كثر الحديث في الفترة الماضية بين رجال السياسة والاجتماع حول أبعاد ودوافع سلوكيات رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون بعد المذابح والمجازر البشعة التي ارتكبها في الاراضي الفلسطينية ، وخاصة في جنين ونابلس ورام الله استكمالا لسجله الارهابي العتيد، اضافة الى مواقفه السياسية المتصلبة والرافضة للتعامل مع القيادة الفلسطينية بزعامة الرئيس ياسر عرفات واصفا اياه بالارهابي من اجل الوصول الى حل مناسب لانهاء الصراع العربي الاسرائيلي!!. وفي الوقت نفسه تشن وسائل الاعلام العربية هجوما متواصلا على شارون واصفة شخصيته بالنازية والعدوانية بسبب ما يقوم به من ممارسات لا تفسير لها سوى تلك الصفات الصهيونية، الا ان تلك الوسائل الاعلامية لم تتعرض للأسباب التي دفعت هذا الارهابي لانتهاج تلك السلوكيات، مما حدا بالدكتور غسان عبدالله مدير مركز الدراسات التطبيقية التربوية في رام الله والمحاضر في جامعة القدس المفتوحة، لسد هذا الفراغ ومحاولة تفسير الظاهرة الارهابية لدى شارون وذلك ليس لمجرد الهجوم والتنكيل بل استنادا الى سيرة شارون الذاتية التي دونها بنفسه.. فكانت هذه الدراسة وهي الاولى من نوعها حتى الان لتضيف تفسيرا لنهج هذا الرجل الذي غير الموازين السياسية في منطقة الشرق الاوسط منذ توليه سدة الحكم في تل أبيب. بداية، يبدي الدكتور عبدالله تساؤلات كثيرة وعديدة ان لم يكن بعضها غريبا، قائلا بانها تحاول البحث عن اجابة حول هذه الشخصية الغريبة الاطوار وعدوانية السلوك، من هو هذا الشخص؟ ما هي الدوافع النفسية والسيوسيولوجية وراء سلوكه؟ ما الذي يرمي الى تحقيقه؟ وما هو مفهوم الانسان لديه؟ ويقول الباحث انه وللوقوف عند هذه الشخصية، في محاولة لاستنتاج الاجابات والتوضيحات على تلك الاسئلة السابقة لابد وان تكون خير وسيلة هي توظيف علم النفس الشخصي والاعتماد على مذكرات شارون الذاتية التي كانت قد نشرتها باللغة العربية مكتبة بيسان في بيروت بعد ترجمتها من اللغة الفرنسية الى اللغة العربية. ويبدأ الدكتور عبدالله بالقول بان علم النفس بشكل عام وعلم نفس الشخصية بشكل خاص ذهبا الى حد بعيد في تحديد دور التنشئة العائلية والبيئة المحيطة في بلورة شخصية الفرد وتحديد سلوكه. هذا السلوك الذي هو ليس الا وظيفة لعمليات واحداث نفسية داخلية لا يعيها الانسان وتشمل هذه العمليات الصراع بين الدوافع المتناقضة والقلق ازاء الدوافع غير المقبولة اجتماعيا والدفاع عن الذات في وجهها. بعبارة اخرى فان السلوك الانساني ظاهرة حتمية محددة عمليات خارجة عن نطاق سيطرة الفرد، وهو ايضا ظاهرة ذاتية تعني الاهتمام بالحياة الداخلية الذاتية التي تسمى باللا منطقية ومقاومة التأثيرات الخارجية. ببساطة فان السلوك البشري هو بمثابة عرض لم يحدث داخل الانسان من عمليات نفسية داخلية وصراعات بين عناصر الشخصية ذاتها. وكانت هذه الخلفية السيكولوجية محاولة من الباحث للمساعدة في الاجابة وفهم سلوكيات الشخص ودوافعه واهدافه. ويحاول الباحث قبل الخوض في الموضوع تسجيل اعتراف شخصي يتمثل في انه ولاول مرة منذ تجربته البحثية قد خشي الكتابة