ترفض اسرائيل الاعتراف بفشلها الذريع في اختراق حائط المقاومة الشعبية المصرية للتطبيع وظلت طيلة اكثر من عشرين عاما هي عمر اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها انور السادات الرئيس الراحل مع الارهابي مناحم بيجين رئيس الوزراء الصهيوني تطلق الحملات والمزاعم للضغط على الحكومة المصرية لتحويل ما تعتبره تل ابيب سلاما باردا الى سلام دافيء، متجاهلة حقيقة ان تحرك الشعوب ليس بحاجة لقرارات وان استمرار المشروع الصهيوني العدواني التوسعي كفيل وحده بابقاء الصراع في حالة تأجج ويحيل تلك الاتفاقيات الى التقاعد عمليا. وفي تحول جديد في سياق استراتيجية الائتلاف الصهيوني المتطرف الحاكم في اسرائيل لاتجاه تحييد مصر نهائيا وابعادها عن دائرة الصراع، باستخدام الابتزاز السياسي والضغط وتكثيف الحملات الاعلامية ضد جيش مصر وتصويره على انه الهاجس الاول والتشكيك في خطط تعمير وتنمية سيناء والبحث عن مغزى عسكري لها. وجاءت اخر هذه الحملات في ملف خاص لصحيفة «معاريف» العبرية عن الجيش المصري وخطط تحديثه وتسليحه وعن كوبرى السلام الرابط بين سيناء والدلتا. الملف الموسع بدأت سطوره بالتأكيد على أنه رغم التزام مصر بتعهداتها في كامب ديفيد إلا أنه من المقلق قيام مصر ،منذ عدة سنوات، بتدريبات على التصدى لهجمة نووية من دولة مجاورة تمتلك 200 رأس نووي وهي المواصفات التي تنطبق على إسرائيل فقط. مناورة بدر في قناة السويس تقلق اسرائيل تقرير الصحيفة الإسرائيلية كشف مجددا عن الأثر النفسي الهائل للمناورة بدر 2 التي أجريت في 1996 حيث قال: رغم انها لم تتكرر منذ نحو ست سنوات إلاأنه من الواضح أن وزير الدفاع المصري يبني القوات المسلحة بهدوء وإيقاع ثابت بدون اللجوء لجلبة دعائية، كما رصدت له تصريحات تؤكد على استعداد القوات المسلحة للتحول من وضع السلام لوضع الحرب في فترة قياسية وأن مصر مستعدة لصد هجمات من إسرائيل في حالة قيامها بتلك الخطوة، وهي تصريحات تكررت أيضا على لسان عدد من كبار قادة القوات المسلحة على فترات متباعدة من الواضح ،والكلام هنا للمحلل الإسرائيلي، أن المقصود بها توصيل رسالة مفتوحة للجانب الإسرائيلي. الصحيفة الإسرائيلية نسبت لقادة في الجيش الإسرائيلي والمخابرات الحربية (امان) قولهم أنهم لا يتوقعون نشوب حرب قريبة ضد مصر ،وأنهم يصدقون تصريحات القيادة السياسية في مصر بأن السلام خيار استراتيجي لسنوات طويلة مقبلة على الأقل وبالتالي فإن السؤال الذي يشغل تل أبيب وقادتها هو لماذا تحرص مصر على بناء جيش قوي إلى هذه الدرجة؟ وهو السؤال الذي حاولت الصحيفة أن تبدأ الإجابة عليه بإشارتها إلى أنه منذ تولى المشير حسين طنطاوي منصب وزير الدفاع في عام 1991 وهو يركز على شراء العتاد العسكري المتقدم من الدول الغربية بالإضافة لإرسال عشرات الضباط لبعثات تدريبيبة. واسترسلت الصحيفة تقول: الجيش المصري يبلغ تعداده 450 ألف مقاتل في القوات النظامية بالإضافة ل250 ألف آخرين في قوات الاحتياط ثم انطلقت الصحيفة تستعرض أعداد الفرق وألوية القوات الخاصة والقوات عالية التدريب التي يمتلكها الجيش المصري. وخصت بالذكر سلاح بالبحرية واصفة إياه بأنه أكبر من سلاح البحرية الإسرائيلي. تل أبيب كانت قد حاولت إلغاء صفقات أسلحة أمريكية لمصر إلا أن الكونجرس والإدارة الأمريكية اعتبروا أن مصر تحتاج لمثل هذه الأسلحة الحديثة للدفاع عن قناة السويس وزعم التقرير أن مصر تمتلك صواريخ سكود سي ذات المدى الذي يصل لخمسمئة كيلو متر وكذلك 24 منصة إطلاق مما يتيح إطلاق عدد كبير من الصواريخ في