انتصف العام الثاني من ولاية الرئيس الاميركي جورج بوش، ولم يبدأ بعد ذلك الدور الاميركي الفعال الذي ينتظره العرب منذ عام 1996 في مفاوضات التسوية السياسية لاستعادة الأراضي العربية المحتلة في كارثة يونيو 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. ومع أن قمة بيروت العربية قد أقرت في 28 مارس الماضي مبادرة ولي العهد السعودي التي تنص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود 4 يونيو 1967 مقابل تطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية بلا تفرقة بين دول الطوق أو العمق ، فإن الولايات المتحدة لم تشر مطلقاً إلى هذا الانسحاب الشامل إلى تلك الحدود، واكتفت بإعلان الالتزام بمبدأ الأرض مقابل السلام الذي كان جوهر توصيات مؤتمر مدريد عام 1991 . ومع استمرار إسرائيل في عملية الجدار الواقي في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، وتصاعد الغضب الشعبي في أغلب الدول العربية إزاء العدوان الصهيوني، وترجيح التواطؤ الاميركي مع حكومة آرييل شارون لتدمير منظمات المقاومة الفلسطينية دون تفرقة بين توجهاتها العقائدية، وبسبب الضغوط السياسية للدول العربية المعتدلة على واشنطن، قررت إدارة جورج بوش إصدار بيان سياسي في النصف الثاني من يونيو الجاري يتضمن الرؤية الاميركية لإدارة عملية التسوية السياسية في فلسطين المحتلة . ويبدو مرجحا أن هذا البيان الرئاسي سيحبط آمال الحكومات العربية في مصداقية الوسيط أو الراعي الاميركي في مجمل وتفصيلات المستقبل السياسي لفلسطين وتحرير الأراضي العربية المحتلة في سوريا ولبنان على الرغم من كل دعاوى العلاقات الخاصة بين واشنطن وبعض العواصم العربية كالقاهرة والرياض وعمان. إن الخطوط الرئيسية لمقترحات جورج بوش هي إعلان دولة فلسطينية على 40 % من أراضي الضفة الغربية لنهر الأردن وثلثي قطاع غزة في مطلع عام 2003، وترك حدودها، وعاصمتها، ومستقبل 3.4 ملايين لاجئ فلسطيني، ومصير المستوطنات الاستعمارية في الضفة الغربية وغزة للتفاوض في السنوات الثلاث المقبلة التي تنتهي في ربيع 2005 بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية المقبلة في نوفمبر 2004 بعدة شهور . ويصر الرئيس الاميركي جورج بوش على رفض صياغة جدول زمني لتنفيذ هذه المقترحات مثلما يرفض وصف الدويلة الفلسطينية المقترحة في مطلع العام المقبل بأنها مؤقتة أو انتقالية كما زعم وزير خارجيته كولين باول . وتعرض الوزير الاميركي لسخرية لاذعة من آرى فليتشر المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض الذي وصف بدوره تصريح باول بأنه مجرد لغو، وتفكير بصوت عال، مما يوحي بأنه هناك في الإدارة الاميركية من يريد اختبار إمكانية نجاح المخطط الإسرائيلي لإقرار حل مرحلي طويل الأمد ولتهويد أجزاء جديدة من الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة في الوقت الذي يقنع فيه الفلسطينيون بدويلة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 9% من رقعة فلسطين التاريخية، وينتظرون شرائح صغيرة أخرى تضم إليها عبر سنوات طويلة مقبلة تمهد خلالها واشنطن لأفكار الكونفيدرالية الثلاثية لفلسطين مع إسرائيل والأردن، وذوبان الكيان الفلسطيني اقتصادياً وأمنياً في تلك «الترويكا» التي ينتظر أن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي . شروط البداية حدد الرئيس الاميركي ثلاثة شروط لبدء تنفيذ مقترحاته المقبلة لوقف تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في فلسطين المحتلة، واستئناف مفاوضات التسوية السياسية، أولها إنهاء العنف في كافة أراضي فلسطين المحتلة بمعنى وقف كافة