تعقد اليوم الجولة الجديدة لمفاوضات السلام السودانية تحت رعاية منظمة «ايغاد» بعد ما يقارب العشرة اعوام منذ ان انتقل ملف القضية الى طاولة هذه المنظمة الافريقية في عام 1993، ومنذ ان تبدل اسمها من منظمة مكافحة الجفاف والتصحر إلى الهيئة الحكومية للتنمية تدفقت مياه كثيرة تحت الجسور داخل التركيبة السياسية الحاكمة في السودان واصبح عراب المفاوضات من الجانب الحكومي د.علي الحاج محمد في وضع اقرب للاجيء السياسي في المانيا وهو رئيس وفد التفاوض الذي تمت على يديه الموافقة الحكومية لأول مرة على ادخال مبدأ تقرير المصير الذي شكل الان كعب اخيل في مسيرة المفاوضات. وتجيء هذه الجولة الجديدة من المفاوضات في العاصمة الكينية نيروبي وسط تغيرات لافتة لعل اهمها التداخل الاميركي في قضية الحرب والسلام في جنوب السودان بعد النقاط الاربع التي اختطتها مهمته والتي مضت على ارض الواقع السوداني ونتج عنها واقع جديد في جبال النوبة افضى إلى وقف اطلاق النار في منطقتها واجلاء بنادق المتحاربين واخضاع نشاط الجانبين العسكري إلى وقاية دولية، وهذا ملف مازالت حيثياته تجرى وظفرت «هدنة الجبال» امس الأول بتمديد جديد للهدنة والاتفاق. والشاهد ان كثيراً من الاطراف وبعض المراقبين اصبحوا يتحدثون عن احتمالات نقل نموذج جبال النوبة إلى جنوب السودان. والأمر الثاني ان المصادر السياسية تشير إلى ان جولة «ايغاد» الجديدة تعد جولة فارقة قياساً بالجولات السابقة من حيث ان المهمة الأوروبية في سلام السودان تحضر بقوة في هذه الجولة حتى في محاولة لتأكيد ان المهمة الأميركية لا تلغي «ايغاد» وقد وضح هذا الاتجاه في ان وفداً اميركياً سيلعب دوراً جديداً وداعماً للمفاوضات علاوة على الدور المنتظر لشركاء «ايغاد». وانسجاماً مع أهمية هذه الجولة نقلت المصادر الاعلامية الرسمية والصحفية في الاسبوع الماضي عن مسئولين حكوميين في قيادة السلطة السياسية عن تعويل الحكومة السودانية على هذه الجولة وتحدثت بعض المصادر عن قيادة عليا في قمة الهرم السياسي لوفد الجانب السوداني الرسمي إلا انه وقبيل سفر الوفد تم اعلان الوفد المفاوض برئاسة وزير الدولة بمستشارية السلام ادريس عبدالقادر. ومن جانبه اعلن وزير المستشارية الأول غازي صلاح الدين العتباني الرجل القريب من ملف «ايغاد» والذي ترأس عدة جولات منها انه سيكون قريباً من قاعة المفاوضات في نيروبي حتى يستطيع التعامل المباشر مع مستجدات المفاوضات وتطوراتها في ذات الوقت الذي يكون فيه على صلة مباشرة بالقيادة السياسية في الخرطوم وفي الاسبوع الفائت الذي سبق انعقاد الجولة الجديدة حدث تسخين على الجبهات العسكرية من جانبي المتفاوضين حيث اعلنت الحكومة وسط زخم اعلامي وان كان أقل خفوتاً من السوابق المماثلة عن استعادة مدينة قيسان التي طال العهد بوقوعها تحت إمرة قوات التمرد وفي ذات الاسبوع تم اعلان انسحاب القوات الحكومية من مدينة كبويتا عاصمة شرق الاستوائية وجرت العادة ان تسبق كل جولة من مفاوضات الايغاد احداث من هذا النوع تعدها بعض نظريات التفاوض من قبيل تقوية الموقف التفاوضي في القاعات استناداً على الموقف العسكري في مسارح الاقتتال. وتظل القضايا الخلافية على حالها في كل جولة من جولات «ايغاد»: تقرير المصير العلاقة بين الدين والدولة وقف اطلاق النار وكيفية تطبيقه ورقابته وما اذا كان وقف اطلاق النار نتيجة ومحصلة للسلام ام تمهيداً له. وعلى جانب آخر صدرت اشارات متبادلة بين كينيا ومصر تحدث عن تنسيق بين العاصمتين التي تمثل احداهما مبادرة «ايغاد» والأخرى المبادرة المشتركة في محاولة للتعبير عن الاهتمام بالجوار الافريقي والعربي للسودان. ويرى بعض المراقبين الذين يعظمون من قوة الدور الأميركي الموجه للسودان ان اميركا تريد هذه المرة تمرير استراتيجيتها تجاه السودان عبر «ايغاد» تلطيفاً لصورة تدخلها في الشأن السوداني في حين يرى اخرون ان جولة المحادثات الحالية لن تكون احسن حظاً من سابقاتها من حيث الحصاد النهائي وانه لا بديل عن نقل مهمة المبعوث الاميركي دانفورث مباشرة من جبال النوبة إلى جنوب السودان.