والبحث في هذا الموضوع، لاسباب عديدة اولها الخشية، هي انه بدأ الكتابة والبحث في هذا الموضوع بينما الآليات العسكرية تحاصر منزله ليلا ونهارا وما يواكب ذلك من قلق شخصي، اما العامل الثاني فهو كان يبحث في ظل اجواء ساخنة من الغطرسة والعدوانية الشرسة لشخصية شارون. ذكر الباحث في بداية المقدمة النظرية ان للعائلة ونمط التنشئة الاجتماعية والبيئة المحيطة تلعب دورا مهماً في صقل شخصية وسلوك الفرد، لذا لابد من البدء متناولا الخلفية العائلية لهذه الشخصية الغريبة. ملامح شخصية غريبة وبالاعتماد على مذكرات شارون «بيروت 1992»، فقد ولد في القرية الزراعية المعروفة باسم «كفر ملاك عام 1928» لأبوين يتسمان بالفظاظة والفردية والقسوة، اذ شكل كل منهما سلوكاً مختلف عن الآخر ووصل بهم الحد الى العيش معزولين عن بقية السكان في المنطقة. هاجر جده موردخاي شانيرمان الى فلسطين عام 1910 من روسيا ودرس والده صموئيل في كلية الزراعة بجامعة تيغليس، وهناك تعرف على والدته فيرا، التي تنحدر جذورها من عائلة يهودية وحيدة معزولة في قرية صغيرة على نهر الدينير، وكانت فيرا تدرس الطب. لم يتورع شارون في الكشف عن شخصية والده فهو فردي، فظ، عشق فيرا لأنها من نوع المرأة التي تفعل ما يتوجب عليها من دون ان تطرح اسئلة كثيرة او تشكو. عاش شارون في طفولته داخل منزل صغير، ويصف لنا كيف كان، ومنذ بداية طفولته يهوى التعذيب والحاق الأذى بالآخرين فحين كانت الفئران تخرج من جحرها لتتسلق دعائم غرفته كان يخرج القط ليلاحقها. ويصف والديه بدوام الوجوم فلم يكونا ليتحدثان الا نادرا. كان والده المهندس الزراعي رافضا لقبول اي تسوية او حل وسط، اناني جدا، اذ هو الشخص الوحيد في القرية الزراعية الذي كان يدافع عن ملكيته الخاصة بوضع سياج وقفل. كان رجلا صداميا عانى من عار محاربة جابوتنسكي مما سبب له العزلة والكراهية من قبل سكان القرية الزراعية كفر ملاك. لم تكمل والدته دراسة الطب، بل اكتفت بدورها كربة بيت مع دوام تدريبها على استخدام البندقية الالمانية القديمة والمخبأة في صندوق خشبي كانت وحيدة في حياتها. ويعترف شارون بانه كان يفضل الاهتمام بالبقاء على ارض المعركة «سيناء انذاك» وزيارة زوجته دون زيارة والده المريض الذي يقول عنه انه لم يكن يعرفه على حقيقته. تزوج شارون من امرأة تدعى غالي وهي ممرضة، وبعد اصابتها بحادث طريق تزوج من اختها ليلى وقد انجبت له ثلاثة ابناء قتل الابن غور وهو يلعب ببندقية قديمة وفقدت ليلى جنينها في الشهر الخامس. يرى المتتبع لسيناريو بداية حياة شارون ان العائلة قد عاشت في حالة من التفكك واللامودة، والا فبماذا تفسر غياب ذكر اخته ريتا من سيرة حياته كلها؟ هل يا ترى ماتت في طفولتها، ام ارتكبت خطيئة لا تسمح له بذكرها ام هل هي استمرار لنهج حياته في اخفاء دور الاخرين لابراز بطولاته وانجازاته!! عائلة تعيش مثل هذه العزلة جراء صداميتها وانانيتها وجشعها، ماذا ستكون اذن حصيلة تربيتها ونتاجها سوى مثل هذه الشخصية!! اما الجانب الثاني من شخصية ارييل شارون فهو ثقافته وتعليمه حيث يعترف شارون في مذكراته من انه لم يكن يوما تلميذا فوق المتوسط وغالبا ما يتحيز والده الى شقيقته في الرغبة لاكمال تعليمها ودوام نعته بالولد الكسول. ويقول انه مرارا كان يهرب من المدرسة ليتسكع ويركض الى الشواطيء ليشاهد البولونيات الشقراوات وفاهه فاغرا. فشل شارون حتى في نيل درجة او رتبة عريف او رئيس دورية اثناء تدريبه في معسكر روحاما، وتم الاكتفاء بمنحه درجة عريف تحت الاختبار. اثناء سفره الى الولايات المتحدة في اجازة نقاهة بعد اصابته بمرض الملاريا لم يفلح شارون في نيل رخصة قيادة سيارة بفضل كفاءته ولولا تدخل عمته سانا التي شرحت للفاحص ظروفه لما حصل على الرخصة. تردد شارون في دراسة الزراعة او الحقوق ويصف ذاته «لافتقادي الحكمة التي تتحكم باللياقة التي اثرت في تلك الحقبة غيرة وعداوات دام بعضها عشرات السنين». ويصف حالة الغباء التي مر بها حين زارت ملكة بريطانيا اليزابيث القاعدة العسكرية البريطانية، وكيف خرج عن التقاليد والاعراف وتجاوز المألوف لدرجة الوقاحة. رغم محدودية قدراته وطاقاته كما يعترف الا انه اكمل دراسة الحقوق ونال الشهادة سنة 1966 من جامعة اورشليم العبرية في تل أبيب. بعد تناول الخلفية العائلية والاجتماعية والثقافية والتعليمية لهذه الشخصية غريبة الاطوار يمكننا الان تسجيل واستخلاص بعض السمات الشخصية الملازمة لسلوكياته. واولى هذه السمات: حب التباهي والكذب، فمثلا وصفه لقوة جده لامه الهرقلية، وكيف يتضارب مع الجنود البولونيين وهو ابن الرابعة عشرة بعد اهانة مضادة للسامية حقيقية او خيالية، وكيف عندما ذهب الى قرية بربر العبرية في قطاع غزة ورغم خطورة المكان الا انه شعر بالقوة ورباطة الجأش ليس بفضل بلوته ولكن بفضل شعوره بانه يهودي. يصف شارون ثقة رجاله به بالثقة العمياء لقدراته على قيادتهم في المعارك مرددا لهم وما كلماته: «لقد اخرجتكم من اوضاع اشد صعوبة من هذا الوضع وسأخرجكم هذه المرة». كذب وخداع لا يتورع شارون من استخدام الكذب والحيلة لانجاز اهدافه، فيصف لنا كيف اقنع الضابط الاردني في موقعة الجسر بالقرب من بيسان، حيث قال له بانهما يبحثان عن بقرة سرقت من كيبوتز معوز حاييم، حتى اوقع بالضابط وجنوده. ويواصل هذا النمط من السلوك الذي يقول انه اكتشفه لدى قائده موشي ديان الذي قرر يوما قيادة وحدة مميزة ويستطرد شارون بوصف تبجحه في معركة قلقيلية حين رفض الاوامر الصادرة له من القيادة العليا طالبا منهم عدم التدخل لانه ليس لديهم المعرفة العميقة بالاهداف وارض المعركة مثل تلك التي لديه، وتكرر الموقف ذاته في معركة سيناء حين اعتذرت القيادة عن تأمين مساندة الطيران له، فكان رده سنتدبر الامر من دونكم. على الصعيد السياسي يتبجح شارون مدعيا بانه صانع حزب الليكود بعد ان تمكن من اقامة جبهة اسرائيلية موحدة «403». ثاني المسميات الملازمة لشخصية شارون جشعه الشديد وعدوانيته المفرطة ومواقفه الارتجالية العديدة، وعن الأخيرة يقول شارون ان جميع من كتب عن حروب اسرائيل قد صوره بأحد دعاة الارتجالية لدرجة انه لقب بملك الارتجال. وتتسم شخصيته ايضا بالحقد، وعندما تم دفن والده، ابدى شارون سخطه من اختيار قطعة الارض التي دفن فيها والده لقربها من قطعة ارض يملكها يهودي اخر وصفه شارون بالخصم الكبير لوالده طوال سنوات عديدة. كانت اول عمليات العداء ضد العرب التي قام بها شارون سرقة سيارة الناش الحمراء لاحد ابناء عائلة ابو كشك البدوية. كعادته يجد شارون دوما كبش الفداء لعدوانيته، فلقد ذكر انه كلما كان يشتكي منه احد عند موشي ديان لشدة عدوانيته كان يجيب ديان: «افضل جيادا جامحة على ثيران بطيئة». تتجلى ميوله الدفينة نحو العنف والارهاب حين ابتاع هدايا من الخناجر واقواس سهم والات فتك اخرى وذلك لدى عودته من زيارته الى اوغندا وكينيا عام 1964 بدلا من الاستمتاع بمناظر البلاد وجمالها، الات القتل هذه لم تتردد في قتل ولده غور وهو يلهو ببندقية قديمة تسلمها شارون هدية من احد معارفه وتزداد الدهشة من ذوق هذه الشخصية عند معرفتنا بالمعايير التي وظفها واستخدمها ليختار مزرعته، فلم يختارها لخصبها وجمالها بل لوحشتها ورهبتها. ويضيف الباحث الدكتور عبدالله أنه قد سيطر اسلوب الصراخ على تعامله مع زملائه في كل موقع لدرجة اقدامه على صفع وجه زميل له يدعى بارليف حين ابدى الاخير معارضته له. وعن جشعه الشديد، يتباهى شارون بانه لجأ الى استخدام الهرمونات لتطوير تقنيات تفسح المجال امام خرافه في مزرعته لانجاب ثلاث ولادات كل سنتين بدلا من ولادة واحدة سنويا، والجميع يعي تماما ان الهرمونات لها اضرار خطيرة على صحة الانسان لكن يبقى همه الاوحد زيادة انتاجه ولو على حساب بني البشر. بدأ شارون بتذويب الصراع وهو في سن الخامسة، حين اخذته والدته الى القدس عند طبيب العيون هناك، ويقول شارون انه: «خلال الرحلة كلها جلست القرفصاء فوق مقعدي، رأينا بعمق الى المرتفعات اليهودية في محاولة لاكتشاف علامات محتملة لوجود ابو جلدة، الارهابي العربي الشهير المتخصص في نصب الكماش على طريق اورشليم». كان شارون في مرحلته الدراسية الاولى يحاول لفت نظر الاخرين والهروب من مشاكله عبر مغازلة البنات الواقفات على شبابيك البناية المجاورة لمدرسته، وكانت هذه البناية فندقا خاص ببنات الهوى، حادثة اخرى تصفه كشاب لعوب «حيث تم نقله الى المستشفى بعد اصابته في احدى المعارك، انغمس في تقبيل شفاة الممرضة الجميلة. في الوقت نفسه كان ينظر نظرة حسد وغيرة الى افعال منظمة الارغون وشتيرن ضد الانجليز. يعترف شارون مرارا بانه بعد كل معركة خاضها يجد نفسه فريسة عواطف طاغية من الاحباط والخيبة وبانه فوت فرصا عديدة، وكيف كان عرضة للاستهزاء والازدراء ساردا قصة حفل تكريم له لدى انهائه خدماته في احدى الوحدات فما ان دخل ساحة الثكنة العسكرية حتى قابله المظليون بالسخرية والصفير، انه ضحية مخيلته الجامحة، وهو يعي تماما كره الاخرين له حتى موشي ديان الذي قال مرة: «يتملكني الفضول لمعرفة رد فعل ارييل عندما سيعلم انه معزول من قيادته»، ولعل احد اسباب الكره هذه تعود الى عناده فهو الذي يصف نفسه «عنيد مثل بغل ورأس يابس»، شارون يعشق مبدأ قتل الاخرين والتلذذ به، نستنتج ذلك من خلال وصفه لطيور النعام الوردية التي تقتات من الرخويات في بحيرة ناكورة «لدى زيارته الى اوغندا وكينيا»، فهذه الطيور الانيقة بسيقانها واعناقها الطويلة تعطي انطباعات بانها غيمة وردية تتحرك بلا انقطاع، هو يريد ضمنيا تشبيه ذاته بها فهي تقتل، وهو يقتل ليشكل غيمة. استغلال المواقف لا يمانع شارون من توظيف منصبه العسكري ومناصب الاخرين لتأمين احتياجاته فيذكر لنا كيف استغل علاقته مع ميشولام الرأسمالي اليهودي الكبير لاستدانة قرض بقيمة 200 ألف دولار بدون فوائد لشراء مزرعته رغم انه يذكر لاحقا ان ثمن المزرعة الكلي كان 500 الف دولار ولم يكشف كيف استطاع تأمين المبالغ المتبقية. رغم مخيلته الجامحة ومحاولاته المتواصلة للنظر الى ذاته كصانع العجائب الا انه يدرك سخر الجمهور الاسرائيلي منه، هو يعتقد ان كل ما ينجزه هو بفضل عبقريته ورؤيته، وكل ما فشل في تحقيقه هو بفعل مؤامرة ضد الولد السياسي شارون كما كان يصفه الساسة الاسرائيليون، وتتعزز لديه هذه القناعة حين يصف المغامرات ضده بأفعال الجمهوريين الاسبان الذين بشقاقهم وخناجرهم الموجهة من الواحد الى ظهر الاخر قدموا الجمهورية الى فرانكو، ويذهب الى ابعد من ذلك حين يصف نظرات زملائه في الحكومة وهو يتكلم بنظرات الحسد والغضب منه، ولا يتورع من اظهار النظرة الفوقية وتأكيدها أنها تقود صاحبها حتما الى التميز العرقي المرفوض على كل المستويات ومن قبل كل الاديان والفلسفات ولوائح حقوق الانسان. ويدون الباحث قناعاته وما توصل اليه من مباديء، بعد معرفة خلفيات شارون العائلية وسماته الشخصية ومشاكله الذاتية والتي ينطلق منها شارون لتحقيق اهدافه ورؤاه الشخصية. ويقول: نشأ شارون في بيئة عائلية تؤمن بان للعرب الحق في الاراضي الفلسطينية وان اليهود وحدهم لهم كل الحقوق على فلسطين، لكن هو يريد ان تكون علاقة العرب باليهود مثل علاقة ابو رشيد، خادمه الشخصي، اي ان يكون العرب اتباعاً خدماً وهو بهذا يطرح مفهوم ان كل الشعوب غير اليهودية قد خلقت لخدمة الشعب اليهودي. عملت عائلة شارون، ومنذ صغره على تربيته لاعتناق مبدأ العنف فقد كانت العائلة بشكل خاص والقرية بشكل عام، تطلب منه ومن كل الصغار وضع مبدأ عمل التوراة والاخرى على مسدس ثم القسم بين الولاء كخطوة اولى نحو التدريب العسكري السري منه والمعلن، انطلاقا من قناعة بان اليهود يخوضون صراعا لا شفقة فيه ويقرر مصير وجودهم على هذه الارض. في منتصف يوليو عام 1953 اخذ شارون يبلور سياسة الاغتيالات الارهابية وان افضل رد هو الهجوم الفوري، ايمانا منه بان الوسيلة الوحيدة لمكافحة القتلة هي شدهم من مخابئهم وتصفيتهم، وان الطرق الدبلوماسية غير مجدية ولابد من اتباع طرق قليلة لتحقيق الهدف، ولو وصلت الى درجة الوقاحة، اذ ان «ما سيقال في العالم قلما يهم، فالمهم هوكيف ستفهم في هذه المنطقة من العالم، منطقتنا اعتقد اننا بفضلها سنتمكن من الاستمرار في العيش هنا». ليس للاوراق والوثائق اهمية في نظره. يبرز شارون لنفسه هذا المبدأ من خلال التوراة «حاربوا بالحيلة» وفي كل مرة يجب ان تكون الحيلة او الخدعة مختلفة مناورة تفاجيء العدو وايجاد نفسية انهزامية عند العرب بضربهم بلا هوادة يصل بهم الامر الى التخلي عن ارادتهم في قهر اليهود والاقتناع بان الحرب لا تجلب لهم سوى الدمار