سئل رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي الأسبق في عهد الرئيس فرانسوا ميتران عن سياسة بلاده العربية فأجاب مستنكرا السؤال وقال: وهل هناك صوت عربي واحد حتى تكون لفرنسا سياسة عربية واحدة؟ وأضاف: في الواقع لفرنسا سياسات مع دول عربية كثيرة فهناك سياسة مع مصر، وأخرى مع سوريا، وثالثة مع السعودية، ورابعة مع الأردن..وهكذا. ثم ترك رولان دوما المكان ـ كان مؤتمرا صحفيا في وزارة الخارجية ـ وهو ينظر لطارح السؤال بقليل من الضيق، وكثير من التشفي ! هذه الواقعة بكل قسوتها لا تبرح خيالي في كل مرة اسمع فيها حديثا عن « موقف أورربي» من عملية السلام أو أتابع فيها التصريحات الخاوية التي يدلي بها السيد خافير سولانا حامل لقب منسق السياسة الخارجية والأمن الموحد للإتحاد الأوروبي. وأتساءل قائلا ، ما سبق أن قاله الوزير الفرنسي رولان دوما بشأن العرب: وهل هناك صوت أوروبي واحد حتى تكون له سياسة خارجية وأمنية موحدة ؟ وتحضرني الاجابة القاطعة ولكن على لسان رئيس الوزراء الأسباني خوسيه ماريا ازنار الذي تترأس بلاده الإتحاد الأوروبي في الدورة الحالية عندما قال: انصح الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي بالكف عن الحلم بمبادرات مستحيلة. أضاف: أن السياسة الأوروبية الواحدة في الشرق الأوسط ـ على وجه الخصوص ـ ليست ممكنه وغير مرغوب فيها من دون موافقة الولايات المتحدة. هذا الكلام لرئيس وزراء أسبانيا يعطي جزءا من الإجابة على السؤال أما الجزء الآخر فيأتي من جملة مواقف متباينة لعدد من الدول الأوروبية بشأن تصوراتها لفك الجمود الذي حاق بعملية السلام في الشرق الأوسط.فألمانيا ـ وعلى سبيل المثال ـ كانت اقترحت إجراء استفتاء لدى الفلسطينيين. وإيطاليا رأت عقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط أما فرنسا فقد تقدمت بأفكار تدعو إلى تنظيم انتخابات فلسطينية وإسرائيلية ـ في الوقت نفسه ـ مع إعلان الدولة الفلسطينية بينما أعرب وزير خارجية بريطانيا جاك سترو عن تحفظاته الشديدة على المساعي الأوروبية وأعلن انضمام بلاده إلى موقف الولايات المتحدة وإسرائيل الذي يعطي الأولوية لقمع الإرهاب في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إذن ما أشبه ليلة الأوروبيين ببارحة العرب فهم منقسمون ونحن أيضا ومن ثم لا مجال للضيق أو التشفي! وبات علينا أن نسمي الأسباب بمسمياتها الحقيقية ولا نسرف في التفاؤل بشأن الدور الأوروبي الذي يعترف «أهله » بأنه دور محدود، ومحكوم برغبة وإرادة أميركا، بينما نحن نراه كبيرا، وقويا، وفاعلا وهو ليس كذلك على الإطلاق! والدليل على ذلك أن أوروبا نفسها لا تعرف كثيرا عما يدور حاليا في كواليس الإدارة الأميركية بشأن مؤتمر السلام المزمع عقده في الشهر المقبل بحسب توقعات خافيير سولانا، كما لا تعرف مكان انعقاده أو الأطراف المشاركة، أو الآلية المقرر انبثاقها عنه والسبب هو أن الولايات المتحدة «ومعها إسرائيل بالطبع » لا تريد أن يكون هناك دور من أي مؤسسة لأوروبا، فأميركا هي راعية السلام الأولى، وهي المنفرد بالقرار الدولي، بل وهي صاحبة المصلحة في أن تكون هناك «حلحلة» من عدمها في منطقة الشرق الأوسط. والغريب أن هناك بعض الدول الأوروبية توافق على ذلك أقصد بريطانيا التي أعلن وزير خارجيتها في اجتماعات الشراكة الأورومتوسطية التي جرت في مرسيليا 2 نوفمبر 2001 بأن هناك اكتفاء بدور الولايات المتحدة كراع لعملية السلام، ومن ثم فلا مكان لأوروبا. جاء ذلك ردا على مطلب من وزراء خارجية الدول العربية المتوسطية بأن يكون لأوروبا دور الشريك لا دور المتفرج. المفارقة هي أن أوروبا نفسها تبدو ـ في بعض الأحيان ـ غير راضية عن موقفها « المهمش » أو على الأقل التابع للولايات المتحدة، ويعبر أكثر من مصدر أوروبي عن ذلك في تصريحات قد تؤدي إلى حدوث أزمات، مثل ذلك التصريح الذي أدلى به هوبير فيدرين وزير خارجية فرنسا السابق عندما أكد رفضه لسياسة محور الشر التي أعلن عنها الرئيس بوش الابن كإستراتيجية لبلاده، وقال فيدرين: ليس من حق أميركا أن تفرض علينا في أوروبا رؤيتها..