حفلت اجواء المنطقة بمشاريع الحلول، وطرحت افكار عدة حول عقد مؤتمر اقليمي ومؤتمر دولي للنظر في أفق جديد للقضية الفلسطينية، وأصبحت المعركة في خضم جهود دبلوماسية عنوانها انهاء الانتفاضة. وباءت بالفشل الجهود المبذولة حتى الآن لانهاء دورة العنف المدمر في الأراضي المحتلة على الرغم من محاولات المجتمع الدولي المتكررة، حيث يعيش (الاسرائيليون) في خوف دائم من العمليات الاستشهادية القادمة، ويعيش الفلسطينيون تحت الحصار والغارات العسكرية واسعة النطاق، والسلطة الفلسطينية منحلة في واقع الحال، عاجزة عن أداء الخدمات الاجتماعية والسياسية والأمنية الأساسية. ومن الخليج للمحيط يهدد الغضب الشعبي في معاملة «اسرائيل» للفلسطينيين، والتواطؤ الأميركي، والعجز العربي، بزعزعة الاستقرار في المنطقة برمتها، فبعد ثماني سنوات من توقيع اتفاقية أوسلو، وبعد أقل من سنتين على انخراط الاسرائيليين والفلسطينيين في مفاوضات مكثفة لانهاء الصراع بينهما، يقترب الطرفان من حرب شاملة بوتيرة لم يبلغاها منذ عقود. وكان أبرز ما شهدته القضية الفلسطينية في مجال التطورات السياسية في شهر مايو الماضي، مجموعة من التناقضات والمفارقات الغريبة، فبعد أقل من 24 ساعة على بيان قمة شرم الشيخ المصرية ـ السعودية ـ السورية، الذي أكد على رفض العنف بكل أشكاله، وعلى التمسك بالمبادرة السلمية العربية، قرر (الليكود) حزب رئيس الحكومة الصهيونية بأغلبية ساحقة، رفض اقامة دولة فلسطينية، ورفض الليكود حتى اقتراح رئيسه شارون بتجنب التصويت على الدولة الفلسطينية في هذه المرحلة لأسباب تكتيكية تتعلق باحتياجات الحرب ضد الفلسطينيين، والحفاظ على حكومة الوحدة، وعلى التفاهم الذي أحرزه شارون مع الرئيس بوش ويقضي بعدم استئناف عملية السلام قبل وقف «الارهاب» الفلسطيني كذلك «اصلاح» السلطة بصورة تضمن تحولها من سلطة ارهابية أو تدعم الارهاب الى سلطة تحارب الارهاب وتسهر على توفير الأمن «الاسرائيلي» حسب وجهة نظر اسرائيل. ولم تفلح الاصلاحات التي أعلنها الرئيس الفلسطيني في تخيف حدة الهجمة التي تشنها «اسرائيل» على الارضي الفلسطينية، وعليه مباشرة بهدف اقصائه من رئاسة السلطة الفلسطينية، ويأتي التغيير وبوادر الاصلاح المرفوض اسرائيليا ليعزز مراوغة رئيس حكومة الكيان الصهيوني في رفض العودة الى المفاوضات السلمية، أو الالتقاء مع الرئيس الفلسطيني، وهو ما كان محور محادثاته في واشنطن مع الرئيس بوش، حيث تم التأسيس لمرحلة عمل جدية أميركية ـ اسرائيلية، قد تبدأ مؤشراتها في تفويض جديد لـ «شارون» من جانب الادارة الاميركية، لذلك انبرى ليحدد شروطه الجديدة القديمة على الفلسطينيين والعرب جميعاً بالتوقف عن المطالبة بالانسحاب لحدود الرابع من يونيو 1967، والتوقف عن المطالبة بالقدس «عاصمة» والغاء عودة اللاجئين، وعدم المطالبة بدولة فلسطينية أو حل عادل نهائي، وقبول اتفاق مؤقت طويل الأمد تؤجل فيه كل القضايا الرئيسية، وعلى كل العرب التسليم بشروط اسرائيل والتطبيع الكامل معها وعدم الاعتراض على ما تراه مناسباً