف مستفيدة من الصورة المشوهة التي غرست في اذهان الافارقة عن العرب ودورهم في تجارة الرقيق وعن دور بعض الجاليات العربية في افريقيا وارتباطها بالجماعات المستأثرة بالشق الاكبر من الثورة ومن الميراث السياسى الاجتماعى الذي اوجده الاستعمار وما ترتب عليه من خلق طبقات اجتماعية من القيادات الافريقية تأثرت بثقافة الغرب لذلك ترى في اسرائيل امتدادا للثقافة الغربية في الشرق، اضافة الى اهتمام اسرائيل بالأزمة الاقتصادية التي تمر بها افريقيا وتقديمها لقروض ميسرة لهم. الصورة مختلفة عندما نستعرض بشفافية العلاقات العربية الافريقية، لقد فسر البعض الحوار العربي الافريقي بانه مكافأة تدفعها الدول العربية للشعوب الافريقية لانها قطعت علاقاتها الدبلوماسية بدولة اسرائيل، عبر عن هذا المعنى الرئيس سنغور في الخرطوم عام 1975 بالاتي: ان كل من يحاول ان يجعل التعاون العربي الافريقي مسألة اعتراف بالجميل من الدول العربية ازاء افريقيا يقترف خطأين في آن واحد الخطأ الاول هو ان موقفا مثل هذا يشكل اهانة لافريقيا ولشرفها، والخطأ الثاني هو ان موقفا مثل هذا من شأنه ان يفكك اواصر التآزر والتضامن الذي يجمع الاجيال الافريقية والعربية الحالية فيكون منها كتلتين متضادتين. القروض العربية التي قدمت لافريقيا تمت بوسائل متخلفة وبأسلوب غير مقبول افريقيا فهي مرتبطة الى حد ما بمواقف سياسية اكثر من ارتباطها بالتزام عربي اصيل بتنمية وتطوير افريقيا، يقول الافارقة عن ما قدمته لهم اسرائيل من مشروعات لم تربطه بعلاقاتها الدبلوماسية لذلك عندما قطعت العلاقات في عام 1973 مع اسرائيل لم تتأثر العلاقات الاقتصادية والثقافية واستمر التواصل بين اسرائيل وافريقيا لاتباع الاولى سياسة مرنة وقادرة على الاستجابة للظروف المتغيرة عبر الانشطة المتنوعة للجاليات اليهودية في كل بقاع الدنيا. موقف الدول الافريقية من القضية الفلسطينية تاريخيا المام الافارقة بالقضية الفلسطينية واهتمامهم بها كان محدودا لضعف الاعلام العربي والدبلوماسية العربية ففي البيان الختامي لمؤتمر القمة الافريقي في القاهرة عام 1964 لم ترد اي اشارة الى قضية فلسطين. وفي الدورة الثالثة «مؤتمر 1965» لم تدرج قضية فلسطين في جدول اعمال المؤتمر ولم يتضمن بيانه الختامي اي اشارة اليها الامر الذي دفع آبا ايبان للتعبير عن ارتياح اسرائيل لهذا الموقف اذ قال: ان رفض زعماء الدول الافريقية تبنى اي اقتراح ضد اسرائيل في مؤتمر اكرا يعد بادرة مشجعة لتقدم اسرائيل في دائرة مهمة «الدائرة الافريقية». الموقف الافريقي في هذا المجال لم يتغير حتى بعد اعتداء اسرائيل على أراض افريقية باحتلالها لسيناء ففي مؤتمر القمة الافريقي الخامس بكنشاسا 1967 لم تدرج قضية الشرق الاوسط في جدول اعماله واكتفى المؤتمر باصدار اعلان اعرب فيه عن قلقه ازاء الموقف الخطير الذي يسود الجمهورية العربية المتحدة وهي بلد افريقي تحتل جزءا من اراضيه قوة اجنبية واعرب المؤتمر عن تعاطفة مع الجمهورية العربية المتحدة وقرر السعي داخل الامم المتحدة كي يتم الجلاء عن اراضي الجمهورية العربية المتحدة........ في هذا المؤتمر على اهمية الحدث وخطورته اكتفى القادة الافارقة بعبارة اعلان بدلا من قرار وامتنعوا عن وصف اسرائيل بانها دولة معتدية مكتفين بالتعبير عنها بالقوة الاجنبية مع الاكتفاء فقط بالتعاطف مع مصر. وفي الامم المتحدة كان الموقف الافريقي تجاه هذه القضية منقسما الى فريقين بالرجوع الى نتائج التصويت في الامم المتحدة نجد الاتي: ـ هناك 10 دول افريقية ايدت الدول العربية بدرجات مختلفة وهي بروندي، الكنغو برازافيل، غينيا، مالي، السنغال، اوغندا، تنزانيا، زامبيا، جابون، نيجيريا. ـ المجموعة الثانية مكونه من 16 دولة افريقية وقفت مع اسرائيل وهي بتسوانا، جامبيا، غانا، ليسوتو، ليبيريا، مدغشقر، ملاوي، توجو، فولتا العليا، افريقيا