مخيم جنين، دخل بقوة إلى قائمة المجد والخلود الفلسطينية، كما دخل من قبله الى السجل الحافل بالتضحيات والمواقف البطولية العديد من المخيمات ومواقع اللجوء والشتات الفلسطينية . ففي الماضي القريب صمد مخيم الكرامة في الغور الشمالي قرب مدينة اربد الأردنية في العام 1968 وقاتل اباؤه جنباً الى جنب مع القوات الاردنية والفلسطينية قوات الغزو الإسرائيلية التي حاولت احتلال مواقع لها على الضفة الشرقية لنهر الاردن والقضاء على العمل الفدائي الفلسطيني الوليد، فشكلت معركة الكرامة وصمود مخيم الكرامة علامة بارزة على طريق نهوض وتطور الحركة الفدائية الفلسطينية الناشئة. (1) وهو ما كتبته ايضاً رحلة صمود ومأثرة مخيم تل الزعتر، ومخيمي صبرا و شاتيلا، و مخيمات: عين الحلوة، الرشيدية، البص، البرج الشمالي ...التي قاومت هجمات قوات الاحتلال على مدار أيام طويلة من صيف العام 1982 أثناء الغزو الصهيوني للبنان . فغدا مخيم جنين عنوان المرحلة، ورمز يلخص قصة أليمة، وحكاية لمأساة شعب بدأت خيوطها تنسج مع ولادة القضية الفلسطينية ووقوع النكبة الكبرى عام 1948، وفي المقدمة منها قضية اللاجئين الذين يمثلون أكثر من 65 بالمئة من تعداد الشعب الفلسطيني نصفهم خارج فلسطين في دياسبورا الشتات. (2) مخيم جنين، استشهد بعد مقاومة باسلة أذهلت العالم كله، وأثارت عند الفلسطينيين في الداخل والشتات الروح الوطنية العالية والثقة في اجتراح المآثر، واجتراح كل الوسائل والأنماط الكفاحية التي تمكنهم من البقاء وإدامة الحركة الوطنية التحررية على طريق العودة والاستقلال . فضلاً عما تركه صمود المخيم من بصمات أثرت على الشارع العربي وحركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في كل أنحاء العالم . فقد استعادت وقفة مخيم جنين الأجواء والمناخات الشعبية التضامنية العربية والدولية، وكشفت حقيقة وزيف الادعاءات الإسرائيلية الصهيونية التي طالما تشدقت بمقولات (محاربة الإرهاب). كما أثارت المقاومة الباسلة لمخيم جنين من جانب آخر، الألم العميق من الحالة الرسمية العربية التي لم تحرك ساكناً لإنقاذ اللاجئين الفلسطينيين المحاصرين داخل المخيم من بين أنياب عدو فاشي، كما تكرر العجز ذاته في إنقاذ المناضلين الـ 39 الذين حوصروا داخل كنيسة المهد في بيت لحم أثناء حملة شارون الدموية المعنونة تحت اسم (السور الواقي) فتم ترحيلهم باتفاق جائر خارج فلسطين. (3) الكلام والمجزرة ومن هنا ومع أهمية أشكال الدعم المادي الذي تم تقديمه للمؤسسات والقوى والسلطة الفلسطينية، لم نسمع أو نر على المستوى العملي الآخر المباشر اللهم سوى الكلام اللفظي أو العاطفي الذي لاينقذ شعباً من المجزرة، وبعض ما تيسر من جهد سياسي على المستوى الدولي لم يرتق إلى مستوى التضحيات الجسام التي قدمها أبناء المخيم ومدن: جنين، بيت لحم، ورام لله، ونابلس وسائر الارض الفلسطينية، فبقي الفعل العربي الرسمي عند حدود ضيقة لا تتجاوز الفعل الإعلامي، ووصل في حالاته حدود «التوسل» لدى الادارة الأميركية. (4) معركة الدفاع عن مخيم جنين فتحت الجرح المتقيح الذي راكم الاحتقان بشكل متواصل منذ انطلاقة تسوية مدريد ـ أوسلو والتهميش الذي أصاب قضية اللاجئين،والعزوف العربي والفلسطيني الرسمي عن رعاية وحماية حق العودة. فقد أصاب التآكل صلب العملية التفاوضية التي انحدرت هبوطاً متتالياً عن حلول الشرعية الدولية، وأضحت قضية اللاجئين جزءاً منسياً وانكشفت هزالة التسوية التي بشروا بها، وتبخرت أحلام البناء القادم لسنغافورة الشرق الاوسط في فلسطين ودول الطوق كمحصلة لعملية التسوية. على كل حال، إن الصمود الأسطوري الذي سطره المدافعون الفلسطينيون في القتال ضّد قوات الاحتلال، وصد هجماتها على المخيمات في مناطق رام الله و نابلس وجنين وبيت لحم، أعاد إلى الأذهان الصمود ذاته الذي كتبته مخيمات غزة أثناء الاجتياح الصهيوني الأول خلال عدوان 1956، وفي السنوات الأولى من احتلال عام 1967 ، كما في الانتفاضة الأولى بين أعوام 1987 ـ 1993، فضلاً عن الصمود المستديم لمخيمات الشتات الفلسطيني عبر المسيرة المعاصرة للثورة الفلسطينية منذ عام 1965. (5) لقد أيقظ مخيم جنين في الذاكرة الحية شريطا طويلا من التراجيديا الفلسطينية التي تكررت منذ وعد بلفور حتى اللحظة الراهنة عبر ثنائية فريدة: نكبة وصعود، صمود وبقاء، مقاومة واستمرارية بالرغم من التداعيات التي أصابت العمل الوطني الفلسطيني في كل مرحلة من مراحل النهوض خلال العقود الأخيرة . وهكذا تحول مخيم جنين إلى علامة مضيئة في سماء فلسطين وأنغرس في الوعي الجمعي لجيل وجيل يصعد من أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، يشق دروبه نحو الحياة الحرة الكريمة ويعيش الحلم الفلسطيني المشروع بالعودة والاستقلال تحت شمس فلسطين . لا للأمر الواقع إن مخيم جنين الذي تحول إلى برميل بارود بوجه الاحتلال يلخص مرة ثانية حجم القضية الفلسطينية، ويعيد مرة ومرة إلى الصدارة قضية اللاجئين وحق العودة . فقضية اللاجئين الفلسطينيين لن تقف إلى الأبد عند حدود الأمر الواقع الإسرائيلي، كما برهن على هذا صمود مخيم جنين، والدور الملحوظ والأساسي لأبناء المخيمات في المقاومة والانتفاضة داخل فلسطين، حيث شكّل المخيم الفلسطيني ومازال الخزان البشري ووعاء الطاقة الذي لا ينضب في رفد وتعبيد مسار الثورة والنهوض الوطني الفلسطيني في اطار قوى منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المقاتلة (6)، والحركة الاسلامية في فلسطين التي انضمت بعد العام 1988 الى مسيرة العمل المقاوم في فلسطين . (7) وعلى أكتاف اللاجئين الفلسطينيين، وأبناء الشتات الفلسطيني منهم على وجه الخصوص عبرت منظمة التحريرالمحيطات نحو الأمم المتحدة عام 1974، وألقى ياسر عرفات خطابه المشهور، واعترف العالم بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. (8) وأشارت ملحمة الصمود في مخيم جنين إلى المسلمات التي طالما تم نسيانها داخل أدراج الأمم المتحدة وفي سياق تسوية مدريد ـ أوسلو المختلة فعناصر القضية الفلسطينية لاتقبل التجزئة أو التفكيك، أو المقايضة، أوالحلول المنقوصة التي جاءت بها تسوية مدريد / اوسلو، وسياسة (الخطوة خطوة ) الكيسنجرية الأميركية المعروفة. (9) وعليه انفجرت وانهارت مفاوضات كامب ديفيد 2 التي عقدت جلسات عملها صيف العام 2000 قرب واشنطن على خلفية الاستعصاء الكبير والعقبة الكأداء التي مثلتها قضية اللاجئين من أبناء فلسطين وحقهم في العودة، فضلاً عن قضية القدس وحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال بدولة مستقلة كاملة السيادة. (10) وعلى هذه الخلفية، لعل في الاستهداف الإسرائيلي المباشر والتركيز على المخيمات أكثر من معنى عسكري أو سياسي، يتعداه نحو مبتغى آخر تريد من خلاله الدولة العبرية ممارسة الشطب التدريجي للوجود المادي والمعنوي للمخيم الفلسطيني. وإنهاء التربة الخصبة المنتجة للكوادر الفلسطينية الفاعلة في صفوف حركة المقاومة المناهضة للاحتلال، وللتسوية اللامتوازنة الجارية منذ سنوات . فأكثر من 50 بالمئة من شهداء الانتفاضة حتى نهاية مايو 2002 هم من أبناء اللاجئين وتحديداً من أبناء المخيمات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. (11) كما أن 92 من بين 153 استشهادياً كان منهم من أبناء المخيمات في الضفة الغربية، بينما 54 منهم من قطاع غزة و 36 من أبناء المخيمات، و فدائي واحد من وراء خط 67، و 6 فدائيين جاؤوا من الشتات حتى كتابة هذه السطور. (12) وعلى هذا الأساس أيضا فان المتطرف الصهيوني بني آلون / رئيس حركة موليديت التي أسسها المقتول الجنرال رحبعام زئيفي صاحب نظرية الترانسفير والتطهير العرقي، يعلن في لقاء مع صحيفة معاريف الإسرائيلية بأن كل عملية عسكرية لاتنتهي بتفكيك مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ستكون على الدوام قد انتهت بشكل مبكر جداً (وذلك في إشارة إلى عملية) السور الواقي التي قادها شارون والطاقم الدموي في حكومته وأركانه العسكرية والأمنية. (13) إن تركيز قوات الاحتلال على المخيمات لا يقلل من حجم العدوان الإسرائيلي على باقي البلدات والمدن والقرى الفلسطينية، إلا أن المخيمات المكتظة باللاجئين الفلسطينيين المقيمين بالقرب من موطنهم الأصلي يجعل من الحالة الكفاحية، والاستعداد للعطاء حالة متقدة خاصة في ظل تسوية مختلة تجاهلت قضية اللاجئين وحقهم في العودة وفق القرار الدولي 194 الصادر عام 1948 وقذفت بمصيرهم نحن المجهول، إلى حلول التوطين والتهجير وتذويب الهوية الوطنية والقومية. (14) فالإدارة الأميركية والدولة العبرية تنظران في سياق التسوية الجارية للشعب الفلسطيني في الداخل معزولاً عن الشتات، وتعتبران بأن الفلسطينيين هم فقط سكان الداخل، وأن من هم في الشتات خارج دائرة الحل، وأن حلول قضيتهم تقع تحت سقف ما يطرح في المفاوضات متعددة الأطراف حلول (التوطين والتهجير). (15) ما جرى ليس مصادفة ومن هنا فان ماجرى على محيط ومداخل مخيم جنين والعدوان الفاشي الإسرائيلي الذي فاق كل تصور، يؤشر على مدى القلق والأرق الذي يقض مضاجع الاحتلال من وجود المخيم الفلسطيني ذاته أينما كان، وعلى الأخص داخل الأراضي الفلسطينية. وليس مصادفة أن نلحظ تزاحم الأفكار والمشروعات والاقتراحات التي قدمت منذ سنوات لإنهاء صيغة المخيم الفلسطيني تحت عناوين (برامج تطبيق السلام لفلسطينيي الشتات)، (إعادة التأهيل)، ومساعدة مجتمع اللاجئين في المخيمات والتجمعات الفلسطينية اللاجئة في الضفة والقدس وقطاع غزه فضلاً عن مخيمات سوريا ولبنان والأردن .(16) وخلال الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي الواسع الذي سطر به شارون جوابه السياسي / المادي على قمة بيروت العربية منذ صباح 29 مارس 2002 شكلت مخيمات منطقة بيت لحم ورام الله العنوان الأول للتصعيد العسكري العدواني الإسرائيلي، فبدأت قوات الاحتلال اجتياحها لمدينة رام الله بقوام عشرين ألف جندي نظامي حسب تأكيدات شاؤول موفاز رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أثناء اجتماع لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست يوم 12 ابريل 2002 . (17) فاجتاحت قوات الاحتلال المدينة من عدة اتجاهات في شمالي المدينة، وبعد قصف وحصار تناول مخيم الأمعري وهو المخيم الذي قدم الاستشهادية وفاء علي إدريس كتائب شهداء الأقصى، الأمر الذي تكرّر في منطقة بيت لحم حيث مخيمات: الدهيشة الذي قدم ايضاً الاستشهادية آيات لطفي الاخرس كتائب شهداء الأقصى، العزّة ( بيت جبرين)، قدورة، عين بيت إلما، عايدة، دير عمار، الجلزون، التي تضم أعدادا وفيرة من أبناء مناطق وأقضية يافا واللّد والرملة المحتلة منذ العام 1948، فضلاً عن مخيمات قلنديا وشعفاط بين القدس ورام الله، ومخيم غزة (عناتا وسلواد). وفي نابلس حيث مخيمات: عسكر الذي قدم اخر استشهادي حتى كتابة هذه السطور الشهيد أسامة بوشكار (كتائب الشهيد ابوعلي مصطفى) بطل عملية نتانيا يوم 19 مايو 2002، والشهيد عيسى بدير منفذ عملية ريشون ليتسيون الثانية 23 مايو 2002، والشهيد ماهر شكوكاني منفذ عملية تل أبيب 24 مايو 2002 وهما من كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لحركة فتح) . ومخيم بلاطة الذي قدم الاستشهادية دارين ابو عيشة (كتائب شهداء الاقصى)، ومخيمي جنيد، والفارعة، وسواعد اليافاويين وابناء منطقة الرملة اللاجئين في رد قوات الاحتلال ومنعها من دخول قلب المخيمات، والحال ذاته في منطقتي الخليل وأريحا جنوب الضفة الفلسطينية حيث مخيمات: عقبة جبر، عين السلطان، النويعمة، العروب، الفوار، ومخيم العوجا . اضافة الى مخيمات طولكرم ونور شمس شمال الضفة الغربية .