عند المنطلقات السياسية التي تشهد بعض التحولات على صعيد علاقات السودان مع اثيوبيا واريتريا تصعد فجأة للذهن السياسي هنا وهناك قضية أمن البحر الاحمر بكاملها وتلقى بظلالها على التباعد والتقارب. وقد أشار كثير من المراقبين في الآونة الاخيرة بان التصعيد الاريتري السياسي و«غير السياسي» تجاه السودان يكمن مرده الأساسي الى التقارب السوداني الاثيوبي الذي لا تستطيع اريتريا الا ان ترى فيه استخداما لموانيء السودان يجهض اي جدوى لموانيها وسواحلها كما انها تربط ذلك بمصر واثيوبيا وجيبوتي وجزر حنيش والصومال هذا عدا الاستراتيجيات الدولية ورؤيتها لهذا البحر الذي يطل على اليابسة العربية وينتهي في احد طرفيه بالطريق الى الهند واسيا وبحر العرب وينتهي في الطرف الاخر الى شرق المتوسط واوروبا. وتوضح دراسة اعدها د. ابراهيم الميرغني رئيس شعبة العلوم السياسية بجامعة النيلين «القاهرة فرع الخرطوم سابقاً» لارتباطه العضوي والقوى الذي اقامته جغرافية البحر الاحمر بين منطقة القرن الافريقي عند جنوبه ومنطقة الخليج في شرقه ومنطقة البحر الابيض المتوسط في شماله وهذا من اسباب ان اصبح البحر الاحمر في قلب الصراع العربي الاسرائيلي ونزاعات القرن الافريقي وادى الى ارتباط هذه الصراعات بالسياسة الدولية كما ان النزاع حول البحر الاحمر ناشئ كذلك من اهميته كطريق للملاحة البحرية التي تربط خطوط التجارة بين الشرق والغرب ونتج عن ذلك وضع باب المندب وقناة السويس على رأس قائمة الاهتمام الاقليمي والدولي، ومن ثم تأتي اهمية الجزر مثل حنيش الكبرى، حنيش الصغرى، وهلك، فراسان الكبرى وقمران، ثم خليج العقبة وخليج السويس وخليج عدن واخيرا الموانيء مثل عدن، بورتسودان، جده، ايلات ورأس بيناس هذا بالاضافة للاهمية الاستراتيجية للبحر الاحمر بالنسبة لاساطيل الدول الكبرى وأمن الدول الاقليمية علاوة على الأهمية الاقتصادية الناجمة عن الثروات الطبيعية وعائدات الملاحة الدولية. تبلغ طول سواحل السودان على البحر الاحمر «717» كيلومتراً في حين تبلغ طول السواحل الاريترية عليه «1012» كيلومتراً «حيث استأثرت اريتريا باطلالتها على البحر بعد انفصالها عن اثيوبيا». وفي مقابل ذلك تمتد سواحل المملكة العربية السعودية بما مقداره «1890» كيلومتراً وجمهورية مصر العربية «1425» كيلومتراً والجمهورية العربية اليمنية «425» كيلومترا وجمهورية جيبوتي «245» كيلومترا والمملكة الاردنية «28» كيلومتراً ويبلغ طول سواحل اسرائيل عليه «7» كيلومترات. وهذا يشير الى ان حوض البحر الاحمر تحده ثماني دول ست منها عربية «بما فيها السودان» اضافة الى اريتريا واسرائيل. ويرى د. ابراهيم ميرغني انه مع اضافة خليج عدن للبحر الاحمر كامتداد طبيعي وتماثل جيولوجي يرتفع عدد الدول المطلة على سواحله الى تسع دول بإضافة جمهورية الصومال مع اضافة السواحل التي كانت تشغلها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل توحيد اليمن. التداخل الدولي ويشير د. ابراهيم ميرغني ان الاهتمام الكبير الذي توليه اسرائيل لمنطقة البحر الاحمر في نزاعها مع الدول العربية والتعاون الوثيق بينها وبين الولايات المتحدة الاميركية النابع من اهمية هذه المنطقة، فالولايات المتحدة مهمتها بصورة كبيرة حرية الملاحة الدولية في هذا البحر لأهميته في نقل النفط من الجزيرة العربية والخليج لها ولحلفائها الاوروبيين واليابان كما ان الدولتين معا تتفقان على الحيلولة دون ان تصبح مناداة الدول العربية باعتبار البحر الاحمر بحيرة عربية