الوسطى، داهومي، ساحل العاج، تشاد، رواندا، سيراليون، اثيوبيا في حين وقفت كينيا والنيجر موقفا سلبيا. التصويت بهذه النسبة عكس الوجود الاسرائيلي في افريقيا وغياب العرب تماما في تلك المرحلة، قبول اسرائيل والاقتناع بوجهة النظر التي ساقها الاعلام الصهيوني لتبرير العدوان بانه تم في اطار نظرية الدفاع الاستباقي عن النفس تعبير عن الادراك الافريقي المشوش بالصراع العربي الافريقي جسده حديث المفكر الافريقي ليوبولد سنغور الذي قال في اوخر عام 1971 عن الحركة الصهيونية الاتي: ان الحركة الصهيونية تشابه نضال الزنوج وحركة القومية العربية وذلك باعتبارها حركة تحرر وطنى. صدر هذا التصيح أثناء قيام سنغور بمهمة الوساطة بين مصر وإسرائيل لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 في إطار اللجنة الرباعية المكلفة بتقصي الحقائق طبقا لقرارات مؤتمر القمة الأفريقي الثامن في أديس أبابا عام 1971. في مؤتمر القمة الافريقي التاسع 1972 اصدر المجتمعون قرارا تحت عنوان العدوان المستمر ضد الجمهورية العربية المتحدة واستنكر القرار رفض اسرائيل لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة الصادر عام 1972 ورفضها الاستجابة لمبادرات منظمة الوحدة الافريقية الخاصة بتأكيد مبدأ عدم ضم الاراضي المحتلة كما حيا القرار مصر على تعاونها مع اللجنة التابعة للمنظمة وعلى موقفها الايجابي واستنكر موقف اسرائيل السلبي والمعوق لمهمة السفير يارينج كما دعا اسرائيل الى اعلان التزامها بمبدأ عدم ضم الاراضي باستعمال القوة والى الانسحاب الفوري من الاراضي العربية. في عام 1973 حدث تحول جذري في الموقف الافريقي ففي مؤتمر القمة الافريقي عام 1973 صدر ولاول مرة قرار فيه اشارة واضحة لقضية فلسطين اذ جاء فيه: ان احترام الحقوق الثابتة لشعب فلسطين يشكل عنصرا اساسيا في اي حل عادل ومنصف بالاضافة الى انه عامل لا غنى عنه لاقامة سلام دائم في المنطقة ووجه القرار تحذيرا لاسرائيل بان موقفها قد يحمل الاعضاء في المنظمة على اتخاذ قرار بمقاطعتها على المستوى الافريقي تمشيا مع المبادئ الواردة في ميثاق كل من منظمة الوحدة الافريقية والامم المتحدة. وكانت تلك اشارة لما حدث فيما بعد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل. التحول الافريقي الذي بدأ في مارس 1973 وتصاعد الى ان وصل الى مرحلة القطيعة الدبلوماسية الكاملة فسره الاعلام الاسرائيلي بان اسبابه هي «المال والاسلام» المال الليبي والضغط السعودي على الدول الافريقية التي تضم غالبية مسلمة ويرى فريق اخر ان التطور الذي حدث في الموقف الافريقي جاء نتيجة لادراك الافارقة بخطورة السياسات الاسرائيلية، فاسرائيل واجهة للدول الاستعمارية واستمرارها في احتلال اراض افريقية فيه ما يؤكد انها لا تقاتل من اجل البقاء بل من اجل التوسع اضافة لخيانتها لافريقيا بدعمها حركات انفصالية في كاتنجا وبيافرا. افريقيا واتفاقية كامب ديفيد غياب الرؤية عند العرب واختلافاتهم حول القضايا الاساسية انعكس سلبا على علاقاتهم بكل دول العالم خاصة افريقيا التي حدث تغير اساسي في موقفها بعد اتفاقية كامب ديفيد والتوقيع مع معاهدة السلام مع اسرائيل. تغيير الموقف الافريقي تجسد علنا في مؤتمر قمة دول عدم الانحياز في هافانا عام 1972 حيث انقسمت الدول الافريقية وللاسف حول المشروع العربي الذي طالب بطرد مصر من مجموعة دول عدم الانحياز. رفضت الدول الافريقية الاستجابة للطلب العربي وسعت بعد ذلك لاستئناف علاقاتها مع اسرائيل طبقا لمبدأ منظمة الوحدة الافريقية. طالبت الجابون بضرورة اعادة العلاقات مع اسرائيل وتبعتها دول اخرى بعدها عاد التمثيل الدبلوماسى الاسرائيلي في افريقيا الى حجمه الطبيعي وهي اليوم تمهد لمرحلة جديدة مرحلة ما بعد التسوية فيها طرح لسؤال مهم هو لمن النصر في الساحة الافريقية للعرب ام لاسرائيل؟.