الملف السياسي: تنذر الازمة الهندية ـ الباكستانية الراهنة بحرب لا سابقة لها سواء بين البلدين اللذين سبق وان خاضا ثلاث حروب على امتداد نصف القرن الماضي بسبب خلافهما على كشمير او على المستوى الدولي كله من حيث امكانية لجوء قيادتي الهند وباكستان الى استخدام السلاح النووي، ضد بعضهما البعض في الحرب التي يندفعان نحوها وقد بدأت نذر هذه الازمة وشررها المتطاير من على السنة المسئولين الهنود والباكستانيين باستقطاب اهتمام المجتمع الدولي وباستنفار الدبلوماسية الدولية خصوصا من جانب العواصم الدولية الكبرى في محاولة للسيطرة عليها وبالتالي لخفض حرارتها والدفع باتجاه تبريدها وادخالها في نفق التفاوض السياسي بين البلدين كبديل او خيار وحيد بدل نفق التفاوض النووي الذي لن يحمل لهما سوى الدمار والكوارث. تمثل ابرز ما استقطبته الازمة من جهد دبلوماسي دولي حتى الآن تمثل في مابذلته وتبذله كل من بريطانيا وروسيا والصين والولايات المتحدة ومعها بضع دول اخرى اعربت عن استعدادها للوساطة بين البلدين ودعتهما الى التخلي عن خيار الحرب والى اعتماد خيار التفاوض من اجل التوصل الى اتفاق سلمي بينهما حول القضايا المتنازع عليها وفي مقدمتها قضية كشمير لكن المؤلم والمؤسف على هذا الصعيد. 1ـ ان الدول العربية منفردة او مجتمعة على مستوى رئاسة القمة العربية او على مستوى الامانة العامة لجامعة الدول العربية لم تبذل جهدا يستحق الذكر لتشجيع البلدين وحضهما على التخلي عن خيار الحرب ولم تبذل اي مسعى ممكن من اجل المساعدة في نزع فتيل الازمة او حتى تحييد السلاح النووي علما ان الدول العربية صاحبة مصلحة حقيقية وجادة في السعي من اجل الحيلولة دون الحرب بين الهند وباكستان بوصفهما بلدين مجاورين نظرا لما تحمله هذه الحرب ـ وخصوصا اذا ما استخدم السلاح النووي من اخطار على الدول العربية وبالدرجة الاولى دول مجلس التعاون الخليجي التي تقيم وتعمل بها اعداد كبيرة من الهنود والباكستانيين ويضاف الى ذلك ان الدول العربية تقيم علاقات جيدة وتاريخية مع كل من الهند وباكستان وهو ما يؤهلها ويفرض عليها بذل جهود وساطة ومساع حميدة وناجحة لتشجيع البلدين على الابتعاد عن الحرب واحلال السلام بينهما وبامكان الدول العربية مجتمعة من خلال القمة العربية او من خلال جامعة الدول العربية ان تصدر بيانا بهذا الشأن تنبه فيه قادة البلدين بانها ستلجأ مجتمعة الى قطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها مع البلد الذي سيبادر باللجوء الى الحرب ضد البلد الآخر. 2ـ ان منظمة الدول الاسلامية سواء عبر رئاستها الحالية او عبر امانتها العامة لم تقم بأي نشاط دبلوماسي للتهدئة او الوساطة علما ان احد طرفي الازمة دولة اسلامية كبرى وهامة وهي المهددة من جانب الهند التي تكبرها مرات عدة وعلما ان موضوع الازمة بل الحرب المتوقعة او الممكنة يتعلق بشعب ومنطقة مسلمة الامر الذي يفرض على منظمة الدول الاسلامية القيام بدور فاعل ومؤثر سواء مع الهند او مع باكستان لايجاد اتفاق وحل سلمي للازمة. 3ـ ان الامم المتحدة وخصوصا مجلس الامن لم تبذل جهدا يذكر لحل الازمة حتى الآن وكأن المجلس ينتظر ان تزداد الازمة حدة او ينتظر انفجار الحرب بين البلدين كي يتحرك فقد تحاشى المجلس حتى الآن اجراء مناقشات بشأن الازمة بين البلدين رغم ان الامم المتحدة لها مراقبون عسكريون وموظفون مدنيون يراقبون ما يسمى بخط السيطرة الذي يفصل بين الجيشين الهندي والباكستاني على الحدود بينهما. ما تقوم به الدول الكبرى من جهود ووساطات دبلوماسية هادئة لحل الازمة بين الهند وباكستان لايعكس توترا في عواصم هذه الدول يوازي التوتر القائم على الحدود بين البلدين حيث الاشتباكات بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة احيانا مستمرة بشكل يومي تقريبا ولا تعكس توترا يوازي التوتر المعبر عنه بالتهديد والوعيد على السنة المسئولين في البلدين وخصوصا على السنة المسئولين الهنود الذين