العمليات الفدائية والاستشهادية في ربوعها، والثاني هو إدخال تعديلات جوهرية على السلطة الفلسطينية ومؤسساتها والإسراع بالانتخابات التشريعية بما يضمن لإسرائيل - على حد تعبير بوش وشارون معا - شريكا قويا وموثوقا به في عملية السلام، والشرط الثالث هو تعاون الدول العربية، وبخاصة دول الطوق العربية والسعودية، مع الولايات المتحدة في حملتها ضد الإرهاب بصورة إيجابية بمعنى التزام سوريا ولبنان بوقف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للجولان ومزارع شبعا وللجيوب اللبنانية الثلاثة جنوب الخط الأزرق بين لبنان وإسرائيل وإبداء «مرونة» أكبر إزاء الضغوط والتهديدات الاميركية الموجهة ضد نظام الحكم العراقي الحالي! ويستلفت النظر أن الرئيس الاميركي لم يطالب ضمن شروط البداية بوقف عملية الجدار الواقي، والاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للمدن والقرى الفلسطينية وحصارها، أو الانسحاب إلى أوضاع 28 مارس 2002، واكتفى بضرورة عودة التنسيق الأمني الوثيق بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد إعادة تنظيم أجهزة الأمن الفلسطينية وتقليص عددها إلى الحد الأدنى وإشراف وزير داخلية مسئول على غالبيتها . وتجاهل الرئيس الاميركي تفاهمات جورج تينيت مدير المخابرات المركزية الاميركية المبرمة في يونيو 2001، والتي تنص على عودة القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة إلى أوضاعها في 28 سبتمبر 2000 قبل بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وبالطبع يتناسى بصورة كلية توصيات تقرير لجنة السناتور الاميركي السابق ميتشيل الذي صدر في أبريل 2001 تنفيذا لتوصيات مؤتمر قمة شرم الشيخ في أكتوبر 2000 بمشاركة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون. المؤتمر الدولي للسلام كان شارون صاحب اقتراح عقد مؤتمر إقليمي للسلام في الشرق الأوسط يضم بعض الأطراف العربية وممثلي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والسكرتير العام للأمم المتحدة، وقد قدم اقتراحه بعد تنفيذ المرحلة الأولى من عملية الجدار الواقي في بداية مايو الماضي، وطالب شارون باستبعاد سوريا ولبنان وياسر عرفات من الاشتراك في هذا المؤتمر التمهيدي المفترض أن يتناول «التحضير» لاستئناف المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين. وقد أسرعت واشنطن لتعدل الفكرة، وإن وافقت على صيغة المؤتمر التشاوري الوزاري، على أن يرأسه كولن باول، واشترطت التمهل في اختيار زمان المؤتمر خلال شهور الصيف الحالي، والمفاضلة بين مدريد أو أنقرة أو شرم الشيخ كمكان لانعقاده، وطلبت انتظار قرارها بشأن اشتراك سوريا ولبنان فيه طبقا لمدى استجابة دمشق للمطلب الاميركي بالضغط على حزب الله لوقف المقاومة الوطنية في الاراضي اللبنانية المحتلة، وكذا بخصوص تمثيل السلطة الفلسطينية في المؤتمر. ووعد الرئيس الاميركي جورج بوش أن يلبي قريبا المطلب المصري/السعودي بشأن وضع جدول أعمال متفق عليه للمؤتمر التشاوري، ولكنه لم يتعاطف مع طلب الدولتين العربيتين إرسال قوة مراقبة دولية أو أميركية في أقرب وقت ممكن إلى الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة للإشراف على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى أوضاع 28 سبتمبر 2000، وادعى الرئيس بوش أن الأوضاع الأمنية في فلسطين المحتلة لا تسمح بعد بالتركيز على هذا الانسحاب العسكري أو بدء مفاوضات التسوية السياسية المؤقتة أو النهائية خلال شهر أو إثنين، وأنه يكفي العرب أن تعلن واشنطن قبولها قيام دولتين اثنتين - في النهاية - هما إسرائيل وفلسطين على أن ترتبطا