الملف السياسي: صارت ظاهرة التصعيد السياسي مرتبطة بشكل وثيق مع توجهات الحملة الاميركية على ما تسميه بالارهاب ذلك الحبل الجديد الذي مدت اطرافه لتصفية كل المسائل العالقة بين معظم الدول، وعلى الرغم من ان التوتر بين الهند وباكستان كان عنواناً رئيسياً في شبه القارة الهندية الا انه في هذه المرحلة اصبح يأخذ منحى جديداً بعيداً عن المشكلة الرئيسية التي تشغل كلا الطرفين وهي المسألة الكشميرية حيث باتت تتصف المرحلة الحالية بتصفية حسابات داخلية وخارجية مرهونة بادارة واشنطن ورغباتها في ترتيب المنطقة وعولمتها كما يحلو لها ويطابق هواها ما ينذر بمستوى جديد للأزمة. ولعل ارتباط الصراع الهندي الباكستاني صار اليوم يحمل مجموعة من الدلالات المستحدثة على واقع الازمة ومن المعروف ان باكستان خلال مشوار الصراع غالباً ما كانت تلجأ الى التهدئة مع بداية اية توترات تنشأ بينها وبين الهند ولكن المرحلة الاخيرة تغيرت فيها المفاهيم السياسية مع التغيرات الاستراتيجية الجارية في جنوب اسيا ووسطها مما دفع الجانب الباكستاني هذه المرة للوقوف موقف المتحدي امام التصريحات الهندية وبالطبع فإن هذا الموقف الجديد مرتبط بالداخل الباكستاني من جهة وبحرب الولايات المتحدة في افغانستان من جهة اخرى او لنقل ما فرضته هذه الحرب على طرفي النزاع (الهندي ـ الباكستاني) من مستجدات طارئة في التعاطي مع المسألة بابعاد مختلفة. لنقرأ بداية مستوى التحولات الخطيرة في قضية التصعيد وانعكاساتها على واقع الازمة، فمن المعروف ان حالة الصراع مازالت قائمة منذ التقسيم الاستعماري المبني على اساس ديني بين البلدين مع بقاء مسألة الحدود عالقة ومتمثلة في القضية الكشميرية بشكل خاص، ولكن يبدو ان الواقع الاستراتيجي اليوم يختلف عن الماضي التاريخي العسكري وما فجر من حروب هندية باكستانية مع فترات هدوء تشغلها المناوشات العسكرية على مدى اكثر من نصف قرن، واذا كان شبح الحرب النووية صار المهدد الاكبر لطرفي الصراع فإن اية حرب مهما كان شكلها وحتى لو لم تستخدم فيها الاسلحة النووية ستكون بلا شك مدمرة لكلا الطرفين سواء على المستوى البشري او المستوى الاقتصادي المرهق بالاصل، ويمكن قراءة هذا التدمير من خلال القدرات العسكرية التي يملكها الطرفان. فعلى مستوى الحشود العسكرية الحالية على الحدود قاربت المليون جندي لدولتين تمتلكان قدرات هجومية استراتيجية كبيرة بغض النظر عن القدرات النووية، وبلغة الارقام فالقوات الباكستانية تضم في صفوفها 620 الف عسكري ضمن الخدمة مقابل مليون و 263 الف عسكري هندي، وتمتلك باكستان طائرات حربية تقدر بحوالي 360 طائرة مقاتلة مقابل 740 للهند، اما عدد القطع البحرية الباكستانية فهو ثمانية قطع مقابل سبع وعشرين للهند اضافة الى عشر غواصات باكستانية ومقابل سبع وعشرين هندية. ان هذه القدرات العسكرية بحد ذاتها تشكل مشروعاً تدميرياً كبيراً لكلا الطرفين اللذين يمتلكان مجموعة من الصواريخ المدمرة التي تستطيع الوصول الى عمق البلدين ببساطة شديدة. وبالطبع باستثناء الصواريخ النووية التي يمكن ان تقضي وحدها على ثلاثة ملايين شخص كحد ادنى. بل ان هناك بعض الارقام التي تقول بأنها تستطيع القضاء على 17 مليون شخص وهذا الرقم مرهون بالكثافة السكانية المتواجدة في البلدين، اما الخسائر المادية فقد تصل كتكاليف حرب الى 30 مليار دولار علماً ان الهند وباكستان مازالتا تعتبران من الدول الافقر في العالم ومازالتا تقدمان عصارة اقتصادهما لبرامج التسليح لذلك تبدو مسألة الحرب بين البلدين مدمرة حتى مع عدم استخدام الاسلحة النووية مما يعطي نتائج شديدة الخطورة لا تهدد الهند وباكستان فحسب بل جنوب اسيا