بغض النظر عن تفاصيل خطة الرئيس بوش للسلام في منطقة الشرق الأوسط، فإن قمته الأخيرة مع شارون كانت قمة الإستهتار الأميركي بالمبادرات العربية للسلام التي سبقت ولحقت القمة العربية في بيروت. فلقد كانت تصريحات الرئيس بوش عقب اجتماعه مع شارون أشبه بدعم أميركي جديد للسياسة العسكرية العدوانية التي مارسها ويمارسها شارون منذ مجيئه للحكم في مطلع العام الماضي. وأظهرت تصريحات الرئيس الأميركي بأنه ما زال ينظر إلى شارون على أنه «رجل سلام» ويعتبر أعماله العدوانية بانها «مبررة وللدفاع عن النفس» دون أية مؤشرات ضغط أميركية على الحكومة الإسرائيلية من أجل وقف عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني وعلى المدن والقرى الخاضعة إسمياً للسلطة الفلسطينية. فما هو تفسير هذا التوافق الأميركي/الإسرائيلي، رغم كل التجاوب العربي والفلسطيني مع المطالب الأميركية؟ اعتقد أن جملة من العوامل الأميركية والإسرائيلية والعربية والفلسطينية أصبحت تشكل مزيجاً لأرضية يقف عليها الموقف الأميركي الآن: فأميركا ـ قبل الإدارة الحالية وعلى مدار ربع قرن تقريباً، أي منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ـ تؤكد على أن أسلوب المفاوضات برعاية ومرجعية أميركية هو الأسلوب الوحيد المقبول أميركياَ، وبالتالي فإن أسلوب المقاومة ضد الاحتلال هو أمرٌ مرفوض أميركياً بغض النظر عن الحاكم في واشنطن. أيضاّ، فإن الإدارة الأميركية الحالية هي مزيج من«دون كيشوتيين» يبحثون عن الحرب في أي مكان لأسباب ايديولوجية عند بعض أعضاء الحزب الجمهوري، أو لمصالح اقتصادية وسياسية ترتبط بالقوى التي دعمت ترشيح جورج بوش الإبن للرئاسة، أو لهيمنة وزارة الدفاع الأميركية على مسألة صنع السياسة الخارجية، وكلها عوامل تجعل من أسلوب شارون العدواني خادماً لإستراتيجية أميركية جديدة قي منطقة الشرق الأوسط. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر في أميركا، لترفع من مستوى هذا التيار في الإدارة الأميركية الحالية ولمشاريعه في الهيمنة العسكرية الاميركية على العالم ككل، ولتجعل هذه السياسة الأميركية مقبولة لدى الرأي العام الأميركي الذي يعيش باستمرار تداعيات الإرهاب الذي حدث على أميركا يوم 11 سبتمبرالماضي التي أعلنت أميركا أنها بأيدٍ عربية وبأسماء سياسية إسلامية، مما يبرر للحكومة الأميركية داخلياً دعمها لحرب شارون على المقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها، خاصةً وأن بعض عمليات المقاومة التي تحدث ضد مدنيين إسرائيليين تذكر الأميركيين بما حدث ضدهم يوم 11 سبتمبر، وبالتشابه أيضاً في الأسماء العربية والإسلامية لمن هم وراء هذه العمليات. هذا على الصعيد الأميركي، أما على الصعيد الإسرائيلي فإن شارون لا يجد مصلحة الآن في أي حل سياسي مع الفلسطينيين ولا هو طبعاً من الموقعين أصلاً على الإتفاقيات التي تمت معهم، ويعتبر شارون (وما يمثله عقائدياً وسياسياً في إسرائيل) أن الظروف الآن مناسبة جداً لإلغاء الإتفاقات مع الفلسطينيين ولفرض أجندة إسرائيلية جديدة على المنطقة يكون الهدف الأساسي فيها اخضاع الفلسطينيين لمشيئة المحتل الإسرائيلي وتحويل السلطة الفلسطينية إلى إدارة مدنية ترعى شئون الخدمات وتشكل امتداداً أمنياً لإسرائيل وسط الفلسطينيين. وإذا كان الظرف الدولي الحالي واضحاً جداً في كيفية خدمة المشروع الشاروني ( خاصة في اميركا وبعد 11 سبتمبر) فإن مقارنة حال الوضع الإسرائيلي مع الوضع العربي والفلسطيني تجعل الرؤية واضحة أكثر لكيفية السياسة الشارونية: هناك الآن «حكومة وحدة وطنية» في إسرائيل تجمع الليكود والعمل وأحزاباً إسرائيلية عديدة اخرى، مقابل تشرذم عربي عموماً، وفلسطيني