بين مايجب ان يفعله الباكستانيون ومايجب ان يفعله الهنود يتأرجح الشرق الآسيوي على شفا هوة نووية سحيقة يتردد البعض في تقييم عمقها أو حقيقة وقوع المنطقة فيها، بينما يذهب البعض الآخر إلى حد الاستعداد والتهيؤ لها. والواقع يدفعنا للنظر بعمق لحقيقة هذه الحرب التي كثرت طبولها وكثرت التكهنات حولها مثلما كثر لاعبوها وليس آخرهم بالطبع الولايات المتحدة بما اثارته من نوازع لدى الكثير من الأمم لتحذو حذوها في قضايا الأمن الإقليمية او الوطنية. معطيات هذا الواقع كثيرة ومتداخلة في بعضها البعض وينبغي ترتيبها، والمحاور التي تواجهنا ليست قليلة أيضا. فمن باب العمق التاريخي للنزاع نجد ان الصراع الهندي الباكستاني يمتد بعمق خمسين عاما الى الوراء منذ استقلال الدولتين «الهند وباكستان». ومن باب الأيديولوجيا نجد إن الصراع بينهما أخذ شكلا واحدا لا يخجل الهنود من الإشارة إلى أنه صراع بين الهندوس والمسلمين تشهد على ذلك المجازر التي ارتكبها الهندوس ضد المسلمين في كل محطات الصراع ضد انتشار الإسلام التي أخذت تمتد على جسد آسيا، ولعل اشدها وضوحا المجازر في كشمير التي لاتزال تشكل محورا أساسيا للصراع بين البلدين. ومن باب الإستراتيجيات نجد أن الدولتين تأرجحتا بين المعسكرين فامتطت باكستان الحصان الأميركي وتعلقت الهند برقبة الدب الروسي، وبانتهاء الحرب الباردة وشيوع ماسمي بعالم القطب الواحد تبدلت الإستراتيجيات الآسيوية وتبدلت معها التحالفات والمصالح وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى الإسراع بخطاها ـ سلما أم حربا ـ باتجاه غرس القواعد في الإرث السوفييتي وإحاطة مناطق المصالح،وهو ما أفرز أيضا وضعا إقليميا جديدا جعل عدو الأمس حليفا وأضعف الحليف القديم. الصراع بين الهند وباكستان إذن ليس جديدا وليس متجددا قدر كونه صراعا محكوما بأطرافه وهو لا يقتصر على الهند وباكستان، ومحكوما أيضا بحركة المصالح وقربه أو بعده عن مركز هذه المصالح وماهيتها. ونجد على سبيل المثال لا الحصر أن قيام نزاع نووي بين الجارتين اللدودتين يضر بإنجاز أميركا في حربها ضد الإرهاب التي قربتها مسافات طويلة وزمنا بعيدا من قزوين وثرواته النفطية ومن مركز آسيا. الجديد فعلا هو انحراف البوصلة الهندية باتجاه أميركا دورة كاملة وظهور داعم آسيوي شديد وقوة تطمح لأن تكون عظمى تحت المظلة الأميركية، هدفها هو نفس هدف التمدد الأطلسي والذي يتمثل في وقف المد الإسلامي الذي يقض مضجع الأميركيين والهندوس والإسرائيليين على حد سواء، ولمواجهة النمو والقوة الصينية المتعاظمة ومنع التمدد الأحمر إن صح التعبير، لتشكل الهند بعد ذلك حليفا استراتيجيا مطيعا. ورغم أن العلاقة الأميركية ـ الباكستانية عميقة وتمتد إلى خمسين عاما شكلت فترة الحرب الباردة إلا أن الهنود متيقنون تماما من الحلف الذي تشكل على أنقاض عالم القطبين واعتاب عالم القطب المنفرد، ولذا رأينا انه لا يوجد فصل بين الموقفين الهندي والأميركي الذي انحاز بوضوح في إطار سياسته في المنطقة والتي انضوت تحت عنوان الحرب ضد الإرهاب. فمنذ أن بدأت هذه الحملة بدأت معها الضغوطات على باكستان للوصول إلى الأهداف الأميركية في أفغانستان، وكان التلويح بورقتين رئيسيتين هما: السلاح النووي والذي يعتبره الأميركيون والهنود والغرب عموما سلاحا إسلاميا نوويا، وهو