كما أن النظرة للعالم من خلال استراتيجية مكافحة الإرهاب، هي نظرة سطحية تختزل كل مشكلات العالم في قضية واحدة. وعزف نفس النغمة يوشكا فيشر وزير خارجية المانيا عند ما طالب بأن تكف أميركا عن معاملة حلفائها كأتباع مشيرا إلى أن الأنظمة الديمقراطية الحرة لا ينبغي أن تتقلص إلى مستوى التبعية وقال إن ثمة فارقاً كبيراً بين أن نكون حلفاء أو تابعين. وقد رد كولن باولن على هذه الإنتقادات الأوروبية وحدث نوع من التلاسن مع نظيره الفرنسي فوصفه بالمزاجية والهلوسة لأنه قال عن سياسة الرئيس بوش بأنها ساذجة وسطحية. وقد عكست هذه الواقعة مدى الحنق الذي يملأ جوف أوروبا تجاه إنفراد أميركا بالرؤية والقرار، وكأن على أوروبا أن تسلم دون قيد أو شرط بالقيادة الأميركية للعالم، وحسبها أن تقوم بدفع فواتير الحساب بين وقت وآخر، في هذا المكان أو ذاك. وللإنصاف يجب أن نذكر أن أوروبا كقوة سياسية محدودة التأثير، ثم إن علاقات دولها بإسرائيل هي علاقات حاكمة وفاصلة وليس من السهل عليها أن تضحي بها، ناهيك عن عمق بعض هذه العلاقات مع دولة مثل فرنسا ـ رغم حب الأخيرة للعرب وتعاطفها مع قضاياهم ـ وحساسية علاقات ألمانيا بإسرائيل وما عقدة النازية والتكفير عنها إلا أحد الأمثلة. ناهيك عن العلاقات الخاصة التي تربط بير لسكوني رئيس وزراء إيطاليا بقادة إسرائيل ورموزها. ولا ينبغي أن ننسى أن إسرائيل هي من أكثر الدول المستفيدة تجاريا من السوق الأوروبية، «تصدير وإستيراد » وعندما اشتدت الأزمة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وتعمدت إسرائيل أن تسحق بآلتها العسكرية المقاومة الفلسطينية في جنين، ونابلس، وطولكرم. إرتفعت أصوات تطالب الإتحاد الأوروبي بأن يستخدم بنود حقوق الإنسان المنصوص عليها في إتفاق الشراكة الأوروبية ـ الإسرائيلية للضغط على إسرائيل لكي توقف عدوانها، أكدت المفوضية الأوروبية أنها لن تفعل ذلك ولم يشرح رومانو برودي رئيس المفوضية أسبابه ! وها نحن نجد أن الضغوط الإسرائيلية ـ بعكس الضغوط العربية ـ قد أتت أكلها، بموافقة البرلمان الأوروبي في استراسبورج على إيقاف 18.7مليون يورو من أموال مساندات الإتحاد الأوروبي للفلسطينيين، وهو مطلب إسرائيلي قديم يتأسس على إتهام أوروبا بالتواطؤ مع الفلسطينيين لأن الأموال التي تقدمها اليهم تصب في النهاية ـ بحسب الزعم الإسرائيلي ـ في قنوات الإرهاب. وأمام الضغوط الاسرائيلية المتواصلة تم تجميد المساعدات بالفعل. ونسى ممثلو الإتحاد ما سبق أن وعدوا به وهو تحميل السلطات الإسرائيلية مسئولية تدمير كافة البنى والمؤسسات الفلسطينية التي تم إنشاؤها بالمساعدات الأوروبية. وكانت التهمة المعدة لإسرائيل هي تبديد أموال الإتحاد الأوروبي، لكن ضاعت التهم ادراج الرياح وصمت الملوحون بها صمت القبور. وبالإجمال نستطيع أن تقرر بإطمئنان أن الولايات المتحدة لا تضع في حساباتها أية مساحة من أي نوعية ـ لما يسمى بالدور الأوروبي ولعل الصحفي الأميركي توماس فريدمان هو أصدق من عبر عن ذلك. عندما كتب يقول ان حل قضية الشرق الأوسط مرهون أولا وأخيرا بالإرادة الأميركية بل أن إقامة الدولة الفلسطينية هي مسئولية أميركية محضة في إشارة إلى الغياب التام للدور الأوروبي. لكن واقع الحال يؤكد أن الولايات المتحدة تتبنى على طول الخط مقولات ومبادرات أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي ولذلك فقدت «نزاهة» و«قيادية» الراعي لعملية السلام، وهو ما يستوجب ـ على الأقل من جانبنا العربي ـ البحث عن بديل لأحداث التوازن. هذا المنحى مقبول نظريا، لكن عندما تراهن على أوروبا لكي تكون هي هذا البديل المرغوب، فالأمر لا يخلو من مغالاة، أو تكبير لصورة هي في الأصل ليست كبيرة. وبواقعية شديدة، أعتقد أنه لا ينبغي أن نعول كثيرا على الجولة التي يعتزم وزير الخارجية الفرنسي الجديد دومينيك دي فيلبان القيام بها قبل نهاية يونيو الجاري على مرحلتين الأولى تشمل إسرائيل ومصر والسعودية والثانية تتجه إلى سوريا ولبنان والأردن. وحسبها أن تكون شبيهة بجولات مكوكية قام بها وزير الخارجية السابق هوبير فيدرين ، ويقوم بها ـ في كل الأوقات ـ السيد خافيير سولانا الذي لا ينسى أن يصطحب معه في كل مرة « تابعه الأمين موراتينوس حامل لقب الموفد الأوروبي لعملية السلام». بكلمة أخرى: أوروبا أصغر كثيرا مما نتصوره لها من حجم لأنها بالفعل ضعيفة أمام الجبروت الأميركي، والضغط الإسرائيلي. بقلم: د. سعيد لاوندي ـ كاتب مصري