سويا بتعاون سياسي واقتصادي وأمني شامل بينهما! والأخطر من ذلك أن الرئيس الاميركي رفض الضغط على آرييل شارون لفرض وقف إطلاق نار فوري في الضفة الغربية وغزة طالما استمر العنف الفلسطيني سواء ضد إسرائيل داخل الخط الأخضر أو قوات الاحتلال والمستعمرات الاستيطانية في الضفة الغربية لنهر الأردن. تقويم حقائق الموقف كان عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية صادقا وأمينا مع نفسه ومقدرا لمسئوليات منصبه حين أعلن أن لا يرى حلا قريبا للأزمة المستحكمة في فلسطين المحتلة، والسبب الرئيسي لذلك أن العرب لا يستخدمون أوراق الضغط التي يملكونها للتأثير على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وعلى إسرائيل ذاتها، ولا يزالون يفتقرون إلى استراتيجية عربية منسقة لإدارة المفاوضات السياسية مع الدولة الصهيونية. ونضيف إلى ذلك إحجام القيادات العربية عن عقد قمة عربية طارئة يسارعون إلى الاشتراك المباشر فيها لمواجهة انهيار مرحلة التسويات المرحلية التي بدأت في سبتمبر 1993 وانهارت مع بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر 2001، واجتياح إسرائيل للضفة الغربية لنهر الأردن وإعادة احتلالها وتوجيه ضربة قاصمة للمقاومة الفلسطينية الوطنية ممثلة في فتح والتنظيمات الإسلامية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ويبدو أن بعض الدول العربية لا تقدر خطورة محاولات شارون لفرض هدنة ممتدة في فلسطين، والتحول للقيام بعملية عسكرية خاطفة ضد حزب الله في جنوب لبنان والقوات السورية في سهل البقاع وبخاصة بعد أن أضافت الولايات المتحدة إلى دول محور الشر ثلاث دول جديدة ذات توجهات شريرة هي كوبا وليبيا وسوريا! وهكذا تتعدد التهديدات لفلسطين بتصفية قضيتها في السنوات القليلة المقبلة، ولسوريا ولبنان بالعدوان الإسرائيلي، وللسودان بانفصال جنوبه، وللعراق بالغزو الاميركي وبخاصة بعد إعلان وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد السافر خلال زيارته للكويت عن رفض واشنطن لمحاولات التقارب بين الكويت والعراق، وعن استمرار حشد القوات الاميركية في الخليج ومضاعفتها من 30 ألفا في صيف 2001 إلى أكثر من 65 ألف ضابط وجندي حاليا! ما الحل إذن ؟ مع استمرار المناورات الاميركية التي تعطل بدء مفاوضات التسوية السياسية في فلسطين، وتهدد بإعادة رسم الخريطة السياسية لبعض وحدات النظام الإقليمي العربي وبخاصة في المشرق والجنوب، وفي ضوء الدور الأوروبي الضعيف الذي يكتفي بالاستياء من معاملة إسرائيل كدولة فوق كل قواعد القانون الدولي، وفي مواجهة اتهام العرب والمسلمين بالتطرف، لم يعد هناك بديل عن التوقف عن دبلوماسية التوسل إلى واشنطن لترعى تسوية عادلة مع أنها طرف لا يزال منحازا لإسرائيل، ولابد من إرادة سياسية عربية للمواجهة تتبناها الدول الرئيسية في النظام الإقليمي العربي، وتتصدى فيها بحزم للعدوان الصهيوني، والتواطؤ الاميركي. وقد تكون البداية مثلا تحديد آخر ديسمبر من العام الحالي كحد نهائي لسريان مبادرة قمة بيروت إذا لم تنسحب إسرائيل إلى أوضاع ما قبل الانتفاضة الثانية ويتم إعلان الدولة الفلسطينية والبدء الفوري في مفاوضات التسوية النهائية. وخلال الشهور المقبلة على الجامعة العربية أن تكتشف أوراق الضغط العربية الممكنة على إسرائيل والولايات المتحدة ليبدأ تفعيلها في أول يناير المقبل. ولعلي لا أحلم، فأنا لا أتصور أن التاريخ يعيد نفسه، وأننا نعيش مرحلة مشابهة لعصر أمراء الطوائف قبل الانهيار الأخير لدولة الأندلس، ولله الأمر من قبل ومن بعد. بقلم: لواء أ. ح/ صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الاوسط