نفس الوقت لتصل جميعا لنحو 200 كم في قلب إسرائيل. ميزانية الجيش المصري لغز إسرائيل لم تفلح في تقدير ميزانية الدفاع المصرية وقالت أنها لا تزال لغزا لكن وفقا لتقديرات غربية فإنها تبلغ 10% من جملة الإنتاج القومي حيث يتم شراء منظومات دفاع جوي من الصين وسفن من أسبانيا وروسيا ولكنها في المقابل عبرت صراحة عن مخاوفها من تحول شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة في الستينيات إلى «لا صوت يعلو على صوت التنمية» إلى مصدر خطر على إسرائيل حيث تخشى تل أبيب أن يتم بناء منظومات وبنية تحتية عسكرية في سيناء بشكل خاص تحت ستار مبان مدنية استثمارية، وخصت الصحيفة بالذكر عمليات حفر (أنفاق) تحت قناة السويس وبناء أحياء سكنية للضباط ، كما عبرت عن قلقها حتى من «كوبري السلام» فوق مياه القناة (!) فهو جزء من خطة شاملة لنقل المدرعات المصرية بسرعة لقلب سيناء ، الصحيفة كشفت أيضا أنه بالإضافة للكوبري الذي تم افتتاحه منذ عدة أشهر فإن الجيش الإسرائيلي ومراكز الأبحاث التابعة تقوم بمراقبة النشاط العمراني والاقتصادي في سيناء بهدف معرفة النوايا المصرية الحقيقية الكامنة وراءها(!) وقد أجمعت التقديرات إلى أن عمليات البناء تلك تهدف فقط لأغراض مدنية. من جانبه صرح دكتور «يوفال شتينيس» عضو الكنيست المتطرف ورئيس لجنة تنمية الجيش الإسرائيلي به: أنا أتابع تطوير الجيش المصري منذ سنوات وأقول بوضوح إنه يستعد للمعركة القادمة ضد إسرائيل، واسترسل عضو الكنيست الذي يمثل الليكود والذي يراقب منذ خمس سنوات أنشطة الجيش المصري عن بعد، لمصر مشاكل اقتصادية وهي في نفس الوقت لا تعاني من مشاكل حدودية مع جيرانها ومع ذلك فإنها تنفق على الجيش وشراء الأسلحة وإجراء التدريبات أكثر مما هو معلن ، وعبر عضو الكنيست في وقاحة عن شكه في مصداقية تصريحات المتحدثين المصرين بشأن السلام قائلا إن من يرغب في السلام يتحدث عنه ويؤكد أنه يرغب فيه والعكس، ولا يوجد جيش أو زعيم يعلن أن استراتيجيته هي الحرب، الصحيفة الإسرائيلية نقلت عن عضو الكنيست نفسه أن المسئولين المصريين عندما يقومون بشراء منظومات عسكرية فإنهم يحرصون على الوقوف على مقدرتها في التعامل مع الأسلحة التي بحوزة إسرائيل، وأضافت أن عدداً من المسئولين في مصر لم يخفوا سعي مصر لمعادلة قوة إسرائيل الاقتصادية والعسكرية. قمر أفق الاسرائيلي يتجسس على العرب دكتور يوفال شتينيس قال أيضا أنه يرى أن تصريحات الرئيس مبارك خلال الأزمة الإسرائيلية مع سوريا والتي حركت فيها دمشق بعض قواتها في لبنان لمواجهة إسرائيل والتي قال فيها لن تنشب حرب لأن مصر لا تعتزم الدخول فيها، وهذا يعني أن الحرب القادمة ستشارك فيها مصر. من جانبه قال مسئول مصري للإسرائيليين أنتم تطورون أسلحتكم بشكل يومي وأرسلتم مؤخرا قمر التجسس افق 5 للفضاء وبعد ذلك تسألوننا لماذا نطور جيشنا، عليكم أن تعرفوا أنه طالما ظل الجيش الإسرائيلي يحتل أراضي فلسطينية وعربية فلن تصبحوا أبدا دولة طبيعية، التقرير الإسرائيلي في النهاية يشير إلى أن المشير طنطاوي وزير الدفاع المصري ترشحه دوائر سياسية لم يفصح عنها لخلافة الرئيس مبارك. ويبدو أنه موسم الهجوم على مصر قد بدأ، فعلى خلفية زيارة الرئيس مبارك لواشطنن هاجم متخصص في شئون الشرق الأوسط الزيارة وسياسة القاهرة (وصحفها وتلفزيونها) تجاه تل أبيب وهو ما يعني في الواقع نجاحاً للسياسات القومية العربية التي تسبب قدرا كبيرا من الإحباط للإسرائيليين وتدفعهم لنسج المؤامرات وحملات التشويه من حين لآخر. من النماذج الحديثة على ذلك ما