بأكمله ومع مجمل التداخلات السياسية التي يشهدها العالم فإن هذه المشكلة لابد أن تؤثر بشكل كبير على اسيا الوسطى وبالتأكيد ستظهر المساعي الحثيثة لتوازنات جديدة ولكنها خطيرة على مستقبل العالم بأكمله. حسابات التوازنات في شبح الحروب المدمرة تظهر حسابات طارئة لعلها في هذه المرحلة تنتمي الى جديد الحسابات الباكستانية الهندية فباستثناء المعارضة الداخلية المتواجدة على ساحة كلا البلدين والتي غالباً ما تلعب دوراً مهماً في تصعيد الازمات وتفجيرها تبدو في الافق غيوم متلبدة مختلفة الالوان ومتعددة الروائح تحوم حول شبح الحرب تتناوب حدتها في كل بلد من بلدي الصراع وفي ظل كل ذلك فإن الروح الداعية لتخفيف حدة التوتر التي كانت تتمتع بها باكستان بدأت تتغير بشكل ملحوظ في المرحلة الاخيرة وصارت سماتها المميزة الحدة كما هي الحال في الهند وذلك لمجموعة من الاسباب ضمن الظروف المحيطة التي ساعدت كثيراً على هذا التغيير حيث يبدو في مقدمتها التفسير الذي التجأت اليه الهند لمحاولات باكستان في اللجوء الى المفاوضات وبالتأكيد فإن الهند قامت بذلك من اجل اقناع شعوبها بقوتها وفي مقدمتها المعارضة ولكن ان تفهم الحكومة الهندية ان ذلك يعتبر ضعفاً فهذا لا يرضي باكستان التي فهمت بعض اطرافها ان الموقف يحمل الكثير من التفسير الهندي وهذا ما حملته المعارضة على الزعيم الباكستاني الجنرال برويز مشرف ايضاً فقام الاخير بردود عملية في مقدمتها مجموعة من التجارب الصاروخية الجديدة وهو الذي يقول منذ البداية عن التجارب النووية: «بأنها صححت التوازن الاستراتيجي الذي قد اختل قبل ذلك بسبب جيراننا «في اشارة منه الى الهند التي سبقت باكستان بتجاربها النووية». ومع هذا التصعيد الجديد بين البلدين ضاعت بعض المفاهيم السياسية الخارجية، فاسلام اباد التي وفقت مع الولايات المتحدة في حربها الافغانية لابد انها تحلم بمكافأة اميركية ونيودلهي التي وقفت ذات الموقف تدعي بأنها تحارب الارهاب حسب المفهوم الاميركي وهذا ما يرضي واشنطن التي باتت منغمسة في المفهوم الفضفاض للارهاب او لنقل المفصل على طريقة بوش ومقاساته وحاجات بلاده السياسية والاقتصادية. ومع وجود الطرف الاميركي في حالة النزاع فقد فشلت كل وساطاته التي ارسلتها واشنطن كما في جولة وزير دفاعها رامسفيلد وكذلك وساطة بريطانيا الفاشلة التي ارسلت بدورها جاك سترو، وفي الواقع ان مستوى الوساطة لم يكن جدياً بما فيه الكفاية بل جاءت مجرد رفع عتب والاغرب من ذلك ان الطرفين الاميركي والبريطاني تصرفا بشكل يدعو الى القلق من احتمال نشوب حرب فقاما بترحيل رعايا البلدين وهي اشارة مبطنة لتصعيد الازمة وبالمقابل اشارة الى السماح لروسيا بالتدخل مكافأة لها من واشنطن على انضمام موسكو الى المعسكر الغربي وهنا دخل الطرف الجدلي في النزاع الهندي الباكستاني، فكيف تصرفت روسيا في هذه الازمة؟ رغم اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان وساطته مازالت قائمة الا ان بوادر فشلها ظهرت في فشل قمة ثلاثية تضم اضافة الى روسيا الزعيمين الباكستاني برويز مشرف والهندي اتال بيهاري فاجبايي حيث كانت موسكو تأمل ان يعقد هذا اللقاء على هامش «قمة التعاون واجراءات الثقة في اسيا» التي عقدت في «الما آتا» العاصمة التجارية لكازاخستان، ويبدو ان التدخل الروسي في هذا التصعيد يختلف تماماً عن سابقه السوفييتي لمجموعة من الاسباب يبرز في مقدمتها ان موسكو الروسية لم تعد بقوة موسكو السوفييتية التي استطاعت ان تحقق المصالحة بين الهند وباكستان عام 1966 حينما اخمدت نار حرب مدمرة معرضة للاشتعال في اية لحظة وحينما استطاع الاتحاد السوفييتي ان يجمع بواسطة رئيس وزرائه «اليكسي كوسيجين» الزعيم الباكستاني «ايوب خان» والهندي «لال بهادور شاستري» رغم انه وفي ذلك الوقت كان الجانب السوفييتي يدعم الهند ويسلحها وكانت الصين والولايات المتحدة تدعم باكستان ومعادلة التوازن هذه دفعت موسكو آنذاك للتدخل بقوة حفاظاً على استراتيجية التوازنات التي كانت قائمة في شبه القارة الهندية. اما الان فإن الوضع قد اختلف كثيراً فالتأثير الصيني بات ضعيفاً في هذه المسألة والدعم الاميركي لباكستان تغير بشكل كبير وبات خجولاً او لنقل شكلياً قياساً لما كان عليه في احداث 1966 اما روسيا فباتت بحد ذاتها بعيدة عن الموضوعية في أية تدخلات بين البلدين ويعبر عن ذلك وزير الدفاع الروسي سيرجي ايفانوف الذي ينتقد باستمرار اسلام اباد ويتهمها بالسماح للارهابيين حسب تعبيره بالتنقل من باكستان الى الهند بل انه يقول في هذا الموضوع: «هذا سيدفع نيودلهي لاتخاذ اجراءات مناسبة.. انه عمل لا يمكن غض الطرف عنه». وبعد تجارب باكستان الصاروخية الاخيرة سارع ايفانوف لوصفها بأنها استفزاز للهند. ومن هذا نرى ان اشارات التدخل الروسي في هذه الازمة غير واضحة سواء بسماتها الموضوعية او الخارجية فموسكو مازالت تقدم دعمها للهند على حساب باكستان مما يذكرنا بشكل ما بالرعاية الأميركية المنحازة لاسرائيل في عملية التسوية للصراع العربي الصهيوني. ومن اشكالية التدخل الروسي ينبع سؤال مهم يتمحور حول الاسباب الداعية لهذا التدخل ومباركة واشنطن له في شبه القارة الهندية؟ بداية الاجابة تقول ان ذلك يعتبر مكافأة لروسيا عما قدمته من تنازلات للولايات المتحدة في المرحلة الاخيرة سواء فيما يتعلق بالتسلح النووي ومعاهداته الجديدة او انضمام روسيا المشروط لحلف شمال الاطلسي (الناتو) ولكن هذا التدخل يثير بحد ذاته مجموعة من المتناقضات فالقيادة الروسية باتت ترى بعينها الخاصة ان المسألة الشيشانية تقارب بشكل ما المسألة الافغانية خاصة ان الطرف الجديد الطارئ في التوتر الباكستاني الهندي يتعلق بمحاربة الارهاب حسب تعبير نيودلهي وهذا ما يجعل هذه الشبكة المعقدة تتداخل في شباك خيوط الولايات المتحدة التي اطلقت العنان للوساطة الروسية لأنها في النهاية ستخدم مصالح واشنطن في جنوب اسيا وتغمض في الوقت ذاته عين موسكو عن السيطرة الاميركية في اسيا الوسطى مع طموح التفرد الاميركي القائم في العالم. وفي ذات الوقت فإن تدخل موسكو سيجعل واشنطن تقطف الثمار الانضج من تفاعلات الازمة فإذا ما نجحت روسيا في اخماد فتيل الحرب فإن واشنطن ستكون قد جعلت من وجودها العسكري في افغانستان امراً مسلماً به ومن وجودها الاقتصادي العسكري في اسيا الوسطى امراً محتوماً بل انها من جهة اخرى ستقف امام اي تقارب جيوسياسي بين الصين وروسيا هذا التقارب الذي كانت الولايات المتحدة تخشاه باستمرار، اما اذا فشلت روسيا فانها ستفقد الكثير من مكانتها العالمية وخاصة في جنوب ووسط اسيا وهو بالطبع سعي اميركي قديم يطرح نفسه الآن على الساحة العالمية بقوة كبيرة لذلك يبدو ان التدخل الروسي ومهما كانت مستوياته ونتائجه لن يكون في النهاية الا خدمة للمصالح الاميركية التي مازالت تسعى وبكل قوتها للسيطرة على العالم من اقصاه الى اقصاه ولكون الهند وباكستان قوتين نوويتين فإن واشنطن تريد السيطرة على قدراتهما وبالوقت ذاته لا ترغب في تفجير صراع نووي قد يضر بمصالحها في الوقت الحاضر لذلك من المحتمل ان تتدخل في الوقت المناسب ومن الممكن ايضاً ان يأتي تدخلها بعد نشوب حرب وقبل استخدام الاسلحة النووية وهذا ما سيجعل واشنطن تقطع خطوات كبيرة في الوصول الى قمة مشروعها الساعي لعولمة العالم. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق