خرج علي بن فليس رئيس الحكومة كأقوى شخصية سياسية في الجزائر بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة التي فاز فيها حزبه جبهة التحرير الوطني بالأغلبية، المطلقة من مقاعد البرلمان. وأصبح المرشح لصياغة السياسة العامة للبلاد دون الحاجة الى تحالف مع أي من القوى السياسية الأخرى كون النتيجة منحت الجبهة «حكما مطلقا» لخمس سنوات مقبلة. اختلف الملاحظون في تقييم الإنجاز فمنهم من اعتبره نعمة على الحزب وعلى عبدالعزيز بوتفليقة رئيس الجزائر كونه يحقق نوعا من التجانس والتناغم في مؤسسات الجمهورية ويمكن من تنفيذ البرامج الإصلاحية المجمدة منذ أزيد من عام بفعل صراعات داخل هذه المؤسسات. والطرف الآخر اعتبر الفوز نقمة كون الفترة التي تجتازها الجزائر اليوم معقدة جدا بل لم يسبق للبلاد أن وصلت الى مثل هذا الحد من التناقضات والصراعات المتشابكة. وأية انزلاقات في الوضع تحسب على التشكيلة الحكومية الجديدة وعلى البرلمان الجديد. ولا شك أن علي بن فليس وهو يقبل للمرة الثانية تكليفه بتشكيل الحكومة وقيادة قطار الإصلاحات يدرك تماما أن المهمة صعبة وخطيرة وهو يواجه تحديات على ثلاثة مستويات على الأقل. أولها ترميم الوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد بفتح ورشات كبرى لحل أزمة السكن والماء وتوفير مناصب الشغل وهذه المعضلات الثلاث كانت السبب الأكبر في الاضطرابات التي شهدتها مختلف مناطق البلاد خلال العامين الأخيرين. فقد أشارت تقارير رسمية أن نحو 16 مليون جزائري وهو ما يعادل نصف عدد السكان يعيشون تحت مستوى الفقر، وأن العجز في ميدان السكن بلغ مليون شقة ونسبة البطالة تجاوزت سقف 33 بالمئة من مجموع السكان القادرين على العمل. وبالإضافة الى مواجهة هذه المعضلات ينوي بن فليس تخصيص برامج خاصة ـ حسب ما وعد به خلال الحملة الانتخابية ـ للمناطق المتضررة من الارهاب بإقامة مشاريع ومساعدة من هجروها على العودة لإعمارها. أما ثاني التحديات فسيكون مع قوى في السلطة حول طريقة التعامل مع الأزمة التي عصفت بمنطقة القبائل منذ ابريل العام الماضي الى اليوم. فهو يميل الى المعالجة السياسية بتوسيع وتعميق الحوار مع كافة الأطراف ذات العلاقة بالموضوع والانطلاق برنامج خاص بالمنطقة في أقرب الآجال لإعادة بناء ما خرب خلال شهور المواجهات وإحياء المؤسسات الإدارية التي تسهر على الانطلاق في برنامج اقتصادي ـ اجتماعي واسع يستجيب للحاجة اليومية للناس. فيما تسعى أطراف أخرى في السلطة الى المواجهة بالتصعيد وبمزيد من الاعتقالات في صفوف نشطاء هيئة العروش والأحزاب التي تمثل المنطقة. وقد طرحت هذه الأطراف اختيارات قد لا يقبلها بن فليس ومنها على الخصوص حل مجالس البلديات والولايات التي تشكل فيها جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الأغلبية ثم تجريم الحزبين بمشاركتهما في أعمال العنف يورم الاقتراع العام لسحب الاعتماد منهما و وضعهما خارج القانون ويمثل هذا التيار بقوة نورالدين يزيد زرهوني وزير الداخلية. لكن علي بن فليس يقود تيارا مضادا لهذا التوجه كونه يعصف بالتوازنات السياسية العامة في البلاد ويحرم قطاعا واسعا من الجزائريين من التعبير والتنظيم الحر. أما المواجهة الثالثة التي تنتظر بن فليس فداخلية حزبية. حيث ينتظر أن تتحرك أنصار القيادة السابقة التي سقطت العام الماضي تحت ضربات موجة تجديد واسعة قادها علي بن فليس، للمشاركة في المكاسب المحققة بعد الانتخابات الأخيرة. وتوجد حاليا خلايا نائمة تدين بالولاء لشخصيات مثل بوعلامبن حمودة الأمين العام السابق وعبد الحميد مهري ومولود حمروش رئيس الحكومة الأسبق وغيرهم وقد تشكل في أي وقت تحالفا للضغط على رئيس الحكومة والتأثير على قراراته. وقد أشار بن فليس خلال مؤتمر صحفي نظمه مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات أنه ماض في طريق الاصلاح الداخلي لجبهة التحرير بفتح المجال أمام قوى جديدة من الشباب لصياغة سياسة المستقبل. وعلق الملاحظون عن هذا التصريح بكون بن فليس استبق الأحداث وكرس إبعاد ما يسمى «الحرس القديم» عن موقع القرار إن كان في الحكومة أو في قيادة الحزب. ويبقى أن السند الأكبر لعلي بن فليس هو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فمع أن حزبه حقق 199 مقعداً بالبرلمان من مجموع 389 أي الأغلبية المطلقة يدرك أن الأصوات التي منحته هذا المكان غير كافية، ولاتمثل إلا 35 بالمئة من مجموع الأصوات المعبر عنها وأقل من 15 بالمئة من مجموع المسجلين على القوائم الانتخابية. وهذه النسبة تعني أن الجبهة لا تتمتع بثقة الأغلبية الساحقة من الجزائريين وأن قوانين الانتخاب منحتها الأفضلية في أضعف نسبة تسجلها انتخابات عامة بالجزائر خلال أربعين عاما من الاستقلال. وهذا الوضع يعد أيضا تحديا آخر واعوجاجا لا يمكن تقويمه إلا بسياسة سوية تغير الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتكرس الديمقراطية وحقوق الإنسان والابتعاد النهائي عن نهج الإقصاء الذي يكاد يشكل ثقافة سياسية في الجزائر اليوم.