تطورات الأحداث المتعلقة بالقضية الفلسطينية تشير وبما لا يدع مجالا للشك أن الادارة الأميركية الحالية هي الأسوأ بين كل الادارات في تعاملها مع هذه القضية بل ومع مختلف القضايا العربية الأخرى، فهذه الادارة ومنذ مجيئها أظهرت انحيازا للكيان الصهيوني غير مسبوق وتبنت كل مواقف السفاح شارون وتصوراته فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي وتركته ينفذ مخططه لقتل وتشريد وتجويع وحصار الشعب الفلسطيني على مدى شهور عدة، وحتى عندما قالت إدارة بوش أنها ستتحرك وتقدم تصورات لتحريك الموقف المتردي الحالي فوجئ الجميع بمجموعة من المقترحات الخاصة بإقامة دولة فلسطينية مؤقتة على مساحة 40% من مساحة الضفة الغربية وثلثي القطاع دون أن يكون هناك جدول زمني لحل بقية القضايا العالقة بين الطرفين.. «الملف» التقى الخبيرين الاستراتيجيين د. عماد جاد واللواء طلعت مسلم لالقاء الضوء على طبيعة الموقف الأميركي منذ مجيء الادارة الحالية والخطوة الأخيرة الخاصة بقيام دولة فلسطينية والاصرار العربي على طرح المبادرات التي لا ينتج عنها جديد وخاصة في ظل التعنت الاسرائيلي المستمر. بداية يرى الخبير الاستراتيجي د. عماد جاد أن الطرح الأميركي الذي تم الحديث عنه مؤخرا والخاص باقامة دولة فلسطينية مستقلة مؤقتة على مساحة 40% من الضفة الغربية وثلثي قطاع غزة اعتبارا من مطلع العام المقبل مع ترك القضايا المعلقة للتفاوض وايجاد حلول لها فيما بعد لا يعني أن هناك تغييرا أو تحولا صارخا في الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية ولكن يمكن النظر اليه على اساس أنه مجرد استجابة أميركية للجهود العربية التي بذلت خلال الفترة الماضية والتي تمثلت في الزيارات العديدة التي قام بها مسئولون عرب والذين نقلوا بدورهم الى الادارة الأميركية أنه لا يمكن أن تترك الأمور على هذا النحو من السوء لأن هذا قد يهدد المصالح الأميركية في المنطقة، بل قد يهدد الأنظمة العربية المعتدلة التي تتمتع بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة، ولذلك فالواضح أن أميركا وجدت في موضوع اعلان دولة فلسطينية مخرجا لهذا الوضع الذي لم يعد مقبولا من كل الأطراف العربية، ولكن يجب الوضع في الحسبان أن مثل هذه الخطوة لا يمكن لها أن تساهم في حل المشكلة أو تهدئة الأوضاع في المنطقة ما لم ترتبط بجدول زمني لحل بقية القضايا الشائكة الخاصة بالحل النهائي مثل اللاجئين والقدس. ويضيف د. عماد جاد أن هذه الخطوة في حال اتمامها قد تكون مرفوضة من الكثيرين وخاصة من الذين سبق ورفضوا أوسلو، ولكن مع ذلك فإنني أرى أنه في ظل الظروف والمتغيرات الدولية الحالية وفي ظل هذا الانحياز الأميركي السافر لاسرائيل، وانشغالها في حربها ضد ما يسمى بالارهاب فإن الوصول الى هذه الصيغة من اعلان دولة فلسطينية هو أمر هام للغاية، حيث يمكن بعد هذه الخطوة الدخول في مفاوضات حول القضايا الأخرى، كما أنه يمكن من خلال الدولة الفلسطينية المستقلة طلب الحماية الدولية ووجود مراقبين وغيرها من الأمور التي تكفل تحقيق الأمن للفلسطينيين من السفاح شارون رئيس الحكومة الاسرائيلية وغيره من رؤساء الحكومات المقبلة، هذه الخطوة لن تكون سيئة ويتضح ذلك من الرفض