الاستقبال الذي حظيت به الحكومة الفلسطينية الانتقالية الجديدة من قبل شارون بعد ساعات معدودة من الإعلان عنها، عكس وبصورة جلية مواقفه المتطابقة مع إدارة الرئيس بوش، أن القضية الأساس ليس في إصلاح المؤسسة الفلسطينية، رغم ما لدينا على هذا الإصلاح من تحفظات من ناحية المضمون والهدف والوجهة، وإنما القضية هي في شكل ومضمون التغيير، بحيث يصب في خانة القبول التام وغير المتحفظ بما يريده شارون وحكومته، ويبدو واضحاً أيضاً إن أحد دواعي الاستعجال في الخطوة «الترحيبية الإسرائيلية» في التشكيل الحكومي الجديد هو أمران، لهما علاقة وثيقة في الموقف الاميركي ليس باتجاه الحكومة الفلسطينية، وإنما باتجاه رؤية الإدارة الاميركية للحل على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية هذه الرؤية التي بدت في غاية الوضوح فيما أسفرت عنها نتائج زيارة الرئيس مبارك لواشنطن أولاً، وبلقائه أركان الإدارة الأميركية وفي الخاتمة لقاءين مطولين مع الرئيس بوش، أوضحت وبما لا يدع مجالاً للشك أن ادارة بوش مازالت متمسكة بنهجها القديم الجديد بادارة الأزمة وليس البحث عن حل لها، وانه في المرحلة الراهنة لا يوجد حل سريع للوضع المتفجر في المنطقة، بل الإبقاء عليه تحت السيطرة، وانه لا يوجد جدول زمني محدد للبدء بتطبيق خطوات إجرائية محددة حتى ولو كانت وفقاً لما طرحه شارون عند تسلمه للسلطة، كما أن المؤتمر الدولي المزمع عقده مازال هناك تباين كبير في صيغته ومضمونه وأهدافه. كما ان الرئيس عرفات مازال بنظر الإدارة الاميركية هو العقبة سواء في ما يتعلق بالإصلاح الداخلي الفلسطيني، أم على مستوى الثقة فيه كشريك في صنع السلام. وزيارة شارون نفسه ثانياً، للولايات المتحدة والتي تعد السادسة منذ وصول الرئيس بوش للسلطة في ديسمبر العام الماضي بحكم قضائي، وقد أراد شارون بهذا الاجتياح الجديد أن يوحي بأنه حصل على ضوء أخضر أميركي مسبق للقيام به بغية تمهيد الطريق لمواصلة التفاهم على الخطوات التالية، وخصوصاً فيما يتعلق بمصير الرئيس عرفات مادام الرئيس بوش قد أعلن موقفه منه وبوضوح أمام رئيس أكبر دولة عربية حليفة للولايات المتحدة الاميركية، ولها دور إقليمي حرصت عليه جميع الإدارات السابقة، هذا علاوة على أنه حمل معه مشروعاً سياسياً وبسقف أقل بكثير من المبادرة العربية للسلام التي أقرت في قمة بيروت. وهذا المشروع لم يلق الاستجابة من الإدارة الأميركية كما أشرنا بل وفر على شارون نصف المسافة في الحوار الذي سيجريه مع الرئيس بوش، برفضه الالتزام بجداول زمنية محددة لبدء وإنهاء العملية التفاوضية، وكذلك صيغة ومضمون المؤتمر الدولي والموقف من الرئيس عرفات، وقد أضيف عليه الموقف من الحكومة الجديدة التي لم تنل ثقتهما ورضاهما الأمر الذي يعكس تطابقاً في وجهات النظر والفعل بين الطرفين. لقد بدا وكأن طيف شارون كان حاضراً في جميع اللقاءات التي عقدها الرئيس المصري مبارك بدليل النتائج التي تمخضت عنها الزيارة، وبدا أيضاً أن زيارة شارون لواشنطن ليس لها من هدف سوى استكمال اللمسات الأخيرة على ما تبقى من قضايا إزاء الموقف من العملية السياسية، وكيفية التخلص من الرئيس عرفات باعتباره أحد العقبات في طريق استئنافها على طريقتهم. لقد بدا واضحاً أيضاً عشية توجه شارون لواشنطن أن هناك تسابقاً مع الزمن بينه وبين القيادة الفلسطينية، فالرئيس عرفات وعلى غير ما جرت العادة عليه عند تشكيل الحكومات السابقة، كلف وزير الثقافة والاعلام بالإعلان عنها، وذلك لإرسال رسالة للإدارة الاميركية إن الإصلاحات على مستوى الأجهزة الأمنية والمدنية بما في ذلك الحكومة قد أنجز، وان ليس من ذريعة أو سبب آخر ينبغي أن يعوق تحركها والضغط على شارون بعد أن استجابت لكافة المطالب «الإصلاحية»، كما إن الإعلان هدف من ناحية أخرى لسحب الذرائع والمبررات التي قد يتكئ عليها شارون لرفضه أي صيغة للحل، مهما كانت صغيرة ومحدودة. ويمكننا القول أن هذا التسابق الفلسطيني مع شارون جاء متأخراً عدة أيام فقد كان ينبغي الإعلان عن هذه الخطوات عشية توجه الرئيس مبارك لواشنطن لعلها كانت تساعده في مساعيه لتحريك العملية السياسية، لا أن تصبح مسألة الإصلاح في السلطة وقضية الرئيس عرفات هي العناوين الرئيسية للنقاش والتباين بينه وبين الرئيس بوش. لقد بدا واضحاً انه كان لدى صانع القرار الفلسطيني حسابات وآمال من زيارة الرئيس مبارك وأنه من الممكن أن يتحصل على شيء ما