لأمنها. وبهذا فإن الجهود التي بذلها عدد من القادة العرب باتجاه الادارة الجمهورية في واشنطن طيلة أكثر من عام باتت تصطدم الآن بحقيقة صلبة مفادها ان الادارة غير معنية برؤية «الوضع في الشرق الأوسط» بغير المنظور «الاسرائيلي»، وان على العرب ان يرتضوا بنتائج هذه السياسة ويتكيفوا معها، وهو ما يكاد يعيد الأمور الى ما كانت عليه غداة حرب يونيو 1967، ما يجعل على المعنيين بالجهد السياسي والدبلوماسي العربي، ألا يعولوا كثيرا على مقدرتهم في في تغيير أو تطوير الموقف الأميركي ازاء الصراع العربي الصهيوني، فالموقف الذي أعلنته الادارة الاميركية ازاء الدعوة التي حملها اليهم الرئيس مبارك بوضع جدول زمني للتسوية يفضي الى قيام دولة فلسطينية يقدم دليلاً راسخاً على ان «الاجندة الأميركية» هي ذاتها الاجندة الاسرائيلية والموقف الأميركي قائم على الرغبة في حمل العرب والفلسطينيين خاصة على الرضوخ للتصور «الاسرائيلي» لهذه التسوية التي على أساسها لا يريد شارون رؤية دولة فلسطينية مستقلة فقط وإنما يعبر صراحة عن ضيقه باتفاقات أوسلو وما يترتب عليها من نتائج، رغم ان هذه الاتفاقات لم تنص حتى على شروط الحد الأدنى من الحل الذي ينشده الفلسطينيون ويناضلون في سبيله، وبهذا فالادارة الاميركية برهنت حتى الآن على انها تسمع من العرب ما يقولون، ولكنها تفعل ما تريد. وأمام هذه التطورات والمواقف الأميركية و«الاسرائيلية» المعلنة، يقف العرب جميعاً أمام تحدي اعادة النظر بتوجهاتهم وخياراتهم بعدما رفضت أميركا و«اسرائيل» كل عروض التسوية التي تقدموا بها، وكل التنازلات التي أكدوا استعدادهم لها، ولم يعد من أمر سوى التفكير بخيارات اخرى، والتأكيد للولايات المتحدة انه لا يمكنها فعلياً تجاهل العرب جميعاً والاستخفاف بثقلهم ومواقفهم. وفي حين تزعم الادارة الاميركية انها لا تفكر في المرحلة الراهنة في حلول نهائية، وترفض وضع جدول زمني لقيام دولة فلسطينية وفقاً لرؤيتها حول حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي خصوصاً، والصراع العربي الاسرائيلي عموماً، فإنه في الجانب الآخر يجري الحديث لوزير الخارجية الأميركي كولن باول حول دعم فكرة «دولة فلسطينية مؤقتة»، في اطار التسوية النهائية، وتتضح معالم اللعبة لصياغة حل ملغوم خارج اطار القانون الدولي، والشرعية الدولية، ويبدو في ذلك تهرباً من الدخول في استحقاق «الدولة الفلسطينية» التي وعدت بها الادارة الأميركية، نزولاً على طلب «شارون» الذي يريد وقتاً كافياً لاستكمال تدمير السلطة الفلسطينية الحالية واقامة سلطة أخرى، تلبي الاحتياجات الأمنية والسياسية «الاسرائيلية»، وكذلك تدمير ما تبقى من بنى تحتية فلسطينية اقتصادية واجتماعية لوضع الشعب الفلسطيني أمام الأمر الواقع الذي يستجد فيما بعد. الوزير باول كان أكثر وضوحاً بالنسبة لهدف قيام الدولة الفلسطينية، إلا انه وضعها في اطار من الغموض الذي لم يسبقه اليه أحد في علم السياسة، إذ لم يذكر التاريخ من قبل ولا شهد النظام العالمي في العصور السابقة أو الحديثة، قيام «دولة مؤقتة»، ففي علم السياسة «حكومة مؤقتة» أو «ادارة مؤقتة» ولا توجد «دولة مؤقتة» حيث انها إذا نجحت في المنظور الأميركي الاسرائيلي تتحول الى «دولة قائمة» وعند العكس فإنها تلغى وتصبح غير موجودة. ووفق المنظور العالمي الجديد، فيمكن حصول ذلك في صياغة الدول واعادة تنظيمها من جديد وفقاً لمصالح الهيمنة الأميركية، وبما ان المصالح الأميركية لاسيما بعد 11 سبتمبر 2001 أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المصالح الاسرائيلية في المنطقة، بحيث بات من الصعب وضع فواصل بينهما ومادام كل شيء يندرج تحت مقولة «مقارعة الارهاب» فإن اختراع «دولة فلسطينية مؤقتة» ينسجم الى حد بعيد مع المصلحة الاسرائيلية التي لا ترى ضرورة لقيام «دولة فلسطينية حقيقية» تتمتع بالاستقلال والسيادة لذلك لا ضير في قيام «دولة مؤقتة» تخضع للاختبار الاسرائيلي بمعنى ان تكون «دولة معلقة» الى أن يحين تثبيتها وفق مشيئة الكيان الصهيوني وعدوانه وأطماعه، وازاء هذا الاختراع الأميركي للتنصل من مسئولية قيام دولة فلسطينية فعلية واستمرار مراعاة الجانب الاسرائيلي، والأخذ بوجهة نظر شارون في الحلول المستقبلية للصراع العربي الاسرائيلي، تذكر المؤشرات عن قرب ذلك الاعلان بتأييد مختلف أطراف الصراع وتأييد دول عربية رئيسية (وبموافقة السلطة الفلسطينية لاجراء مفاوضات تكون حدود يونيو 1967 أساساً لها) يعقبها قمة عربية اقليمية مصغرة لبحث آلية التحرك في ضوء ذلك، خاصة انه سيتم تجنب الخوض في قضايا الوضع النهائي لحدود الدولة وعاصمتها ووضع اللاجئين. ويبدو ان ما يجري في الكواليس ليس عملية نحت دقيقة لمبادرة أميركية يتم تشكيلها في واقع صواني، إذ ان المبادرة منحوتة وجاهزة للعرض لكن الذي يجري هو سلسلة من الوعود والترغيب والترهيب، وما الى ذلك من الخطوات التمهيدية للحدث، ففي مقابل وعود الدولة الفلسطينية الشفافة، يتم التلويح بامكانية تبخير الحلم عبر امتحان الدولة المؤقتة، وما سيترتب على الاحباط الفلسطيني من نتائج يتم منح «اسرائيل» دفعات مادية قوية تحت الحساب الاستراتيجي والمنظور السياسي لوضع لمسات الموقف المبرمج والملائم للمصلحة، والهدف هو ضمان استعراض مبهر يمكن بواسطته الحصول على التهدئة المطلوبة وتتوقع الادارة الأميركية أن في ذلك الحل سيكون الوقف النهائي للعنف «ضد اسرائيل» و لن تزيد مساحة الدولة تلك على الأراضي التي يسيطر عليها الفلسطينيون حاليا، حيث تقام على جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة بحيث لا يتجاوز المنطقة الخاضعة حالياً للسلطة، والحكمة في ان الفكرة من وراء الدولة المنقوصة تكمن في منح الفلسطينيين الأمل في ان يحصلوا على دولة دائمة وذات سيادة إذا ما أثبتوا انهم أهل لذلك من ناحية الاصلاحات المطلوبة والقدرة على توفير الأمن للمجتمع «الاسرائيلي». كما ويقدر الخبراء ان الثمن الذي سيمنح لشارون وكيانه ازاء ذلك سوف لا يكون مقتصراً على تلك المداعبات الحميمة التي حرصت الادارة الأميركية على التلويح بها، فتذكر صحيفة «واشنطن بوست» ان