يعني الوقوف إلى جانب الهند لإعادة الخلل في التوازن العسكري بين الطرفين، والورقة الثانية كانت بالنتيجة قضية كشمير. ومن هذا المنطلق أي الحرب ضد القوة النووية الإسلامية يأتي الدعم الذي أعلنت طهران استعدادها لتقديمه إلى باكستان ويأتي الضغط الأميركي باتجاه القضاء على الحركات الإسلامية التي أصبحت تأخذ مسمى آخر هو الحركات الإرهابية، وهو يشير إلى اتجاه السياسة الأميركية نحو دعم الهند في قضية كشمير وتفهم موقفها من حربها للباكستانيين على أساس أنها حرب دفاعية لضمان الأمن الوطني والإقليمي. الأمر الذي نستطيع تأكيده هو ان الولايات المتحدة اصبحت اكثر قدرة على الفعل من أي وقت مضى لكنها في الوقت نفسه أقل قدرة من ان تضع هذا الفعل في سياق تنسجم مكوناته بسبب ماتعانيه من تذبذب في السياسة الخارجية مما يؤشر فقرا سياسيا يعزي السياسيون امره الى الإدارة الجديدة التي أخذ عليها جهل رئيسها بالسياسة الخارجية وتخبطه وإدارته. ولذلك نجدها تتخبط في سياستها تجاه الهند وباكستان بين خوفها من فقدان حليف قديم وبين خوفها من خسارة حليف استراتيجي مهم وجديد، لكنها مع ذلك تتشبث بحقيقة صاغها صانعو سياستها الآسيوية تخص وجودها هناك في قلب آسيا إذ هي تركن الى ان أي حرب لن تقوم مادام هناك جندي اميركي في المنطقة ولذلك فهي تسكت عن استفزازات الهند لباكستان وتضغط على الباكستانيين باتجاه محاربة المنظمات الكشميرية وباتجاه وقف الدعم الباكستاني للمتسللين الكشميريين والحركات الأصولية في الداخل الباكستاني، وتنزع الى نصح الهند في كيفية التعامل مع احتمالات الردع النووي وصدمة الضربة الأولى لخبرة أميركا في هذا المجال منذ ايام الحرب الباردة. إن أحدا لايستطيع أن ينكر التأثير الأميركي على اشتعال الأزمة الهندية الباكستانية، مثلما لايستطيع ان ينكر تأثير اسرائيل على السلوك السياسي الهندي الذي دفع الكثيرين الى القول بأن كشمير هي فلسطين أخرى، وينظر الى إطلاق يد الهنود في النزاع بينها وبين جارتها بما يشبه إطلاق يد إسرائيل في الشرق الأوسط وفي حربها ضد الفلسطينيين. ويمكن الإستدلال على ذلك من حركة إجلاء الرعايا الأميركيين والغربيين من الهند وباكستان وكأن الولايات المتحدة تقول للهنود: «إذهبوا فقاتلوا حتى تنفد شهيتكم في إفناء شعبكم وآخرين في المنطقة للحفاظ على عرشكم...». وبالطبع فإن تسويق القلق من احتمالات قيام الحرب الذي اصبحت الهند تجيد استخدامه، يخدم لتسريب التوتر الداخلي، وهو سياسة اميركية بحتة إذ اعتادت اميركا افتعال حرب أو ضربة خاطفة للتغطية على خلل أو ضغط داخلي، ولايخفى مايواجهه حزب الشعب الهندي من فشل في توفير حكومة حكيمة قادرة على حل المشاكل الداخلية الهندية.ويتهم الكثيرون حزب الشعب بارتكاب مذابح المسامين في مدينة كوجارات برعاية رسمية غير مسبوقة في تاريخ الهند، رغم ان هذا التاريخ مليء بمجازر ضد المسلمين لكنها لم تأخذ شكلا معلنا رسميا كهذا من قبل. الصراع الهندي الباكستاني بكل مراحل تطوره وتذبذبه كبندول ساعة بين الإشتعال والخمود هو صراع ايديولوجي يستند الى معتقدات استعمارية موغلة في القدم ويستخدم المصالح سلما للصعود باتجاه دحر الفقراء، بغض النظر عن جنسيتهم هنودا ام باكستانيين أم عربا، انهم مسلمون فقط، ولامكان لهم في عالم التوحش واللا قيم، اليوم. لهيب عبدالخالق