خاصة وانه ذاهب بسقف سياسي منخفض وطالما عبر شارون والاميركيون من خلفه عن رغبتهم من البدء فيه، وبالتالي جاء قرار التأجيل على هذه الخلفية من الحسابات. أما وان ورقة «التغيير والإصلاح الفلسطينية» وقد حرقت سلفاً ولم تؤت النتائج المتوخاة منها على المستوى الخارجي رغم استجابتها لثلاثة عناوين رئيسية في الإصلاح، وهي الأمن، والمالية، والعدل، وإدخال بعض الرتوش الشكلية مع الحفاظ على كامل التشكيلة السابقة، فإنه تقتضي الصراحة والمصداقية أيضا القول أنه من الصعوبة بمكان تسويق بضاعة قديمة بثوب جديد على المستوى الداخلي، وان ما جرى فعلاً كان مخيبًا للآمال لكن ليس على طريقة بوش- وشارون، وأن الشعب الفلسطيني بعد ما جرى من أحداث وما واجهه من عدوان مازال متواصلاً لغاية الآن، أمل وقبل كل شيء بمراجعة جادة وشاملة، تفضي إلى محاسبة المسئولين عن الدفاع عن الوطن والمواطنين، وكذلك من تفوح منهم روائح الفساد المالي والإداري والأخلاقي، وكذلك إحداث مراجعة للنهج السياسي والتفاوضي، وطريقة العمل والاتصالات، والقنوات الفردية والشخصية مع جهات إقليمية ودولية. إن مجمل هذه القضايا وقضايا أخرى أملها المواطن العادي قبل القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني من التغيير والإصلاح، وعبرت هذه القوى عن رأيها بصراحة ومسئولية سواء بشكل علني اتخذ أشكالاً متنوعة من البيان إلى المذكرات والوثائق والمقالات، إلى محطات التشاور التي أجراها الرئيس مع جميع القوى السياسية والمؤسسات المجتمعية الفاعلة. غير ان المواقف التي عبر عنها الجميع وبطرق وأشكال مختلفة ولغايات وأهداف أيضا متباينة انطلاقاً من رؤى ومواقف سياسية ليست بخافية، وضعت جانباً وجرى التعديل وفق أجندات ومعايير مختلفة اقلها أنها لم تعبر عن رغبة وإرادة السواد الأعظم من قوى وفعاليات الشعب الفلسطيني، وفي المقدمة منها المجلس التشريعي الذي عبر العديد من رموزه عن عدم الارتياح عن الطريقة والنتيجة التي أفضت إليها عملية التعديل،هذا وقد ذهب البعض لاعتبار هذا التعديل بالقدر الذي يشكل خروجاً عن توصيات المجلس التي أقرها في جلسته الخاصة بتاريخ 16/5/2002-فإنه يحمل مخالفة دستورية وخرقاً للنظام الأساسي الذي لم يجف حبر المصادقة علية بعد سبع سنوات من الانتظار بعد إقرار المجلس له. وبصرف النظر عن الكيفية التي سيتعامل معها المجلس التشريعي مع التغيير الشكلي والمحدود في تركيبة الحكومة الفلسطينية الرابعة ورد الفعل الشعبي عليها، الذي شكل اجتياح رام الله والبيرة وطولكرم وبعض المناطق الفلسطينية الأخرى تأجيلاً، ولو لحين لفتح هذا الملف، فإنه وانطلاقاً من التعاطي مع الوقائع القائمة التي فرضها هذا التعديل والملابسات العديدة التي رافقته، والاستنتاجات الأولية المقروءة منه والتي يأتي في مقدمتها أن العملية الديمقراطية، والانتخابات الحرة والنزيهة وعلى أساس قانون انتخابي عصري وديمقراطي يعكس رأي الأغلبية ويعبر عن حجوم ووزن القوى في المجتمع على حقيقته، فإن التغيير سيبقى قاصراً ومجزوءاً ومعبراً عن أجندات ومصالح ورؤى الجهات صاحبة القرار والمستفيدة منه، ومادامت هذه الحكومة انتقالية ولديها خطة عمل معلنة ذات طابع انتقالي تقع مسألة التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية، واجراء الانتخابات للمجالس البلدية والقروية في صلب مهامها، فإن التعاطي مع هذه الحكومة كهيئة متضامنة، وكأفراد يخضعون لسلطة القانون والدستور، والمساءلة والمحاسبة من قبل المجلس التشريعي، فإن معيار المصداقية ومقياس المحاسبة، على هذا الإنجاز وغيره من الإنجازات التي تعهدت الحكومة بالقيام بها بما في ذلك إن لم يكن في المقدمة من أي مهمة أخرى مواصلة الصمود السياسي ورفض العودة لصيغ وحلول جزئية وانتقالية،والقبول بمحاولات التطبيع الجارية للتقاسم الوظيفي المفروض من الاحتلال. إن كل هذه القضايا باتت أوضح من أي وقت مضى، ولم يعد من الممكن تغطيتها أو القفز عنها ولا حتى التذرع بالاحتلال وإجراءاته للتنصل من القيام بها، كما انه لم يبق أمام القوى الديمقراطية المخلصة والحية من مجال لتجاوز دائرة الشكوى المستمرة والمزمنة من القيادة الفلسطينية، سوى النزول للشارع والعمل مع الجماهير وتحسس مشاكلها وقضاياها والتعبير عنها بصدق وأمانة وقيادة عملية التغيير من هناك وليس عبر المناشدات والدعوات الصالحات، والحوارات والمشاورات التي ينتهي مفعولها قبل أن تبدأ.