على وجه الخصوص، حيث يتصارع الموقف الفلسطيني بين تيارين: تيار أسلوب التفاوض فقط مقابل تيار أسلوب المقاومة فقط، ثم أيضاً، بين من يقومون بعمليات فدائية ضد مدنيين إسرائيليين، وبين من يرفضون هذا الأسلوب في المقاومة. أيضاً في مجال المقارنة، نجد إسرائيل الآن تعتمد فقط على منطق «حق القوة» مقابل اعتماد عربي فقط على منطق «قوة الحق» عبر مبادرات سياسية ومظاهرات شعبية واتصالات رسمية، بينما المنطق العملي الذي يؤكده التاريخ يقول: «ان الحق بغير قوة هو حقٌ ضائع»، وأن «الجنوح للسلام» يعني أصلاً أن الحق هو كالطير له جناحان: جناح العمل للسلام وجناح الإستعداد للحرب، فأين المنطقة العربية من هذا الجناح الأخير! وهل يكفي لتحقيق الحق التلويح فقط بأغصان الزيتون التي بعضها يابس الآن؟! أيضاً، في مجال المقارنة بين حال إسرائيل وحال العرب، نجد إسرائيل تحظى بدعم القوة العظمى الوحيدة الآن في العالم ونلمس التأثير الصهيوني الكبير في الكونغرس الأميركي وفي وسائل الإعلام الأميركية بينما العرب هم الآن على المستوى الدولي عموما، والأميركي خصوصاً، مصدر الخوف من أعمال إرهابية دولية. لذلك، استفادت وتستفيد الحكومة الإسرائيلية من الظروف الدولية والعربية والفلسطينية إلى أقصى الحدود الممكنة، وهي تفرض شروطها ومطالبها على العالم ككل، فأين أصبح التحقيق الدولي في مجازر العدوان الإسرائيلي الأخير؟ وأين مصير آلاف من المعتقلين الفلسطينيين، ولماذا لا تتحدث عنهم أيضاً قيادة السلطة الفلسطينية؟ ولماذا سقطت الدعوات الاميركية والدولية والعربية التي طالبت إسرائيل بالخروج من المدن والقرى الخاضعة إسمياً لإدارة السلطة الفلسطينية؟ لِمَ لا يشترط العرب والسلطة الفلسطينية، مثلاً، عدم إجراء أي حوار أو مفاوضات مع إسرائيل قبل انسحابها الكامل من الأراضي الخاضعة لمسئولية السلطة الفلسطينية وإرسال مراقبين دوليين للتأكد من تنفيذ إسرائيل لهذا المطلب الذي هو حد ادنى قبل عودة التفاوض مع إسرائيل؟ لِمَ انقلبت الأمور بعد حرب 73 التي يفترض أنها كانت نصراً للعرب عما كانت عليه بعد حرب 67 التي يفترض أنها كانت هزيمة للعرب؟ فمن شعارات حافظ عليها العرب بعد حرب 67 : لاصلح، لا تفاوض، لا إعتراف بإسرائيل قبل إنسحابها من الأراضي المحتلة عام 1967، إلى التسابق على الإعتراف والتفاوض والصلح مع إسرائيل كما حدث بعد إتفاقيات كامب ديفيد ثم بعد مؤتمر مدريد. أيضاً، بعد حرب 1967، كان العرب يتحركون وفق استراتيجية شاملة وواضحة للتحرير، فيها الجمع بين العمل الدبلوماسي والإستعداد العسكري، بين قبول قرارات دولية وبين حرب إستنزاف مفتوحة على الجبهة المصرية وعمليات متعددة للمقاومة الفلسطينية .. أما في «الزمن الصهيوني» الراهن فإن العجز الرسمي العربي وصل إلى أقصاه حيث لا بدائل عربية لمشاريع ومبادرات السلام، ولا استراتيجية شاملة واحدة حتى في الإطار الفلسطيني نفسه. وإذا كانت المنطقة العربية عاجزة عن التحرك إلى الأمام، فلِمَ إستباق التراجع إلى الوراء؟ ولِمَ لا يقف العجز الرسمي العربي والتنازل الرسمي الفلسطيني عند سقف معين من التراجعات؟ لماذا لا تكون القرارات التي أصدرها مؤخراً مجلس الأمن (وشاركت فيها أيضاً الولايات المتحدة) بمثابة الحد الأقصى للتراجعات؟ لماذا لا تشترط السلطة الفلسطينية عدم المفاوضات مع حكومة شارون ما لم تتحقق هذه القرارات الدولية، بينما نجد أن شارون هو الذي يرفض التفاوض مع السلطة الفلسطينية التي تجاوبت مع كل المطالب السياسية والأمنية المطروحة من واشنطن؟ لِمَ لا تعلن قيادة السلطة الفلسطينية عن حل نفسها بدل الدخول في مسرحية الشروط على تركيبتها؟ ولِمَ لا تعلن السلطة تجميد كل الإتفاقات مع إسرائيل إلى حين عودة سيادة السلطة على المناطق التي أقرتها هذه الإتفاقات وتأمين ضمانات وحمايات دولية لها؟ لِمَ لا تحسم السلطة الفلسطينية أمرها بإعلان أنها أمام خيارين: التحول إلى إدارة مدنية تخدم إسرائيل وأمنها واحتلالها أو الإنتقال الفعلي إلى صيغة جبهة تحرر وطني تجمع وسطها كل التيارات والقوى التي تنسجم مع استراتيجية واحدة تطالب بالحد الأدنى الذي نصت عليه قمة بيروت الأخيرة من حيث الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس الشريف، وبناء دولة فلسطينية مستقلة على هذه الأراضي (وعاصمتها القدس )، ثم تفاوض هذه الدولة على مصير اللاجئين الفلسطينيين دون التخلي عن حقوقهم الأساسية المشروعة التي نصّت عليها القرارات الدولية. وحينما تتحول السلطة الفلسطينية إلى جبهة تحرر وطني، فسيكون من واجبها - كما هو من حقها- تحديد أساليب المقاومة وأمكنتها والجهات التي تقوم بها لكي لا يحدث أي خلل سياسي وأمني في الساحة الفلسطينية ولمنع إسرائيل من استغلال أي عمليات إحباطية فردية قد تسيء إلى معركة التحرر الوطني الفلسطيني.. ألم تفعل ذلك حركة التحرر الوطني في جنوب افريقيا التي كان قائدها نيلسون مانديلا في السجن لربع قرن من الزمن؟ أليس ذلك أيضاً هو ما فعله المهاتما غاندي في الهند ضد الإحتلال البريطاني واضطراره للدخول إلى السجن أكثر من مرة حتى حقق النصر على الإحتلال؟ واقع الحال الآن أن السلطة الفلسطينية تتصرف وكأنها دولة مستقلة بينما هي مؤسسات مستباحة يومياً تحت الإحتلال الإسرائيلي، والأجدر بها ( أي السلطة ) أنْ تتصرف وكأنها جبهة وطنية لمقاومة الإحتلال حتى لا تصل إلى مستوى الإدارة المدنية للإحتلال. عند ذلك، ستعود الحيوية إلى الشارع العربي، وسيجد الإنسان العربي أملاً في جهة ما تسير على طريق سليم يجمع بين وضوح في الرؤية، وبين أسلوب سليم في التعامل والمقاومة والتفاوض. إن واشنطن تضغط على العرب والفلسطينيين لكي يكون التخلي الكامل عن أسلوب المقاومة ضد الإحتلال، هو مدخل العودة إلى عملية السلام في الشرق الأوسط، لكن طبعاً دون أي إعتراف أميركي بمسئولية الإحتلال الإسرائيلي عن التدهور الذي حصل في عملية السلام. إن واشنطن واضحة جداً فيما تطلبه وتريده من الفلسطينيين والعرب لكنها غامضة جداُ فيما تريده من إسرائيل في المقابل. إن واشنطن قوية جداً في إدانتها لأعمال مصدرها عرب وفلسطينيون لكنها لينة جداً في تعليقاتها على الأعمال العدوانية الوحشية الإسرائيلية، ولا يمكن إعتبار التباين النسبي المحدود بين أميركا وإسرائيل حول الموقف من قيادة السلطة الفلسطينية وحول الدعوة لإعلان دولة فلسطينية بأنه شرخ في العلاقات الأميركية/الإسرائيلية، فالمسألة هي في كيفية رؤية الإحتلال الإسرائيلي، وبالتالي رؤية أميركا لكيفية حق مقاومته. أساس المشكلة الآن هو الإحتلال الإسرائيلي وليس صيغة السلطة الفلسطينية.. أساس المشكلة هو عدم حديث واشنطن عن مسئولية الإحتلال الإسرائيلي بينما تتحدث واشنطن كثيراً عن مسئولية مقاومة الإحتلال.. أساس المشكلة الآن، أن السلطة الفلسطينية أعطت لإسرائيل حتى الآن الكثير من التنازلات ولم تأخذ منها بعد حتى الإعتراف النهائي بها فكيف بالإعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وبإنهاء الإحتلال عن الأراضي الفلسطينية؟! أساس المشكلة الآن هو ضعف الوضع الرسمي العربي الذي يكتفي بالمبادرات السياسية دون أية خطط عملية لفرض هذه المبادرات. ولعل من المهم الآن أن يقول المجتمع الدولي أيضاً: واشنطن، واشنطن، تتحدثين عن أمور كثيرة لكن المطلوب واحد: هو الإنهاء الكامل للإحتلال الإسرائيلي. بقلم: صبحي غندور ـ مدير مركز الحوار العربي ـ واشنطن alhewar@alhewar.com