موضع التنفيذ. وقد اثارت التحركات الاسرائيلية في ذلك الوقت حفيظة الدول العربية المطلة على البحر الاحمر وعلى رأسها السعودية والسودان ومصر والصومال ودعت الى مؤتمر عقد في مدينة تعز باليمن لمناقشة الترتيبات الامنية الناشئة عن التهديد الذي شكله الوجود السوفييتي وحلفاؤه الاقليميون ـ حينها ـ الذين مثلهم حلف عدن الثلاثي اليمن الجنوبية، اثيوبيا وليبيا فيما بعد. وقد جاءت الولايات المتحدة الاميركية مرة أخرى وبعد تصدع الاتحاد السوفييتي وزوال خطر الشيوعية لتهتم بالبحر الاحمر من خلال اهتمامها بأمن اسرائيل والصراع مع العراق وتأمين امدادات البترول. وبعد انتهاء حرب اريتريا مع اثيوبيا بإعلان الاستقلال تاركة اثيوبيا بدون منفذ على البحر بل انها ـ كما يورد د. عثمان قامت بشراء الاسطول الاثيوبي دلالة على عزوف اثيوبيا عن اي علاقة تربطها بمياه البحر بعد ان ظل الامبراطور هيلاسلاسي متمسكاً به باستماتة تسانده في ذلك اميركا. وجاءت ذات الامبريالية الاميركية لتمنح الاذن لثوار الجبهة الشعبية بزعامة اسياسي افورقي الذين كانوا بالامس يتخذون خطاً يسارياً جعل الولايات المتحدة تضع الثورة الاريترية في خانة النضال العربي ضد الدولة اليهودية في اسرائيل الا ان رياح التغيير بعد سقوط الاتحاد السوفييتي اقنعت الاميركان بان ثوار الامس بدون الكرملين يمكن ان يكونوا قد تعلموا من دروس النضال التحريري ان المصالح القومية تعلو فوق الايديولوجيا وقد انطلق الثوار من الاراضي السودانية ولذلك فإنهم احتفظوا منذ البداية بعلاقات طيبة مع نظام الانقاذ الوطني في الخرطوم. خطوط الأمن السوداني الا ان الامور قد بدأت في التغير حين بدأت كل من اثيوبيا واريتريا في اتهام السودان بتصدير الثورة الاسلامية وبدأت الدولتان تفتحان حدودهما للمعارضة السودانية بشقيها الجنوبي والشمالي واصبحت «أسمرة» مركزاً للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض الذي يضم تحت مظلته الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة العقيد جون قرنق. ويجدر الاشارة وفق ابراهيم ميرغني الى ان دولة اريتريا تضم بين دفتيها سحنات افريقية ذات شبه كبير بالشعب السوداني في شماله ويدين نصف سكانها تقريباً بالاسلام والنصف الاخر بالمسيحية. وبالرغم من اثارة الجبهة الشعبية التي اصبحت الحزب الحاكم فيما بعد تضم في عضويتها المسلمين والمسيحيين الا ان المسلمين الاريتريين يرون فيها سعيا الى انشاء دولة علمانية يسيطر عليها المسيحيون، فأسياسي افورقي نفسه مسيحي من سكان المناطق المرتفعة التي يكون سكانها غالبية مسيحيي اريتريا، ولهذا انشأوا تنظيم الجهاد الاريتري الاسلامي كمظلة معارضة لنظام الحكم في اسمرة ويقيم افراد هذا التنظيم على الحدود الشرقية للسودان مع اريتريا وتقول الحكومة السودانية انها تحجر عليهم العمل النضالي في حين تزعم حكومة اسمرة انهم يقومون بين فترة وأخرى بهجمات على القوات الاريترية داخل حدودها ولعل هذا قد اعطى الحكومة الاريترية الذريعة لاتهام الحكومة السودانية بإيواء المعارضة الاريترية. ويرى كاتب الورقة ان المناخ الدولي الجديد جعل اريتريا تسعى الى عرض نفسها للقيام بدور نشط في منطقة القرن الافريقي والبحر الاحمر، دوراً ترى انه يمكن ان يكون بديلا للدور الذي كانت تلعبه اثيوبيا بشواطئها على البحر الاحمر وجزرها التي كانت الولايات المتحدة واسرائيل ترى فيها مرافيء يمكن استخدامها ضد الاتحاد السوفييتي والعرب على حد سواء. ويخلص د. ابراهيم ميرغني الى ان