الاسرائيلي لها بمجرد تسريب معلومات عنها، ولذلك لا ضرر من الموافقة على هذا الطرح والبناء عليه خلال الفترة المقبلة، والبدء في مفاوضات حول قضايا الحل النهائي مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن إنهاء هذه القضايا المزمنة في الصراع العربي الاسرائيلي ستكون من خلال حلول وسط يرضى بها الطرفان. عمليات وحشية ويستطرد د. عماد: لقد فشل شارون ورغم كل عملياته القذرة والوحشية ضد الفلسطينيين وسعيه لاقامة الجدار الواقي واغتيال قيادات المقاومة وفرض سياسة التجويع والحصار للشعب الفلسطيني في تحقيق الأمن الذي وعد به الناخب الاسرائيلي، كما أن الفلسطينيين قد دفعوا خلال الفترة الماضية ثمنا غاليا، ولذلك فالطرفان لاشك سيجدان نفسيهما في نهاية المطاف مجبرين على قبول هذا الطرح الخاص باعلان دولة فلسطينية مستقلة، وهذه الفكرة لا تتناقض مع ما جاءت به المبادرة العربية ولذلك يجب قبولها لانتزاع بعض المكاسب والبدء في المطالبة بالحقوق الأخرى مستفيدين من الأوضاع التي ستنشأ عن اعلان الدولة مثل تدويل الصراع والمطالبة بحماية دولية، حيث سيكون هناك طرفان فلسطيني واسرائيلي لهما نفس الحقوق أمام المنظمة الدولية. وفيما يتعلق بالمؤتمر الدولي للسلام الذي ما زال الحديث يدور عنه يقول د. عماد: هناك نقطة هامة يجب ملاحظتها وهي أن أهمية عقد المؤتمر من عدمه تتوقف على فكرة الجدول الزمني فإذا كانت أجندته سوف تحتوي على جدول زمني لتنفيذ الخطوات والاجراءات التي سيتم الاتفاق عليها، في هذه الحالة سيكون المؤتمر مفيدا لنا نحن العرب، أما اذا كان المؤتمر سيقتصر على مجرد التقاط الصور وبحيث يتم التعامل معه على أساس أنه فرصة لأن توضح الولايات المتحدة وجهة نظرها، وتستعرض عضلاتها السياسية على الحاضرين، ففي هذه الحالة لن يخدم المؤتمر الا المصلحة الأميركية وبالتالي لن تكون هناك نتائج ملموسة على صعيد انهاء الصراع العربي الاسرائيلي. ويعتقد د. عماد جاد أن قيام الجانب العربي بطرح المبادرات الخاصة بالتسوية السلمية للصراع من آن لآخر هو عمل مطلوب وخاصة في ظل هذه الظروف غير المواتية والانحياز الأميركي السافر لاسرائيل وحتى لا تترك الساحة للدولة العبرية لكي تسوق للغرب كل تصوراتها وافكارها المعادية للعرب، طرح المبادرات هو من شأنه أن يؤكد للعالم أن العرب يريدون السلام وجادون في السعي اليه وأن الطرف الاسرائيلي هو الذي يعرقل ذلك، وهذا الأسلوب على المدى الطويل من الممكن أن يحقق الهدف منه وما يحدث في الشارع الأوروبي الآن من تضامن مع الحقوق العربية والفلسطينية لاشك أنه انعكاس لهذه السياسة العربية فقد رأينا المظاهرات الصاخبة التي واكبت الاجتياح الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية، لقد تغيرت الصورة على المستوى الدولي الآن وفهم الآخرون أن العرب يريدون السلام ولكن اسرائيل هي التي ترفضه، أو تريد السلام الذي يناسبها فقط دون اعتبار لمصالح وحقوق الآخرين. ويعترض د. عماد جاد على الطرح الذي يرى بأن التعامل العربي مع واشنطن يتم وفق خطاب الاستجداء ويقول: بالعكس هناك تعامل من جانب بعض الدول العربية الفاعلة مع الولايات المتحدة على أساس أن هناك مصالح مشتركة بين الطرفين ينبغي الحفاظ عليها، كما أن هناك قناعة عربية بأن الولايات المتحدة هي التي تستطيع أن تضغط على اسرائيل ومن هنا يأتي الحرص على التنسيق معها والقيام بالزيارات المتعددة اليها للتباحث والتناقش، ولا يخلو الأمر أحيانا من ممارسة الأطراف العربية الضغط على الولايات المتحدة وتذكيرها بأن مصالحها مهددة لحثها على اتخاذ مواقف أكثر إيجابية. ويدعو د. عماد الى ضرورة تكثيف الجهود العربية خلال الفترة المقبلة واعادة ترتيب الأوراق المتاحة وحرمان الولايات المتحدة من الاستفادة من التناقضات العربية الموجودة بأن يكون هناك تنسيق عربي مستمر حول القضايا العربية لأن ذلك من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة باتجاه اتخاذ مواقف أكثر ايجابية فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط. تجاهل كل الحقائق ومن ناحيته يعتقد الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن الشعب الفلسطيني هو الذي سيحدد ما يمكن قبوله من حلول للقضية الفلسطينية واذا كان هناك حديث الآن عن دولة فلسطينية على مساحة 40% من أراضي الضفة وثلثي القطاع فإن ذلك قد يوافق عليه عرفات أما الشعب الفلسطيني فلن يوافق إلا اذا شعر أن هذا الطرح يحقق له مطالبه في حدودها المعقولة، دون ذلك لن يكون هناك حل وستستمر المقاومة. ويشير اللواء مسلم الى أن المتابع للموقف الأميركي خلال الأشهر الماضية يرى بأن الادارة الأميركية قد بلغت حدا من الشطط لم تبلغه إدارة أخرى وبحيث لم يعد مستغربا عليها القيام بأي شئ، فهي تتجاهل كل الحقائق وتنحاز بشكل صارخ لاسرائيل، وماضية في هذا الاتجاه دون أن تجد موقفا عربيا يعمل على ردعها وبحيث صارت الأمور الى ما هي عليه الآن، من ترك السفاح شارون ينفذ مخططه في تدمير وقتل وتجويع الفلسطينيين، على أن تتولى الولايات المتحدة توفير الحماية له للاستمرار في ذلك مستغلا حالة الضعف العربي غير المسبوقة. ويقول اللواء مسلم: لقد وصل النظام العربي خلال الفترة الماضية الى حالة من الضعف غير مسبوقة وتفرق العرب شيعا ولم يعد هناك اتفاق أو تنسيق بين الدول العربية على القضايا العربية الهامة وصار لكل دولة أجندتها التي تحاول تنفيذها بمفردها وقد فهم الأميركان ذلك ولعبوا عليه، كما فهمته اسرائيل واستغلته أفضل استغلال، ولذلك لم يعد متبقيا من النظام العربي سوى هذه الاجتماعات التي لم تعد تسفر عن شئ ملموس وحقيقي في اتجاه الحصول على الحقوق العربية.ويرى اللواء مسلم بعدم أهمية طرح المبادرات العربية للتسوية السلمية للصراع العربي الاسرائيلي ويضيف: حتى لو قدمت مبادرات فلابد أن تركز على ضرورة إنهاء هذا الاحتلال الاسرائيلي البغيض وعودة الحقوق الفلسطينية كاملة والى أن يحدث ذلك يتم تشكيل قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني، وألا يكون الأمر مجرد اطلاق مبادرات غالبا ترفضها اسرائيل، كما يجب ألا يكون حديثنا دائما عن أن السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب وكأنه لا توجد لدينا خيارات أخرى لأن ذلك يضعف موقفنا، وفي هذا الاطار يتحفظ اللواء مسلم على موضوع المؤتمر الدولي ويتساءل ما جدوى عقد مؤتمر دولي للسلام لا تحضره أطراف الصراع الرئيسية؟ القاهرة ـ مكتب البيان: