شيء غريب حدث لارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي ابان توجهه للبيت الابيض. قبل ايام فقط توجه الى واشنطن هادئا مطمئنا ومحمولا على اجنحة موجة المساندة، والدعم الشعبي له ولسياسته. ولكن رغم أن زيارته للعاصمة الاميركية اعتبرت زيارة ناجحة مثيرة الا انه عاد رغم ذلك مرهقا مكتئبا وفي جعبته اسباب جيدة لهذا القلق. ربما كانت هناك بعض المبالغة في تشبيه زيارته الحالية بزيارة اسحق رابين للخارج في شهر ديسمبر 1987 عندما اندلعت الانتفاضة الاولى خصوصا ان شارون خلافا لرابين في حينه كان يفهم حجم الضربة التي نزلت على رأسه. على شارون ان يدرك ان الازمة الاقتصادية التي اشتعلت في الاسبوع الذي كان خلاله في الخارج هي بمثابة انباء سيئة مئة بالمئة بالنسبة للدولة ولمواطنيها وله شخصيا. وحتى الرئيس جورج بوش نفسه يبدو في ظل هذه الظروف شخصا غير ذي صلة. كل من يقرأ الاستطلاعات في الآونة الاخيرة يعرف ان اداء شارون الاقتصادي ـ الاجتماعي هو عقب أخيل السياسي بالنسبة له. وانه الطاقة التدميرية المحتملة التي لم تستنفد بعد. الامر الذي انقذ شارون حتى الآن كان ان الشئون الاقتصادية ازيحت جانبا رغم المؤشرات الحاسمة التي بدت عليها بسبب الاوضاع الامنية. اما الآن فقد اطلت هذه الاوضاع برأسها ووصل الوضع الاقتصادي الى مستوى الازمة فبدأ الوعي والفهم يتغيران. فجأة ظهر شعور بان الجيش يحترق بينما يتواجد الاطفائي في الخارج. شارون حصل حتى الآن على اعتماد وتخويل سخي من الاسرائيليين. الرأي العام ادرك ان لدى رئيسه سلم اولويات وان الوقت ليس ملائما لسداد الديون الاقتصادية. طالما كان بال الجمهور مشغولا «بالارهاب» وبعرفات كان لديه استعداد للاكتفاء بوعود شاورن المقطوعة له: ولكن ما ان نشأت الاجواء الطارئة الحقيقية تلقى شارون مثل زبائن كثيرين في هذه الايام مكالمة هاتفية من البنك تطالبه بان يأتي على وجه السرعة لتغطية رصيده الذي يعاني من السحب الزائد. الاقتصاد كما يقول الاقتصاديون انفسهم هو مسألة نفسية بدرجة كبيرة وليس مجرد ارقام جافة جامدة. ان كان الركود قد اثار القلق حتى الآن فان الازمة الاخيرة قد حولته الى حالة هستيرية مرعبة. الجمهور كله باستثناء الفقراء المتمردين والاثرياء المفرطين شعر فجأة ان جيبه فارغة وان الارض تهتز من تحت اقدامه. ان لم يعرف شارون كيف يهديء الخواطر والنفوس في الايام المقبلة فان هذا الجزع الوجودي قد يضعف مكانته حتى النخاع. في حاشية شارون هناك من يعتقدون ان التركيز على الشئون الاقتصادية مؤقت وان الشئون الامنية ستعود لاحتلال العناوية الرئيسية. قد يكونون محقين في ذلك. ولكن من الممكن ايضا ان يكونوا قد قللوا في موقفهم هذا من خطورة الانهيار الاقتصادي وهم يتجاهلون في نفس الوقت الحقيقة المخيفة بحد ذاتها وهي ان «الارهاب» ليس كما كان في الايام الخوالي. في الاسبوع الماضي فقط حدثت في مفترق مجيدو احدى العمليات الاشد في تاريخ الدولة ومع ذلك اختفت بعد اسابيع في زوايا في الذاكرة خلال اقل من 48 ساعة وعدنا الى الجدول المعتاد. الجمهور يعتاد أيضا على روتين الفظاعة والرعب. اما قضايا الاقتصاد والمجتمع فلن تختفي بسرعة في هذه المرة ولذلك يحتمل ان يكون شارون قد تجاوز الخطوط من هذه الناحية وانه لا يستطيع كما حدث سابقا ان يتجاهل كون مستقبله مربوطا من الآن فصاعدا بالاقتصاد. من الناحية الاخرى هناك من يعتقدون ان «الضربة الاسطورية» تتربص خلف الزاوية وان «الرد الاسطوري» سيتبعها فينشأ وضع جديد تماما ستعتبر المصيبة الحالية بالمقارنة معه مسألة هامشية. وللازمة الاقتصادية الحالية آباء كثيرون بدءا من الركود الدولي وهبوط صناعة التكنولوجيا المتطورة وانتهاء بالفساد وعدم وجود قيادة حقيقية على رأس الدولة العبرية ولكن في هذا الاسبوع اوضحوا للجمهور كل مساء وصباح بشكل واضح ان الوضع الامني هو السبب الاساسي للمشكلة الاقتصادية التي لن تحل من دون حسم. «الارهاب» الفلسطيني يرسل ضحاياه افرادا للقبور الا انه جر الاقتصاد القومي نحو الهاوية. الجمهور لا يميل بشكل تقليدي الى ربط وضعه الاقتصادي الشخصي بوضع الدولة الامني العام. كما كان الجمهور قد كبت في الواقع العلاقة بين النتائج السياسية لاتفاقيات اوسلو وبين الازدهار الاقتصادي في اوساط التسعينيات. فهو يفضل عدم التفكير كثيرا بالضرر الاقتصادي الناجم مباشرة عن تواصل الانتفاضة. من هذه الناحية من المحتمل ان تكون قد حدثت في هذا الاسبوع يقظة جماهيرية جماعية. ان كان هذا الجمهور مستعدا حتى الآن للسماح لشارون بان «يلعب على الوقت» لارهاب عرفات و «التغلب على الارهاب» فان الازمة الاقتصادية التي تزداد حدة قد شغلت جهاز الانذار. ان كان لدى شارون وقت فقد انتهى على ما يبدو الآن. نتيجة لهذا التغيير ستنشأ ضغوط متناقضة قاسمها المشترك هو الرغبة والحاجة في حسم الامور لهنا او لهناك من اجل انهاء العنف والازمة الناجمة عنه بسرعة والعودة قدر المستطاع للحياة الطبيعية. بدلا من التسليم بالوضع الراهن الذي ميز الرأي العام في الفترة الاخيرة سيزداد تأييد الحلول الراديكالية سواء باتجاه حل عسكري مكثف ام باتجاه تسريع التحركات السياسية او باتجاه حل «يعتمد علينا فقط» أي الفصل من جانب واحد. الرابح من كل ذلك هو بنيامين نتانياهو الذي شخص نقطة ضعف شارون وسارع الى وسائل الاعلام مع «البديل» الاقتصادي وهو يلوح بحل يقوم على «ضربة واحدة». رامون ايضا من الرابحين وهو الذي يرتبط اسمه سلبا او ايجابيا بالجانب الاقتصادي ـ الاجتماعي والفصل احادي الجانب. بيريز أيضا من الرابحين حيث يعتبر انبطاحه غير المتوقع في الكنيست في هذا الاسبوع في النقاش حول التحقيق في «جرائم» اوسلو مؤشرا على ادراكه بأن ساعة الحسم قد لاحت بعد سنة من الاحاديث الفارغة. حيمي شليف «معاريف» العبرية