الصراع الاقليمي في منطقة البحر الاحمر هو صراع مرتبط بمنطقة الخليج والقرن الافريقي والنيل كما انه يمتد ليشمل مناطق اخرى من العالم وهو ترابط ناشئ عن اشتباك الجغرافيا بالسياسة «الجيوبوليتيك» ولهذا فان النزاع العربي الاسرائيلي وصراعات القرن الافريقي والخليج العربي والنيل تلقى بتبعاتها على التطورات السياسية في منطقة البحر الأحمر. الأميال الاسرائيلية الساخنة وتتناول اوراق اخرى في كراسة الاوراق الاستراتيجية لمركز الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم مجالات اخرى حول المعطيات الاستراتيجية والمضامين الامنية للبحر الاحمر. ويتناول الباحث مستقبل البحر الاحمر في خريطة الامن الاسرائيلي فيقول انه على الرغم من قصر الساحل الاسرائيلي على البحر الاحمر «7 اميال فقط» الا انها تحاول فرض وجودها البحري باعتبارها دولة متشاطئة متحكمة في مدخله الشمالي «خليج العقبة» والى حد ما مدخله الجنوبي والهدف من ذلك هو التحكم في خطوط النفط من مناطق الاستخراج «الخليج» الى حيث الاستهلاك «اوروبا» وهذا هو اس العلاقة الرابطة بين البحر الاحمر والامن القومي الاسرائيلي. وقد انشأت اسرائيل خط أنابيب النفط من ايلات الى موانئها المتوسطية لتحقيق عدة اهداف منها تأمين وجودها في البحر الاحمر والمرور عبر مضيق تيران مما يؤثر اقتصادياً على دخل قناة السويس وكذلك على خط انابيب «سوميد» الممتد من السويس الى الاسكندرية هذا بجانب امكانية نقل جزء كبير من النفط الوارد من الدول الواقعة على الخليج العربي «ايران» خاصة اذا كانت الناقلات تتبع لدولة مثل ليبيريا. ويقوم اللواء معاش معتصم عبد الوهاب بالاكاديمية العسكرية في تناوله لاستراتيجيات الدول الكبرى في البحر الاحمر بتوصيف البحر الاحمر بطوله البالغ «1380» ميلاً من باب المندب حتى السويس وعرضه الذي يتباين حيث يبلغ مداه «190» ميلاً في المنطقة بين مصوع وجيزان كما يتسع عند وسطه ويضيق كلما اتجهنا شمالاً وجنوباً حيث يوجد خانق مضيق المندب في الجنوب والسويس في الشمال ويقول ان سمة «الضيق» هذه تعد ميزة من الناحية العسكرية حيث تسهل عملية الدفاع عن الشاطئين الافريقي والآسيوي وكذلك منطقة الخوانق في جنوبه وشماله اما الرصيف القاري الضيق الذي يتراوح بين 6 الى 100 ميل فهو عامل سالب لبناء قوة بحرية ضاربة وتوفير التسهيلات للقطع البحرية او لعمليات التنقيب عن الثروات. ويورد ان عدد الجزر بالبحر الاحمر يتفوق على عددها في كافة المسطحات المائية العربية حيث يوجد به حوالي «379» جزيرة اكثرها في الجزء الجنوبي وتقل كلما اتجهنا شمالاً منها ما يقارب 70% جزراً عربية تمتلك منها العربية السعودية 146 جزيرة والسودان 36 ومصر «26» واليمن «41» واريتريا واثيوبيا «126» وجيبوتي «6» جزر والكثير من هذه الجزر مهجورة غير آهلة بالسكان ولكنها تصلح كنقاط دفاعية ومراكز للاستطلاع والسيطرة في توجيه السفن واللجوء عند الضرورة. صراع الاستراتيجيات ويتحدث عن الاستراتيجية الاميركية في البحر الاحمر ويقول انها تبنى على ثلاثة انماط: الاحتواء الذي تحولت فيما بعد الى المشاركة الاقليمية لتأكيد الربط بين البحر الاحمر والخليج العربي عبر استراتيجية يسميها التقارب غير المباشر التي يعمل بنظام تطويق منطقة الاهتمام بالتحكم في مداخل الخوانق والمضائق والمنافذ البحرية والحرص على الوجود في الجزر ذات المواقع الاستراتيجية. والثالثة استراتيجية الملاحظة التي تقوم عبر دور اساسي للمنطقة في تنفيذها على ضوء العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة ويرى ان هذه الاستراتيجية الاميركية لها ثوابت لم تتغير وهي من عدة نقاط: احتواء القوة الكبرى المنافسة، اطفاء بؤر الصراع المحلية، تحطيم القوى الاقليمية المتنامية «العراق وايران» ضمان تدفق النفط، ابقاء طرق الملاحة في البحر الاحمر مفتوحة وكذلك مجاله الجوي. ثم تأتي الاستراتيجية الروسية ذات الوجود الذي وطد اقدامه في منطقة البحر الاحمر منذ ما يقارب من نصف القرن ثم يتناول الاستراتيجية البريطانية والفرنسية وعلاقاتها بجيبوتي الشرفة المطلة على مضيق باب المندب والقرب النسبي من مضيق هرمز بالاضافة الى قواعد جزيرتي رينون ومانون في المحيط الهندي علاوة على لواء فرنسا الذي شكلته في عام 1979 ولواء التدخل عبر البحار وازدادت اهمية جيبوتي لدى فرنسا اثر الانغلاق الاثيوبي بعد تحرير اريتريا ويختتم بان الوجود الاجنبي والسياسات الدولية في منطقة البحر الاحمر وان اختلفت فانها تصب في رعاية مصالح الدول الكبرى لا دول المنطقة. الاهمية الاقتصادية الحديثة للبحر الاحمر يتناولها الباحث احمد الحسب عمر ويشير الى الوظيفة التجارية للبحر ثم دور النفط ومواصلاته ثم الثروات البحرية والمعادن ويعدّد ثلاثة اوجه تعطي البحر الاحمر ميزته الاقتصادية اولها البحر كمصدر اقتصادي مباشر للموارد المالية: مداخيل الموانيء عبر حركة التجارة والرسوم الجمركية مما يقدر بمليارات الدولارات في السنة الواحدة، «النفط والمواد الخام» اضافة الى طريق الحجيج للاراضي المقدسة علاوة على المنتجعات السياحية على شواطئه «اركويت السوداني، سيناء المصري، العقبة الاردني، ايلات الاسرائيلي». ثم ان البحر كمصدر للثروة المعدنية «الحديد، الذهب، الماغنسيوم، الكاديوم، الزنك، النحاس الاصفر، الفضة المنغنيز، الرصاص» ومعادن اخرى عديدة. ثم الثروة السمكية الضخمة والقشريات والحيتان والشعب المرجانية ناتج الاسماك في عام 1984 بلغ «74.4» الف طن ووثيقة لمنظمة الفاو عام 76 توضح ان الانتاج السنوي الكامن يتوقع له ان يصل الى 160 الف طن الناتج السوداني من الاسماك لم يتجاوز «4.5» آلاف طن في اليوم. ومن حيث بيئة البحر الاحمر فان مياه الاحمر هي الأقل تلوثاً اذ تقل فيها نسبة التلوث لادنى نسبة في العالم وفي هذا الصدد يورد د. يوسف ابو جديري مدير معهد الدراسات البيئية بجامعة الخرطوم ان المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «اليسكو» ادركت في مطلع عام 1974 اهمية الجهد المشترك من الدول المطلة على البحر الاحمر وخليج عدن لبدء دراسات مكثفة على البيئة التي تلي كل من هذه الدول لكي تفضى مجتمعة لتوقيع اتفاق او معاهدة لصيانة البيئة في المنطقة وتبع ذلك في عام 1975 اتفاق جمهورية السودان والمملكة العربية السعودية على تكوين الهيئة السعودية والسودانية لاستثمار الثروات الطبيعية في المنطقة المشتركة بينهما في قاع البحر الاحمر ومن ثم السير قدماً في اجراء دراسات مكثفة تهدف الى استغلال الثروة المعدنية فيها. وتمخضت بعض المجهودات عن مؤتمر جدة الثاني في يناير 76 بحضور خبراء في علوم البحار وممثلين رسميين للدول المطلة على البحر الاحمر وخليج عدن لانجاز اتفاقية لحماية بيئة البحر الاحمر وخليج عدن وفي اكتوبر 1995م بدأت عملية اعداد برنامج العمل الاستراتيجي للبحر الاحمر وخليج عدن لحماية بيئتهما وتحقيق التنمية المستدامة للموارد الساحلية والبحرية ولاحتواء مخاطر النشاطات البشرية والصناعية والنفايات والاستنزاف العشوائي والصيد الجائر وتسرب النفط.