تل أبيب حصلت منذ الآن على دفعة تحت الحساب تتمثل في غواصات الديزل الثلاث القادرة على اطلاق صواريخ نووية، وهي الخطوة التي ستنقل اسرائيل الى مرحلة أسمى في التفوق الكاسح استراتيجيا ضد العرب. فالخطة ستكون محبوكة تماماً، لكن شدة الحبك لا تعني حتمية النجاح في نهاية المطاف، وينتظر ان يقوم وزير الخارجية الأميركي كولن باول بجولة في المنطقة في أعقاب ذلك الاعلان لبحث عقد المؤتمر الدولي الوزاري المتوقع في شهر يوليو المقبل. وتتردد الرؤية لدى المسئولين الفلسطينيين بأن خطة الرئيس بوش ستترك حدود الدولة المؤقتة وعاصمتها من دون حل، ولكن سيكون لها حق اقامة علاقات خارجية وتوقيع معاهدات الانضمام الى الأمم المتحدة، وتدعو الخطة ايضاً الى وقف مستعمرات يهودية جديدة في الضفة الغربية فيما يتكهن بعض المسئولين الفلسطينيين بان قيام دولة فلسطينية يجب ان يتم على حدود الرابع من يونيو 1967، على ان قيام هذه الدولة لا يتناقض مع بقاء بعض الأراضي تحت الاحتلال في الوقت الراهن (من وجهة النظر الفلسطينية)، وفي هذا السياق تؤكد المصادر الفلسطينية ان الرئيس ياسر عرفات يسعى بدوره للحصول على ضمانات من واشنطن للتعامل معه كقائد شرعي للشعب الفلسطيني، وكشريك أساسي في عملية السلام في المنطقة، في مقابل اجراء الاصلاحات المطلوبة منه على السلطة ورغبته في الحصول على حزمة تعهدات وضمانات تتصل بوضعه ومستقبل علاقاته معها ودرجة التزامها باعادة اطلاق المسيرة السلمية بما يقود الى قيام دولة فلسطينية، وميدانياً تتجاهل اسرائيل المساعي لاعادة العملية السلمية الى مسارها وتعارض كذلك بقوة حق العودة للفلسطينيين حتى لا يترتب على هذا الحق تغيير التركيب الديموغرافي وتصبح الأغلبية في «اسرائيل» لغير اليهود وفي مستقبل منظور. عليه، فإن خطورة المرحلة المقبلة لا تقتصر فقط على تضييع انجازات الشعب الفلسطيني والاضرار بالمعادلة الداخلية الفلسطينية لصالح معادلة اميركا ودولة الاحتلال، وإنما ايضاً الدخول في مجازفة ومقامرة سياسية معروفة نتائجها سلفا، ومما يزيد المسألة سوءاً ان السلطة الفلسطينية ستكون مطالبة بانهاء الحلم الفلسطيني بالاستقلال الحقيقي بعد دحر الاحتلال عن الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وذلك بعد أن لاح أفق هذا الأمل من خلال المقاومة المتواصلة للشعب الفلسطيني التي جعلت معادلة «توازن الرعب» هي الحاكم، بدلاً من معادلة «توازن القوى» وهذه السياسة تصب بشكل مباشر في مصلحة الاحتلال الاسرائيلي التي تتعزز لديه القناعة بأن أجندته السياسية والأمنية هي التي تحدد معالم سياسة الادارة الأميركية تجاه المنطقة ما لم تتصادم هذه الأجندة مع الحملة الأميركية على الارهاب. وتبدو تعقيدات الوضع الحالي أكبر بكثير من آفاق الحل، فكيف إذا كان هذا الحل هزيلاً وضعيفاً ولا يمكن ان تقبل به الاطراف العربية ولن يصمد طويلاً، لأنه ينطوي على إجحاف وظلم كبيرين بحق الشعب الفلسطيني، ولم يُقبل به في السابق ولا يمكن أن يُقبل مستقبلاً؟ بقلم: نوار القيسي ـ كاتبة عراقية