كتبه جي باخور في صحيفة «يديعوت احرونوت» منذ أيام حيث انطلق نحو هدفه منذ البداية قائلا: قبل عشرين سنة، وبعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر، اعتقدنا أن الوقت سيأتي بالثمار المرجوة منه، وسيظهر جيل جديد لم يخض معارك مع إسرائيل، وشيئا فشيئا تتطور علاقات طبيعية بين الدولتين، ولكن آمالنا خابت، ومن يعاين الصحف المصرية يمكنه أن يستنتج أن هناك حربًا تدور بيننا وبينهم، فالتحريض ضد إسرائيل، وحتى ضد اليهود، وصل إلى أرقام قياسية لم نعهدها من قبل. حمدي قنديل يحرض ضد اسرائيل واسترسل تقرير «يديعوت احرونوت» يزعم في وقاحة: نظام حكم مبارك، الذي اهتم دائمًا بالتأكيد للمعارضة المصرية أن الحديث لا يجري عن معاهدة سلام حقيقية مع إسرائيل (مبارك نفسه يمتنع عن زيارة إسرائيل)، ولا يبذل مجهودًا كبيرًا من أجل كبح جماح الوضع الراهن، ويمكن لنا أن نشاهد، عبر التلفزيون المصري الرسمي، أشخاصًا محترمين، أمثال الصحفي حمدي قنديل، ممن يحرضون بشدة ضد إسرائيل، فمجمل التجارة المتبادلة الذي لم يكن كبيرًا بشكل خاص أبدًا، والذي وصل ذروة المئة مليون دولار سنويا، هبط في السنة الماضية الى خمسة وخمسين مليون دولار (رغم استمرار بيع النفط المصري لإسرائيل بشكل عادي) في ابريل من هذه السنة، ومع بدء حملة «السور الواقي» أعلن المصريون عن وقف جميع العلاقات مع إسرائيل ما عدا العلاقات الدبلوماسية، وهكذا بقي القليل من اتفاقية السلام، عدا الثبات العسكري، المغلف ظاهريًا بعلاقات دبلوماسية. هناك من يعزّون أنفسهم بهذا الوضع الذي لا توجد فيه حرب، وفي الوضع الإقليمي الذي نعيش فيه يعتبر هذا إنجازًا برأيي، العلاقات المصرية الإسرائيلية هي إضاعة فرصة تاريخية، نابع من مخاوف نظام الحكم المصري ومن رغبته في إرضاء العالم العربي، على حسابنا (والكلام المثير للسخرية لا يزال لكاتب يديعوت احرونوت). وإذا رأى نظام الحكم المصري في العلاقات مع إسرائيل كعلاقات ضرورية بالنسبة له، فسيعود السلام ليكون دافئا ومزدهرًا، كما كان دافئا في الفترة التي سبقت إعادة شبه جزيرة سيناء، حتى أبريل عام 1982. كيف نقوم بذلك؟ مصر في أمَس الحاجة إلى المساعدة الأميركية السنوية (التي تبلغ 2.9 مليار دولار) وإسرائيل هي الأخرى تستفيد استفادة غير قليلة من المساعدة الأمريكية لها (29 مليار دولار) بدأت إسرائيل بتلقي هذه المبالغ مقابل التنازل عن سيناء، ومصر، كمقابل لاستعدادها للسلام مع إسرائيل للوهلة الأولى هذه أموال سلام، ولكن كل دولة تستعملها بشكل أحادي الجانب، وقسم منها يعود الى الولايات المتحدة من خلال صفقات سلاح ضخمة من جانبنا ومن جانبهم. بحث الكونغرس الأميركي، المسئول عن المساعدات الخارجية، في وجوب تدفئة العلاقات المتجمدة بين مصر وإسرائيل، ويمكن للكونغرس تحقيق ذلك بذكاء، لو خصص قسمًا من تلك المساعدة للجانبين، لنفترض 100 مليون دولار من كل جانب في السنة فقط لمشاريع مشتركة، لنتج عن ذلك محفز للدولتين للمبادرة الى مشاريع من هذا النوع، وهكذا كانت ستتم مضاعفة استعمال هذه الأموال: كانت هذه الأموال ستصل في نهاية الأمر الى مصر وإسرائيل ، وتنتج نسيجًا مشتركا للدولتين، وبالطبع، سيعود ذلك على مصر بالفائدة في مجالات مثل الزراعة، الطاقة، السياحة والصناعة، ويمكن لنظام الحكم المصري أن يقول للرأي العام المصري إن التعاون المشترك المتجدد مع إسرائيل ليس فقط نتاج ضغوط أميركية، إنما مصلحة قومية مصرية، وإسرائيل، من جانبها، ستبدأ بتحصين اتفاقية السلام المركزية جدًا بالنسبة لها مع أكبر وأهم دولة عربية.