يظهرون يوما بعد آخر مزيدا من التشدد في اشتراطاتهم السياسية وفي استعداداتهم العسكرية. ان تصريحات المسئولين الهنود والباكستانيين والتي تنذر بامكانية انفجار الحرب وباستعدادهم لتحويلها من حرب تقليدية الى حرب نووية تجعل من هذه الازمة واحدة من اخطر الازمات التي يواجهها المجتمع الدولي منذ الحرب العالمية الثانية فالحرب ان وقعت واذا ما استخدم السلاح النووي فيها ستكون الحرب الاولى من نوعها بين بلدين يمتلك كل منهما سلاحه النووي الخاص به. معلوم ان السلاح النووي لم يستخدم سوى مرة واحدة مضى عليها اكثر من نصف قرن وذلك عندما القت الطائرات الاميركية قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية وماعدا ذلك كان مجرد تهديد وتلويح بامكانية استخدام السلاح النووي كما حدث في الازمة الكوبية او مجرد استنفار نووي كما حدث عندما استنفرت الولايات المتحدة قواعدها النووية في اوروبا الغربية ابان تقدم الجيوش العربية في حرب اكتوبر عام 1973 وفي حال لجوء الهند وباكستان الى الخيار النووي في حربهما فانها ستكون حربا مدمرة للبلدين وقد تتجاوز خسائرها البشرية التقديرات المعلنة عن امكانية سقوط نحو عشرين مليون نسمة من مواطني البلدين. والسؤال المطروح في كل العواصم هو: هل ثمة مصلحة لاي من البلدين في الوصول الى حرب نووية مدمرة لكل منهما؟ ان الاجابة المنطقية والعقلانية تنفي وجود اي مصلحة لهما في الاندفاع نحو حرب كهذه وربما كان هذا هو السبب الذي يدفع بالعواصم الكبرى الى اعتماد الدبلوماسية الهادئة من معالجة الازمة فالعواصم كلها كما يبدو مقتنعة بان التهديد باستخدام السلاح النووي لا يعدو كونه تهويلا هدفه ردع الخصم ودفعه الى التفكير مليا بأخطار اللجوء الى خيار الحرب بما في ذلك الحرب التقليدية ولعل هذا هو ما استهدفه المسئولون الباكستانيون الذين كانوا المبادرين الى التلويح بامكانية استخدام السلاح النووي اذا ما هاجمت القوات الهندية اراضي كشمير الباكستانية سعيا الى احتلالها وضمها الى اراضي كشمير الهندية وذلك انطلاقا من اعتقاد باكستاني راسخ بان حربا كهذه اذا ما شنتها الهند ستكون بمثابة حرب وجود الامر الذي يتيح لباكستان استخدام كل ما تملك من اسلحة دفاعا عن وجودها. ان وصول البلدين الى حرب نووية بينهما ـ وبغض النظر عن الخسائر المخيفة التي ستترتب على ذلك في البلدين سيؤسس لعصر جديد هو عصر الحروب النووية والسؤال الذي يطرح نفسه على هذا الصعيد: هل تسمح دول النادي النووي الكبرى: الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والتي تمتلك سلاحا نوويا متطورا منذ عقود وامتنعت حتى الآن عن استخدامه وعن فرض هذا العصر واقعيا وهل تسمح لدولتين حديثتي العهد بامتلاك السلاح النووي باستخدام هذا السلاح وفرض هذا العصر المخيف؟ والاجابة المنطقية هنا ايضا تفرض نفي امكانية كهذه فالسماح بحرب كهذه يعني ان الطريق اصبح مفتوحا نحو دمار العالم، ولذلك فان الدول الكبرى المعنية ومعها كل الدول الاعضاء في الامم المتحدة وكل الهيئات والمنظمات الدولية والشعبية مدعوة الى الوقوف بحزم ضد هذه الحرب ومدعوة الى تنشيط وتفعيل دبلوماسيتها واعتماد مختلف اشكال الضغط لاجبار البلدين على الجلوس الى طاولة المفاوضات لحل المشاكل العالقة بهما بما يتفق مع المواثيق والقوانين الدولية وفي حال لم تجد نفعا فان الدول الكبرى وكذلك مجلس الامن الدولي وكل الدول الاعضاء في الامم المتحدة مدعوة الى توجيه انذار واضح وصريح وحاسم يحظر على الهند وباكستان اللجوء الى الاسلحة النووية بل ويحظر عليهما اللجوء الى الحرب التقليدية ويفرض عليهما بالتالي حل مشكلة كشمير بالطرق السلمية وفي مقدمة ذلك العودة الى ما سبق وان اقره مجلس الامن الدولي قبل عقود بشأن استفتاء شعب كشمير وتخييره بين ان يصبح جزءا من الهند او جزءا من باكستان او ان ينال استقلاله وينفصل عن البلدين ليؤسس دولته الخاصة به وهنا ربما يكمن دور الدول العربية والاسلامية. ـ كاتب سوري