طال انتظار الرئيس الأميركي حتى يعلن عن الرؤية الأميركية لخطته للسلام في الشرق الاوسط، وحتى كتابة هذه السطور لم يعلن البيان المرتقب للرئيس جورج بوش، الا أن المتاح من المعلومات يتلخص في أن الرئيس الأمريكي سوف يركز على مايلي: 1ـ التأكيد على اقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على المنطقتين أ و ب، على أن يكون للدولة مقعد في الامم المتحدة، ويكون معترفا بها عالميا، وتكون هي الطرف المفاوض. 2ـ الاعلان عن عقد مؤتمر دولي يستند إلى القرارات 242، 338، 1397 على أن تحضره جميع الاطراف المعنية بعملية السلام بما في ذلك سوريا ولبنان ودول المبادرة العربية، والأمين العام لجامعة الدولة العربية. 3ـ التزامن بين قيام الدولة الفلسطينية والتقدم على طريق الاصلاحات الأمنية والسياسية والاقتصادية في السلطة الوطنية الفلسطينية. 4ـ تجميد تكثيف المستوطنات، بما في ذلك التكاثر الطبيعي لها. 5ـ الزام اسرائيل بالتعهد بعدم القيام بأي أعمال في اراضي الدولة الفلسطينية تحت زعم الضرورات الأمنية. وإذا ماجاء البيان الأميركي في هذا الاطار فإن الرئيس بوش يكون قد اتجه الى اتخاذ موقف متوازن نسبيا بين الرؤية العربية والرؤية الاسرائيلية، فالرؤية العربية تدور حول ضرورة اقامة الدولة الفلسطينية طبقا لقرار مجلس الأمن 1397 والقرارات السابقة في هذا الشأن على ان يتم ترسيم حدودها النهائية ومجمل قضايا النزاع من خلال برنامج زمني واضح المعالم لا يتجاوز ثلاث سنوات، أما الرؤية الاسرائيلية فتدور حول عدم اعلان قيام دولة فلسطينية من أي نوع، واستمرار ممارسة إسرائيل لأنشطتها العسكرية بدعوى مقاومة الارهاب والدفاع عن النفس. وفيما يتعلق بالسلطة الوطنية، فشارون يرفض التعامل مع الرئيس عرفات، ويرى ضرورة ايجاد سلطة بديلة يمكن من خلالها التوصل الى اتفاقات جديدة تتواءم مع الرؤية الإسرائيلية، ويصعب على عرفات توقيعها، وعلى صعيد المؤتمر الدولي للسلام تتباين الرؤية العربية عن الرؤية الاسرائيلية، فالدول العربية تدعو الى ان يكون محور المؤتمر سلاماً شاملاً مقابل انسحاب شامل، في حين ان اسرائيل ترفض انعقاد مؤتمر للتسوية النهائية بهذا الشكل، وترى ان هذا المؤتمر هو مجرد خطوة على الطريق، الذي لابد وان يستغرق وقتا طويلا لتحقيق هذه التسوية، كما ترفض مشاركة سوريا ولبنان في هذا المؤتمر. وبالطبع فالأرجح أن تكون الرؤية الأميركية بصدد عملية السلام في الشرق الاوسط في نقطة مابين الرؤية العربية والرؤية الاسرائيلية فتقترب في بعض جوانبها من هذه الرؤية، وفي جوانب اخرى تقترب من الرؤية المضادة، الا ان الاشكالية التي تواجه الإدارة الأميركية تتمثل في ان ماتراه متوازنا قد لا يكون كذلك بالنسبة لكل من العرب واسرائيل، فالواضح أن الاتجاه الأميركي العام يتجاهل مسألة الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي التي اعادت اسرائيل احتلالها في غزوها الأخير، كما ان المساحة المفترض ان تعلن على اساسها الدولة الفلسطينية لا تتجاوز 40% من اراضي الضفة الغربية اضافة لقطاع غزة وهو ما كان قد اعلنه شارون من قبل عند توليه رئاسة الحكومة ومعنى ذلك أن هذه المساحة لا يمكن زيادتها في المستقبل، بوصفها تمثل الحد الأقصى للتنازلات الإسرائيلية، كذلك فإن اسرائيل ترى ان منعها من القيام بأعمال عسكرية في الاراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية يمثل قيدا على حركتها في التعامل مع ماتسميه بالارهاب. ومن ثم فالرؤية الأميركية للسلام في المنطقة تواجه ومن البداية العديد من العقبات التي يصعب امكانية تجاوزها في الأمد المنظور، خاصة وان شارون ما زال مستمرا في تنفيذ مخططه الرامي الى القضاء على المقومات الأساسية لقيام الدولة الفلسطينية، سواء من خلال احداث تغيير في الأوضاع الديموغرافية، وتفتيت الاقليم الفلسطيني إلى كانتونات صغيرة تحيط بها المستعمرات من كل جانب، هذا بالاضافة الى قيام السلطات الإسرائيلية بالبدء في تنفيذ مايسمى بالسور الواقي الذي يفصل بين الاراضي التي تحتلها اسرائيل، والاراضي الفلسطينية الأمر الذي يقدم نموذجا للفصل العنصري الذي تمارسه اسرائيل في هذه المنطقة. من ناحية أخرى مازال شارون يمارس ضغوطه من أجل القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات والذي يمثل رمزا مهما للإدارة الوطنية الفلسطينية. على الجانب الآخر، فإن الممارسات القمعية الإسرائيلية ومساندة الولايات المتحدة لإسرائيل في العديد من المناسبات قد ادت الى وجود حالة من عدم الثقة في أية وعود أو مبادرات أميركية الآن وفي المستقبل لدى قطاعات كبيرة ومتزايدة من الرأي العام العربي بل ان النظر الى الولايات المتحدة بوصفها دولة معادية للعرب والمسلمين هو الاطار الشائع والمسيطر على تفكير الإنسان العربي في كل مكان على الأرض العربية، وهذه النظرة، تجعل الرغبة في الثأر قائمة ومتأججة في النفوس، خاصة وأن مايتم نقله من أخبار ومعلومات عن تصرفات الجنود الإسرائيليين في الاراضي المحتلة، قد بدأ يدخل الى مسائل بالغة الحساسية بالنسبة للثقافة والعقلية العربية، فقدان الثقة والرغبة في الثأر والانتقام أمور تعيق أي تحرك بصدد ماتسميه الولايات المتحدة تسوية سلمية في الشرق الأوسط، خاصة وان الأفكار الأميركية أيا كان مضمونها المعلن أو الشكل الذي تتخذه تحمل في طياتها العديد من المخاطر بالنسبة للجانب العربي وأهم هذه المخاطر تتمثل فيما يلي: 1ـ الربط بين الإصلاح السياسي والأمني للسلطة الوطنية الفلسطينية واعلان قيام الدولة الفلسطينية مسالة مثيرة للشك، فما هي المعايير التي يمكن الاستناد اليها للقول بأن الاصلاح المطلوب قد تم؟ وكيف يمكن الوثوق في الولايات المتحدة ذات الانحياز السافر لإسرائيل للقيام بدور الحكم في هذا الشأن؟ 2- من الواضح أن الرؤية الأميركية تشتمل على مجموعة من الالتزامات التي يتعين على الدول العربية الوفاء بها للحفاظ على أمن اسرائيل ومن ثم هذا هو مصدر الخطر. يكون على الدول العربية وفقا للرؤية الأميركية دور في تحقيق الامن الاسرائيلي! 3ـ عدم قدرة الإدارة الأميركية على الزام اسرائيل بتنفيذ الاستحقاقات التي يجب أن تفي بها لوضع خطة السلام الأميركية موضع التنفيذ في حين ان آليات الضغط الأميركي على الجانب العربي أكثر تأثيرا وقوة، وهو مايحمل في طياته عدم وفاء اسرائيل بماسيتم الاتفاق عليه في المستقبل، واستخدام كافة أساليب التلاعب للتهرب من تنفيذ هذه الاتفاقات. 4ـ السيولة والغموض هما السمة الرئيسية لكل الافكار الأميركية الصادرة في هذا الشأن، وهو مايعني استمرار الاوضاع القائمة على ماهي عليه، واستمرار الاعمال التعسفية الاسرائيلية والارهاب الاسرائيلي تجاه ابناء الشعب الفلسطيني. 5ـ إن الاتجاه الذي ترعاه واشنطن بشأن المؤتمر الدولي للسلام انما يقوم في الاساس على توازن القوى القائم الآن في المنطقة وهو توازن لصالح اسرائيل وعلى حساب العرب، الأمر الذي يفسر حقيقة السياسة الاسرائيلية الاستفزازية تجاه الدول العربية، وهو مايعني ان هذا المؤتمر سوف يتحول الى مؤتمر للاستسلام وليس للسلام. وخلاصة مانصل اليه من خلال هذا التحليل المتقدم أن الرؤية الأميركية للسلام أيا كان مضمونها تفتقد آليات واضحة ومحددة لتنفيذها ولا يمكن الارتكان الى الضمانات الأميركية مرة أخرى حيث أثبتت التجربة العملية ان الولايات المتحدة لا تضمن الا المصالح الإسرائيلية، كما أن هذه الرؤية تفرض التزامات مجحفة على الجانب العربي وتشتمل على تنازلات لا يمكن قبولها لانها لا تفي بالحد الأدنى للمطالب العربية، كما انها تتضمن تخلي العرب عن حق مشروع، وهو الحق في مقاومة المحتل أو دولة الاحتلال وبالتالي فعلى الدول العربية خلال هذه المرحلة الا تتقيد بأي التزامات جديدة تجاه إسرائيل، كما ان عليها ان تراجع مواقفها بصدد مبادرات السلام العربية المطروحة، لأن السلام ان كان هو الخيار الاستراتيجي العربي الرسمي، فإن الاستسلام ليس كذلك، وعلى المثقفين والمفكرين ورجال السياسة العرب، تدارس الموقف بكافة ابعاده وذلك من أجل رفع استراتيجية عربية جديدة لاعادة بناء عناصر القوة العربية، لانه بغير هذا البناء لا يمكن ان نتصور أن اسرائيل والولايات المتحدة ستستجيبان للمطالب والدعوة العربية للسلام العادل والشامل في المنطقة. ان هذا يستلزم التمسك بخيار المقاومة وتدعيم قوى المقاومة بكافة السبل والوسائل، بدءا من توحيد قوى المقاومة ووضع اطار استراتيجي لتحركها بحيث تخدم انشطتها الهدف العربي متمثلا في حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. ان عناصر القوة العربية عديدة وهناك أوراق كثيرة بيد العرب بخلاف مايتصور الكثيرون، ولكن الأمر يحتاج الى قدر من الإرادة والمثابرة والعزيمة التي لا تلين أو الرؤية الواضحة الأهداف، والمسارات الموصلة الى هذه الاهداف، ويقينا فإن هذه المسارات بأيدينا وليست بيد واشنطن أو جورج بوش! بقلم: د.محمد سعد أبوعامود ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان