بدأت إسرائيل فعليا بتنفيذ خطتها للانفصال عن الفلسطينيين عبر إقامة جدران وخنادق وحواجز الكترونية ومناطق أمنية عازلة، على طول حدود الضفة الغربية، بعد أن فشلت كل جهودها في السيطرة على حدودها إن قبل حملة «السور الواقي»، أواخر مارس الماضي، أو بعدها. وفي الحقيقة فإنه منذ بداية هذه الحملة بدا أن إسرائيل تتجه نحو حسم صراعها مع الفلسطينيين، بالوسائل العسكرية والسياسية، في آن معا، كما بدا واضحا أن هدف هذه الحملة لا يقتصر على تطويع المجتمع الفلسطيني وفرض الاملاءات السياسية على قيادته وإنما يشمل، أيضا وأساسا، التملّص من استحقاقات عملية التسوية برمتها ونزع شرعية السلطة الفلسطينية، وتقويض أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية. وكانت إسرائيل، قبل حملتها المذكورة، قد سرّبت العديد من التصورات (التهديدات) التي تضمنت سيناريوهات من مثل: اجتياح مناطق السلطة وإعادة احتلالها؛ الانفصال من جانب واحد؛ إقامة دولة فلسطينية في غزة، أولا؛ تقسيم المناطق الفلسطينية إلى «كانتونات» وإقامة قيادة فلسطينية بديلة فيها؛ قيام دويلة فلسطينية في المناطق التي تسيطر عليها السلطة في الضفة والقطاع(42 بالمئة في الضفة) مع تأجيل قضيتي القدس واللاجئين. وبحسب المصادر الإسرائيلية فإن شارون كان يتحين الفرصة لفرض هذه السيناريوهات، وهو ما كشف عنه بن كسفيت، في مقال له في صحيفة معاريف الذي أشار فيه إلى عزم شارون على احتلال المناطق «أ» وتوجيه ضربة قوية للنشطاء الفلسطينيين للمضي بعدها نحو «تحقيق خطوة سياسية عنيفة، تاريخية وذات صدى، مثل إخلاء المستوطنات في قطاع غزة، واخلاء المستوطنات المعزولة في الضفة واقامة كتل استيطانية ومصالحة تاريخية مع الفلسطينيين»؛ بما يتناسب مع رؤيته. وبالفعل فإنه بعيد انتهاء المرحلة الأولى من حملة «السور الواقي»، يوم 21/4، والتي نجم عنها إعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية وتدمير مؤسساتها، وشطب مفهوم المناطق أ و ب، سرعان ما شرعت الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ مخططاتها السياسية، المتعلقة بوأد الكيان الفلسطيني، من خلال الاشتغال، بالتوازي، على ثلاثة خطوط، يتمثل أولها بمحاولتها إعادة العمل وفق نظام «الإدارة المدنية»، الذي كانت تدار وفقه شؤون المناطق الفلسطينية قبل إتفاق أوسلو، وثانيها، بإعطاء الأوامر بإقامة جدار فصل في خطوط التماس، على شكل جدار اسمنتي أو خنادق أو أسلاك مراقبة الكترونية وكهربائية، وثالثها، بتعزيز النشاط الاستيطاني، إذ أعلن شارون أن حكومته لا تنوي إخلاء أي مستوطنة حتى الانتخابات القادمة في أواخر 2003، وأنه حتى إذا انتخب ثانية لرئاسة الحكومة فانه لن يناقش هذا الموضوع. (هآرتس 22/4). وفي الواقع فإن هذه المواقف ليست بغريبة عن شارون، بحكم معارضته اتفاقات أوسلو وخلفياته الأيديولوجية والأمنية وحساباته الشخصية، إذ أنه وقبيل صعوده لسدة السلطة، نشرت صحيفة هتسوفيه في 2/2/2001، مثلا، تقريرا عرض فيه شارون لزعماء المستوطنين الخطوط الحمراء التي يتبناها وهي: «القدس الموحدة عاصمة إسرائيل، وغور الأردن يبقى تحت السيادة الإسرائيلية،عدم تفكيك أي مستوطنة وعدم إعادة اللاجئين..إقامة دولة فلسطينية على 42 في المائة من الضفة الغربية، أي اكثر بحوالي 2 في المائة مما حصلت عليه السلطة الفلسطينية حتى اليوم. لكن لا تشابه بين الـ 40 في المائة هذه وبين الـ 40 في المائة الموجودة بأيدي السلطة، إذ لن تتحول جميع مناطق «ب» الى مناطق «أ»، إذ لا يعتزم شارون تحويل المناطق المحيطة بالقدس ولا القرى الواقعة داخل منطقة «الحزام الأمني الإسرائيلي» في مناطق ب، للسلطة، بل ستبقى تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية في إطار التسوية الدائمة، وبدلا عنها ستحول أراضى من مناطق «ج»، خصوصا في المناطق الواقعة بين الكتل السكانية الفلسطينية بهدف إيجاد امتداد إقليمي فيها». وذكرت الصحيفة أن المنطقة الإسرائيلية في الضفة الغربية، حسب خارطة شارون تتكون من «حزامين أمنيين طويلين: الحزام الأمني الغربي على طول الخط الأخضر والحزام الأمني الشرقي الذي يتضمن جميع منطقة غور الأردن، كما تتكون من خمسة أحزمة عرضية..تؤدي الى إيجاد أربع كتل فلسطينية بالإمكان إقامة دولة فيها: كتلة جنين، نابلس، رام الله، بيت لحم والخليل، على أن ترتبط هذه الكتل بشوارع «مزدوجة»، منفصلة، بعضها خاص بالفلسطينيين والآخر خاص باليهود. بحيث يحصل الفلسطينيون على ممرات آمنة بين شمال الضفة وجنوبها وبين الضفة وقطاع غزة، على شكل تحويلات من الشوارع القائمة أو أنفاق تحت الشوارع الاستراتيجية في الضفة الغربية، التي ستحتفظ إسرائيل بالسيطرة عليها. وهكذا سيسمح بإيجاد امتداد إقليمي فلسطيني بين الكتل الفلسطينية في الوقت الذي تحتفظ فيه إسرائيل بالسيطرة الكاملة على مناطق أمنية حيوية لها، دون تفكيك أي مستوطنة..شارون على قناعة بأنه يمكن من خلال مخططه: تمكين الفلسطينيين من تطبيق رغبتهم الوطنية بإقامة دولة لهم، والحفاظ على الأمن والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وستتوفر لإسرائيل إمكانية التهديد الدائم للفلسطينيين: «إذا لم تحسنوا التصرف ستتوفر لدينا إمكانية لإغلاق الشوارع أمامكم». وفي مخططاته هذه يشتغل شارون على عدة محاور فهو، أولا، يحاول استباق اية مبادرة، دولية أو أميركية للتسوية، من خلال تقويض مفهوم حدود الرابع من يوليو نهائيا وعلى الأرض، ثانيا، يسعى شارون لفرض سياسة الأمر الواقع، على الفلسطينيين والعالم، بحيث تكون حدود الأمن والاستيطان هي الحدود الأمنية والسياسية لدولة إسرائيل، ثالثا، يحاول شارون، في حال عجز عن منع قيام دولة فلسطينية، خلق الوقائع التي تتيح له خنق هذه الدولة أو تحديد حدودها، ما أمكن ذلك، أو السيطرة عليها؛ رابعا، يريد شارون اللعب على قضية الدولة الفلسطينية من أجل فرض الاملاءات الإسرائيلية في التفاوض حول قضايا الحدود والقدس والمستوطنات وخصوصا قضية اللاجئين. من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن إسرائيل تحاول، من جديد، وعبر الفصل، أن تفرض على الفلسطينيين، بالوسائل السياسية وبوسائل الأمر الواقع، ما عجزت عن فرضه بالوسائل العسكرية؛ إذ هي لم تنجح في إخضاع المجتمع الفلسطيني ولا في وأد مشروعه الكياني ولا في فرض املاءاتها على قيادته، ولم تفلح تماما في القضاء على مقاومته، كما أنها لم تتمكن من إسباغ شرعية دولية لمحاولتها شطب السلطة الفلسطينية والتخلص من تبعات عملية التسوية، برغم إيحاءاتها بأن حربها ضد الفلسطينيين إنما تندرج في سياق الحرب الأميركية ضد «الإرهاب»، بدليل أن كل الأطروحات السياسية الدولية تتمحور حول ضرورة منح الفلسطينيين أفقا سياسيا يتمحور حول حقهم بإقامة دولة لهم. وفي هذا الإطار من العجز والتخبط، تأتي خطط الفصل لتكشف حدود القوة والغطرسة الإسرائيلية ولتكشف بجلاء عدم نضج إسرائيل لعملية التسوية، ما يعني بأن صمود الفلسطينيين واستمرار مقاومتهم للاحتلال ،بمختلف أشكالها، وتوفر المزيد من المعطيات العربية والدولية المواتية لهم، من شأنه دفع الإسرائيليين إلى لحظة الحقيقة لمواجهة ذاتهم. بقلم: ماجد كيالي ـ كاتب فلسطيني