والخراب والمذلة. المستوطنات تضمن اسرائيل لتحقيق ذلك اعتمد شارون مبدأ ارساء نقاط ارتكاز يهودية متينة في المناطق المحتلة عام 1976، لاسيما المناطق الجبلية المشرفة على الساحل بهدف ضمان تأمين سلامة المنطقة الساحلية والدفاع عن منطقة غور الاردن وتأمين حماية القدس كما يخيل الى شارون، وهو الذي يرى ان بقاء اسرائيل يجب ألا يرتهن بالثقة بحسن ارادة الغير، بل يتوجب ارساء هذه الثقة على «وقائع» انشاء البلاد والدفاع عنها اذا جاءت سياسته المكتظة ببناء المستوطنات وتسليحها وشق الطرق. عارض شارون سياسة اسرائيل في تأمين الحماية للاردن خلال احداث سبتمبر 1970، وكان يفضل ان يقوم السوريون بهزيمة الجيش الاردني وحينها تصبح الاردن الدولة الفلسطينية، ولاستكمال رؤيته المرفوضة واللامنطقية، يرى شارون ضرورة التخلص من مخيمات اللاجئين مهما كانت الوسيلة «تدمير، قتل، ابعاد... الخ». لا يؤمن شارون بضرورة تطبيق الديمقراطية فهو يرى ان فهم الديمقراطية شيء وقبولها شيء واحترام القوانين على الصعيد السياسي شيء آخر. لم يتجاهل شارون في سياسته قضية القدس، اذ دعا الى ضرورة بناء سلسلة من المستوطنات تحيط بها بدءا من مستوطنة غوش عتصيون في الجنوب حتى مستوطنة معالية ادوميم في الشرق وجفعات زئيف في الشمال، حتى تستوعب مليون يهودي. كل ذلك لضمان بقائها عاصمة للشعب اليهودي. كذلك الحال بالنسبة لمنطقة «يهودا والسامرا»، الضفة الغربية برمتها، اذ يرى بانها مهد الشعب اليهودي وجوهر امتهن لذا لليهود حق في ان يقيموا في هاتين المنطقتين وهما غير قابلتان للتفريط ابدا. ان مشروع الحكم الذاتي المقترح على الفلسطينيين لا يتضمن اطلاقا منحهم السيادة على الارض اذ ان ضمان ديمومة اسرائيل لا يسمح باقامة دولة فلسطين في الضفة الغربية. اما بخصوص السكان العرب في اسرائيل، فشارون لا يخشى الافصاح عن رؤيته حين يقول بان اليهود لن يحصلوا على دولة مستقلة الا اذا كانت يهودية، وان ليس من حق العرب في اسرائيل ان يقرروا ما ستكون عليه الحكومة الاسرائيلية بامكانهم بيع املاكهم والرحيل. واستخلص الباحث بالقول بان نظرة سريعة تكشف بان شارون فعلا شخص اغمض عينيه عن الحقيقة وبات ليس فقط لا يثق ولا يأتمن كل من يخالفه الرأي بل وايضا يعمل على سحقه من طريقه. ان شخصاً مريضاً كهذا، لا يمكن التنبؤ له سوى بمزيد من العزلة واضطراب النفس، الامر الذي قد يدفعه الى ارتكاب المزيد من الاعمال الوحشية ان لم يجد من يوقفه عند حده، والا ماذا نفسر سادية القتل التي يمارسها شارون ضد الاطفال والنساء والشيوخ والشباب الفلسطيني. ان شارون الحالم بالبقاء على رأس الشجرة، وما يحيطه من طموحات خيالية لمجموعة من الجنرالات العسكرية لم يفهم بعد الى حقيقة ان مظاهر القوة الغاشمة واوجه الانتصارات الباهتة وفقدان الاتزان المطلوب، لم ولن يثمر فقط المصالح الفلسطينية بل وايضا المصالح الاسرائيلية التي يدعي شارون بالدفاع عنها. ويؤكد الدكتور عبدالله بان شارون مصاب بمرض ان لم تكن جملة من الامراض النفسية التي تتطلب البدء الفوري بايجاد الحلول والعلاج، ولتكن الخطوة الاولى انزاله عنوة عن ظهر الشجرة.