إذا أضاعت البلدان مواقع القدرة فيها، أو أهملت استخدام قدراتها، أو رهنت مكنتها لغيرها، فإنها تكون قهرت نفسها بفعلها، ومكنت الآخرين من إرادتها، حينذاك يصبح لديها الإنقاص من التكاليف المفروضة عليها غنيمة، ويصير عندها الحصول على فضول القول من الآخرين كنزاً عظيماً، تلك هي العبر التي نقلها الماضون إلى الباقين، بل هي التي يحكيها الشهود إلى الحضور الذين يحسنون الإنصات، يقول نائب رئيس الوزراء البولندي كالينوفسكي ان بلده ارتكب خطأ كبيرا في أسلوب تفاوضه مع المجموعة الأوروبية كي يصبح عضوا فيها، فقد اكتشف من خلال المفاوضات مع أشقائه الأوروبيين الغربيين في بروكسل (أنهم بدون أدنى ريب لا يحترمون إلا الشريك القوي). فقد ظن البولنديون أنهم يفاوضون أشقاء يريدون أن يشكلوا معهم عائلة واحدة، فتنازلوا لهم قبل أن تبدأ المفاوضات عن كثير من الأمور، ليكتشفوا من بعد أن ما قدموه أصبح أمرا واقعا لا يحتسب في المفاوضات، بل يشرع فيها من حيث انتهت التنازلات، وإذا كان لا يغفر للمفاوض البولندي تغافله أنه يفاوض في إطار النظام الرأسمالي الذي محوره الربح، فهو معذور بأن ظن أنه يفاوض أصدقاء لا أعداء، لكن، ماذا عن الجانب العربي؟ ويرى المدقق في الممارسة العربية طلبا للسلام مع العدو أنه يسكنها الغريب النادر مما اعتادته الأقوام في ماضيها وفي حاضرها، وأنها تتجاوز المسموح فيما ينبغي القيام به، وأنها لا تحفل بل تستخف بكل قواعد المفاوضات الصحيحة، فالمبادرات العربية الأخيرة انطوت على أخطاء جسيمة في توقيتها، وسارت على نهج مغلوط في شكل الإعلان عنها وملاحقتها، وشكلت في جوهر موضوعها إضعافا فادحا للموقف التفاوضي العربي، فقبيل ساعات قلائل من اجتياح إسرائيلي مدمر، كان العالم كله يتوقعه، لمدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقف النظام العربي ليعلن لإسرائيل أنه لا يستطيع منعا لما تريد فعله من استباحة للأرض والناس، ولا يملك ردا على الجرائم التي تزمع القيام بها سوى الرجاء بأن تقبل الأيادي الممتدة للتسليم بكثير مما تريد، بل لم يخطر على بال الذين نشدوا السلام مع فوهات المدافع الإسرائيلية الموجهة إلى الإنسان والعمران في فلسطين، أن يمدوا إقامتهم لأيام أخر حتى يضمنوا أن المدافع لن تكون هي التي ترد على تحيتهم. ولقد كانت مبادرة بيروت كاشفة للضعف العربي ومبينة لعجزه، إذ لم يخفيا على صديق أو عدو، بل إن الإعلان عن المبادرة في وقتها كانت تبريرا، وإن لم يقصد، لفعل شارون ومنطقه أمام شعبه وأمام الأميركان اللذين يؤكدان أن السلام مع العرب حتى يستتب ينبغي فرضه. ثم إن المبادرات، ما كان لها أن تبدأ من العرب، أو من خارج إطار المفاوضات، لأن المبادرة حينما تأتي من أحد طرفي الصراع، فهي ملزمة معنويا وأخلاقيا له، والأمر ليس كذلك بالنسبة للطرف الآخر، ويترتب على ذلك أن حرية الحركة وسهولة المناورة قد حدد سقفاها لطرف وأطلقا لآخر، فكان ينبغي أن يبحث العرب عن أطراف أخرى غير الولايات المتحدة كي تعلن عن مبادرة يقبل الطرفان التفاوض على أساسها، ثم إذا كان المقصود من المبادرة، كما حصل فعلا هو تقديم التنازلات، إذ لم يكن هناك من جديد فيها إلا جانبها التنازلي، الذي عبر عنه بالتطبيع الشامل، فإن محل ذلك غرف المفاوضات، حتى لا تكون بدون مقابل، وكان محصلة ذلك كله أن أصبحت المبادرة تحت رحمة الإسرائيليين والأميركان، فبدأت المساومات مع العرب قبل الذهاب إلى المؤتمر الدولي لشطب حق العودة وتقزيم حجم الدولة وجوهرها، لكن المبادرة التي أطلقها النظام العربي، التي تطلبت مقايضات عديدة بين أطرافه، لم تكن إلا استرضاء للولايات المتحدة فشابها النقص في توقيتها وفي محل قيامها. ويختلف العرب في طرحهم لمبادراتهم عما شهده تاريخ المفاوضات الدولية من حيث كونها إصرارا على الإضرار بالمصالح القومية، وحبسا للنفس في شراكها الذاتية، فالمبادرات العربية في طرفيها الذي يعطي والذي يطلب مختلة اختلالا عميقا لمصلحة العدو، ففي طرف الإعطاء صعود إلى قمته، فمبادرة قمة بيروت عرضت التطبيع الشامل، واتفاقيات أوسلو قدمت الاعتراف الكامل بإسرائيل ومكاسبها، وكامب ديفيد منحت التطبيع الشامل معها، وعلى طرف المطالب نزول إلى قعرها، حيث تكتفي المبادرات العربية بالحدود الدنيا فقمة بيروت لم تجرؤ أن تلفت النظر إلى قرار التقسيم، واتفاقية أوسلو نامت نوما هانئا على قبول المنظمة كممثل رئيسي للشعب الفلسطيني، وإن لم تعترف بحقوقه، واتفاقية كامب ديفيد اكتفت باستعادة سياحية لسيناء، ثم يتذمر النظام العربي، أو بعضه، حينما يجد أن عدوه يساومه على الحدين، يرفع من جانب طلبه حينما يطلب من العرب إبداء حسن النية بالتطبيع أولا، ثم يصر على وقف المقاومة ورفع الأيدي قبل أن يبحث فيما سيعطيه، وهو في كل الحالات لا يبوح بما سيعطي، هذه هي طبيعة المبادرات والمفاوضات العربية وقواعدها التي يلتزمون بها في مفاوضاتهم مع إسرائيل ويأبون احترامها في مفاوضاتهم بين بعضهم البعض، أو حتى بين عشائرهم حينما تختلف على شأن، فالأمر ليس جهلا، وليس حسن نية، بل مقايضة لحفظ السلطان. أما الموقفان الإسرائيلي والأميركي فهما مشهد واحد تعددت ظلاله وتنوعت ألوانه، فشارون يفصح بالفعل ويبين بالقول إلى ماذا يسعى، والعرب يأبون تصديقه، فهو يطمح إلى تهجير الفلسطينيين، لكن خبرته بالحكم علمته أن الأمر ليس ممكنا دفعة واحدة، كما يريده ناقصو الخبرة في معسكره، غير أنه يتصور أن إجراءات متلاحقة قد تنجز غرضه تدريجيا، واستراتيجيته تستند إلى قاعدة وتقوم على أعمدة، فأما قاعدتها، فهي أنه يحتاج إلى استمرار العنف، لأن على قاعدة العنف تقوم أعمدته، ومن أعمدته الفصل الطبيعي بين المناطق الفلسطينية من خلال الأسوار، بعد أن كان الفصل معنويا إلى حد كبير من خلال نقاط التفتيش، والعمود الآخر الأكثر أهمية هو بناء المستوطنات الذي يقضم الأرض تدريجيا، وثالث أعمدته، عمليات التدمير للمساكن والمزارع والمؤسسات ليحرم الفلسطينيين من الحدود الدنيا للمعيشة اللائقة، أما العمود الرابع فهو ذو فرعين داخلي بذبح المقاومة، وخارجي بتسليط الضغط العالمي عليها لإيقافها، وهو مستعد للقيام ببعض المناورات السياسية لتحقيقها، لأنه يدرك أن نجاح استراتيجيته يطرد عكسيا مع تصاعد المقاومة، ويظن شارون أن هذه وعوامل أخرى ستؤدي في المدى البعيد إلى نزوح الفلسطينيين بحثا عن أسباب الحياة، وهو يأمل أن يكون التطبيع مع العرب، عموده السري، قناة التصريف لهذا النزوح، فشارون لديه استراتيجية متكاملة، لكننا لا نريد أن نراها، لأن الحرب في أذهان الكثير منا ليست إلا دفاعا عن النفس، وليست لبناء الإمبراطوريات، وشارون ثعلب يمكر الآخرين إلى استنتاج غير ما يريد، وهذا ما فعله في أكثر من مرة كان أوضحها مغامرته في لبنان، وهو يفعل الآن نفس الشيء، وقد تجلى ذلك، من بين أمور كثيرة، في مقالة في جريدة «النيويورك تايمز» حينما صور استراتيجيته أنها تقاسم الضفة الغربية وقطاع غزة مع الفلسطينيين، فالمقالة بحكم توقيتها وبحكم الرأي العام الموجهة إليه تعطي الانطباع أنه يرغب في التعايش مع الفلسطينيين وإن كان يطلب ثمنا باهظا، لكنه يعرف أن هذا التعايش كما يريده مستحيل، سواء قبلت به السلطة الفلسطينية أم رفضته، فإن قبلته السلطة فسرعان ما سيتهاوى لأن عوامل تداعيه منبثة في عناصره الأساسية، فمقالته ليست إلا ممارسة للعلاقات العامة ولتسهيل مهمة الإدارة الأميركية. ويحكم موقف الولايات المتحدة تصور دائم وآخر مرحلي، أما التصور الدائم، فهي ترى أن إدارة الأزمات أفضل من حلها لمصالحها، ولذلك كان استمرار الصراع العربي الإسرائيلي الذي تتحكم في مساراته ونتائجه مطلوبا، بل أن الولايات المتحدة أفشلت الكثير من المحاولات لإيجاد حل نهائي لهذا الصراع خلال الحرب الباردة، ولا يعني هذا أنها لن تحاول فرض حل جائر، لأنها تعرف أن في ذلك استمراراً للصراع، لكن ما تأباه وترفضه حل يرضي العرب ويخمد النار، أما التصور المرحلي فهو سياسة بوش التي يتحكم فيها قوى يمينية ومنها قوى يهودية تتعاطف أيديولوجيا مع توجهات غلاة الصهاينة الإسرائيليين. وقد برهن بوش كما يقول عنه كروجمان الاقتصادي الأميركي المعروف على قدرته على الإضرار بالمصالح الأميركية تجنبا لخسائر شخصية سياسية انتخابية، وقد حصل ذلك حينما أغضب الأوروبيين بوضعه التعرفة الجمركية على استيراد الفولاذ، وإصراره على الاستمرار في تقديم الدعم للمزارعين الأميركيين خلافا لقواعد التجارة الحرة التي يدعو لها، حتى لا يخسر تأييد قوى الضغط في هذين القطاعين، فإذا كان بوش على استعداد لأن يغضب أوروبا التي هي على استعداد للدفاع عن مصالحها من أجل مكاسب داخلية، فهو أكثر استعدادا لتجاهل الطرف العربي الذي لا هم له إلا استرضاء الحكومة الأميركية. ولن ينجم عما ينوي إصداره بوش سوى تأكيده على إنهاء المقاومة تحت مسمى الإرهاب، وقد يضيف إليها في أحسن الأحوال الالتزام بقيام الدولة الفلسطينية كما يتخيلها باول، التي ستكون كارثة على الشعب الفلسطيني والعرب تحلو أمامها نتائج أوسلو، وهي على فداحتها سيفرح بها النظام العربي لعلها تقود إلى مؤتمر دولي ينجم عنه هدنة في المقاومة الفلسطينية تسمح له باستيعاب الغضب الجديد في الشارع العربي الذي ستولده حرب أميركا القادمة ضد العراق. بقلم: د. خالد عبدالله ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن