لن تجد الا في الولايات المتحدة الأميركية، والا لدى ادارة جورج دبليو بوش، مثل هذا الحد من اللامعقول في عالم السياسة أو هذا العدد من المفارقات في الممارسة من قبل الأجهزة الادارية والأمنية والمخابراتية المتعددة على مستوى الحكومة الفيدرالية وحتى في الولايات منفردة. آخر اللامعقول، أو أقله اللامفهوم، في واشنطن اقتراح «الدولة المؤجلة» للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا لشيء الا لأن حكومة اسرائيل برئاسة ارييل شارون لا تريد رؤية مثل هذه الدولة في هذا الوقت. واذن، فلا بأس ان تأخذ ادارة بوش بالنظرية.. تماما كما هي نظرية «الحق المؤجل» لمجرد ان سارق هذا الحق يرفض الاعتراف بجريمته أو ان يعيد ما سرقه الى اصحابه، او حتى نظرية «الولادة المؤجلة» لأن الطبيب المشرف يريد مثلا ان يقوم في الموعد برحلة استجمام الى الخارج. لكن آخر اللامعقول، او اللامفهوم، الأميركي حاليا ليس مفصولا عما سبقه، بل هو يأتي تتمة لكثير من المفارقات التي شاهدها العالم، وشهد عليها، في الشهورالقليلة الماضية. فمن الانتهاك الفاضح للدستور بسلسلة الاعتقالات العشوائية التي طالت عشرات آلاف الأميركيين من اصول عربية او اسلامية لمجرد الاشتباه بهم بعد الحادي عشر من سبتمبر العام 2001، الى انشاء محاكم عسكرية بصلاحيات تتجاوز أي قانون أميركي ثم التراجع عن بعض هذه الصلاحيات، الى انشاء «ادارة للكذب» في وزارة الدفاع مهمتها توزيع معلومات كاذبة في الداخل والخارج ثم محاولة طمسها، الى شن ما وصف بـ «الحرب على الأرهاب» في افغانستان - وعلى امتداد العالم كله - تحت شعار اعتقال متهمين بمثل هذا «الارهاب» او تسليمهم الى العدالة، ثم رفض التوقيع على معاهدة انشاء محكمة جنائية لمحاكمة مجرمي الحرب، الى اخيرا افتعال ضجة حول «قنبلة اشعاعية قذرة» ربما كان يفكر فيها أميركي مهووس وصاحب سوابق وأجرى اتصالات مع تنظيم «القاعدة» من اجل صنعها الخ.. ... من هذا الى ذاك الى ذلك، تبدأ ولا تنتهي سلسلة المفارقات التي شهدتها الولايات المتحدة، وشهدها معها العالم، في خلال أقل من عام حتى الآن. وهل ينسى أحد، في هذا المجال، مفارقة «الانسحاب فورا» و «الانسحاب الآن» و «الآن.. يعني الآن» ، التي رددها بوش في خطاباته الموجهة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ابان اجتياح الأخير لمدن وقرى الضفة الغربية ؟!. أو رحلة وزير الخارجية كولن باول الى اسرائيل والاراضي المحتلة، وحديثه عن الأنسحاب الى ما وراء نقاط الأجتياح الجديد، بينما كان شارون يواصل - تحت سمعه وبصره - اكمال عملية ذبح الشعب الفلسطيني وضرب البنية التحتية للسلطة في الأراضي المحتلة ؟!. مفارقات.. مفارقات، لكن المهم هنا هو الأخيرة بينها: حديث الدولة الفلسطينية المؤقتة.. او المرحلية.. او المؤجلة... او الموعودة لا فرق !!. على الهامش: ألا تذكرنا هذه الأخيرة - «الدولة الموعودة» - بأرض الميعاد او بوعد بلفور، بما يعني ضمنا تمزيق حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه المحتلة فضلا عن تمزيق العدد الكبير من القرارات الدولية حوله، وتحويل ذلك كله الى مجرد وعود قد تتحقق وقد لا تتحقق ؟!. ان في هذا الحديث، اذا تمت موافقة عربية ما على خطة «الدولة المؤجلة» ، عملية تسويف ومماطلة ستؤدي الى مسلسل جديد من المفارقات الأميركية الجديدة: مواقف شفهية من بوش، وأخرى من باول، ثم مجموعة أفكار وتقارير وتفاهمات يكون ابطالها مجددا أمثال جورج ميتشيل ووليم بيرنز وجورج زيني وتينيت الى آخر الأسماء والمعزوفات !!. أول الكلام الأميركي عن الدولة الفلسطينية جاء على لسان بوش في وقت ما من العام الماضي، ورحب به الجميع من دون استثناء تقريبا، بعد أن ورد في صيغة انه لا مفر في النهاية من وجود دولتين، اسرائيل وفلسطين، تعيشان معا بسلام وجنبا الى جنب. أما أوله في الأسبوع الأخير فجاء على لسان كولن باول، في أعقاب لقاء هو السادس من نوعه بين بوش وشارون. قال باول ان انشاء «دولة مرحلية على جزء من الأرض» في الضفة الغربية وقطاع غزة، تكون خطوة على طريق الاتفاق على حل نهائي للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي هو مجرد فكرة، وليس اقتراحا او مشروع اقتراح بعد، لدى الادارة الأميركية. لم يكن ما قاله باول سوى نوع من بالون اختبار لمعرفة ردود الفعل، وبخاصة رد الفعل العربي، على مثل هذه «الدولة المؤجلة». دليل ذلك انه لم تمض ساعات على كلامه حتى تحولت «الفكرة» الى قضية مطروحة فوق الطاولة، حيث سارع البعض الى رفضها، بينما قبل بها البعض الآخر ولكن بعد ان ربطها بجدول زمني او بألا يتحول المؤقت الى نهائي، في الوقت الذي التزم فيه البعض الثالث الصمت كما تفعل البنت البكر عندما تسكت خجلا ويعتبر سكوتها تعبيرا عن موافقتها على الزواج من خاطبها !!. الا ان معلقين اسرائيليين، هما يوئيل ماركوس وألوف بن، كشفا سر بالون الاختبار هذا عندما كتبا في صحيفة «هآرتس» بعد يوم واحد عن حقيقة الفكرة - الاقتراح التي تبناها بوش وسعى عبر وزير خارجيته الى تسويقها. قال ماركوس في مقال له في الصحيفة: «لقد عاد شارون من لقائه السادس مع بوش منتصرا. لم يضغط عليه أحد، حتى ولم يناقشه أحد في ما قاله. أدى شارون مهمة رائعة بذهابه الى حيث اراد ان يذهب من البداية... الى لا مكان ( يقصد المكان الذي لا يختلف عن اسرائيل ) . كان لديه شريكان ساعداه عمليا على تحقيق غايته:عرفات الذي لا يعرف اين يقف، وبوش الذي ترعرع في تكساس على السباغتي الغربي، والذي يقسم العالم الى أناس أخيار وأناس اشرار». ولم يدخل ماركوس، الذي عقد مقارنة بين موقف بوش المؤيد تماما لشارون وموقف الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون الذي لم ينبس بكلمة لغولدا مائير ردا على توجيه طائراتها ومدافعها للضرب في عمق مصر، في تفاصيل اللقاء والاتفاق بين بوش وشارون. لكن ألوف بن، الذي رافق شارون في رحلته الى واشنطن، كتب في الصحيفة ذاتها: «ان الخطة الدبلوماسية التي تضعها حاليا الادارة الأميركية تقوم على اقتراح شارون الداعي الى اتفاق مرحلي طويل الأجل تقام بموجبه دولة فلسطينية من دون تعيين حدود لها». ونقل عن مصادر اسرائيلية قريبة من الادارة الأميركية قولها ان واشنطن «وافقت ايضا على اقتراح شارون القائم على انه بدلا من وضع جدول زمني، يجب ان يكون التقدم الدبلوماسي مشروطا بمدى التقدم في «الدلائل الحسية» المطلوب ان تتوفر على الساحة الفلسطينية. وسيكون على الولايات المتحدة ان تقرر ما اذا كانت هذه «الدلائل الحسية» مما يعتمد عليه، او يعتد به، وأن تقرر هي بالتالي ما اذا كان يمكن بعد ذلك التقدم الى الخطوة التالية». أضاف ألوف بن ان النقطة المركزية في الخطة التي سيعرضها بوش في الأيام المقبلة هي اقامة «دولة فلسطينية مؤقتة» ، ولكن بشرط أساسي هو تحقيق اصلاح جوهري في السلطة الفلسطينية، تحت اشراف دولي، وفي ثلاثة مواقع محددة هي التالية: اساليب الحكم، خدمات الأمن، والادارة المالية. أكثر من ذلك، اشار ألوف بن الى ان بوش لم يطرح في لقائه مع شارون لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة موضوع المستوطنات في الضفة والقطاع، وانه - أي بوش - ربما اراد ان يتفادى مواجهة مع رئيس الوزراء الاسرائيلي (اشارة الى انه قد يعمد في خطابه عن «الدولة المؤجلة» الى تكرار الموقف الاميركي التقليدي من المستوطنات) . ما سبق هو آخر «ابداعات»اللامعقول، او اللامفهوم، الأميركي تجاه العرب.. هذه «الابداعات» التي لا يبدو انها ستتوقف عند حد، لا اليوم ولا في الغد. ومع ان «الدولة العظمى الوحيدة في العالم» لا توفر منطقة واحدة في الدنيا من «ابداعاتها» ، بدليل ما يقال في أوروبا - كثير منه في السر وقليله في العلن - عن «امبراطورية روما» القرن الحادي والعشرين ومساعيها للهيمنة على مقدرات وسياسات واقتصادات الدول والشعوب في الدول الأوروبية وفي العالم، فما يبقى هو السر الكبير بل والفارق الجوهري. هذا الفارق، هو ان لدى أوروبا، وحتى لدى غيرها من القوى في العالم، ما تستطيع ان تقف فيه، ولو بالدبلوماسية وحتى من دون التورط في مواجهة مباشرة مع «امبراطورية روما» ، في وجه محاولاتها لفرض شروطها وهيمنتها على أوروبا او على هذه القوى، بينما يكتفي العرب بالقعود بذريعة انهم انما لا يملكون. الأسوأ، أنهم يتبارون في اعلان ان ليس لديهم ما يستطيعون ( .. عمليا، لا يريدون ! ) ان يقولوا فيه حتى كلمة «لا» للدولة التي لا تترك فرصة من دون ان تثبت فيها عداوتها لهم.. بينما يصرون هم على اعتبار انها «الصديق» لهم.. ولأنظمة الحكم عندهم. .. للعملة الواحدة، أية عملة، بالصناعة وبالطبيعة وجهان. فهل يكون هذا الموقف العربي اللامعقول واللامفهوم، هو الوجه الآخر للامعقول او اللامفهوم الأميركي؟ بقلم: محمد مشموشي ـ كاتب لبناني