الملف السياسي: هدأت حالة التوتر بين الدولتين الجارتين الهند وباكستان اثر وساطات وضغوط دولية واقليمية للحيلولة دون انفجار الموقف وبدت ثمار الجهود الدبلوماسية تظهر للعلن في سلسلة اجراءات تقود الى تهدئة الموقف بعدان كانت الاجواء ساخنة خلال الاسابيع الماضية ، ووصلت الى الذروة مع الحشود العسكرية الهائلة على الحدود والاستنفار العسكري والسياسي في كلا البلدين والواقع إن المشكلة المزمنة بين البلدين هي «كشمير» التي تعود جذورها الى عام 1947 عندما استقلت الهند بعد رحيل الاستعمار البريطاني الذي كان يحتل شبه القارة، وكان الاتفاق على أن الولايات التي تشتمل على أغلبية مسلمة تنضم لتصبح بلدا مستقلا، وهكذا استقلت باكستان، وكان من المتوقع - في رأي الباكستانيين - أن كشمير ستنضم اليها بحكم أن أبناءها مسلمون، ولكن الذي حدث أن حاكم كشمير المسلم - باتفاق خاص - سلم بلده الى الهند، فلم توافق باكستان، ونشب القتال بين البلدين حتى جرى وقف اطلاق النار عام 1949، وكانت باكستان تسيطر على نحو ثلث مساحة كشمير، بينما سيطرت الهند على الثلثين الآخرين. ومن ذلك التاريخ والتوتر قائم، والاشتباكات تستمر وتنقطع بين البلدين، وقد تصاعدت الحدة لتصبح حربا عام 1965، ثم مرة أخرى اشتدت عام 1971 وأدت الى انفصال باكستان الشرقية لتصبح دولة مستقلة باسم «بنجلاديش»، وبعد ذلك استمر التصاعد أيضا مثلما حدث عام 1989 تحت شعار انفصال كشمير، وفي عام 1999 كانت معركة «كاراجيل» وهو اسم جبل على الخط الفاصل بين القسمين التابعين للدولتين. واستمرت المعركة شهرين وكادت تؤدي الى حرب شاملة لكنها انتهت، لتعود الاشتباكات مرة أخرى في أكتوبر عام 2001 بعد أحداث سبتمبر في نيويورك وواشنطن، لكن القوى الدولية تدخلت لايقاف القتال الكشميري، الذي راح ضحيته 38 شخصا، حتى يمكن التفرغ كاملا للحرب الأفغانية، غير أن الهند عادت في ديسمبر 2001 تتهم باكستان بمساعدة المليشيات الكشميرية بشن هجوم على البرلمان الهندي في العاصمة دلهي مما أدى الى مقتل 14 شخصا، ولكن كانت الحرب الأفغانية أيضا سببا في كبح جماح الهند التي كانت قد حشدت قواتها على الحدود مع باكستان، وبدأت حالة ترقب حذر الى أن انفجر الموقف في الرابع عشر من مايو 2002 عندما وقع هجوم على القاعدة الهندية في الجزء الهندي من كشمير، وسقط 34 شخصا قتيلا، فاستنفرت الهند قواتها وبدأت حالة شبه الحرب القائمة حاليا بين الجارين الغريمين المتواجهين. ومما يزيد من تصعيد الأزمة أنها لا ترتبط بمجرد الاستياء الهندي من ازدياد عمليات المقاومة المسلحة التي تقوم بها الجماعات الكشميرية التي ترغب في الحصول على حق تقرير المصير لسكان الشطر الذي تسيطر عليه الهند من إقليم كشمير، وإنما يرتبط التصعيد الهندي الراهن بمنظومة واسعة من الأهداف المتعلقة بالتنافس على المكانة الاقليمية، والصراع بشأن اكتساب مكانة أكبر في الاستراتيجية الأميركية، جنبا الى جنب مع رغبة الهند في استغلال المناخ الدولي لما بعد 11 سبتمبر من أجل تصفية قضية كشمير تماما. إذ ترى الهند أن البيئة الدولية الحالية غدت مواتية لها تماما، فرغم الميزة الاستراتيجية النسبية التي تمتعت بها باكستان بالمقارنة بالهند في المرحلة الأولى من الحرب الأميركية على الارهاب «المرحلة الأفغانية»، إلا أنه من الناحية البنائية أو الهيكلية، شهد الوضع الاستراتيجي لباكستان تدهورا ملحوظا سواء بالنظر الى نتائج تلك المرحلة فيما يتعلق بفقدان باكستان لأحد حلفائها الاستراتيجيين والمتمثل في نظام طالبان الذي وفر لها عمقا استراتيجيا بالمعنيين الجغرافي والأيديولوجي، أو بالنظر الى طبيعة الأجندة الأمنية الجديدة للنظام العالمي بعد 11 سبتمبر 2001 والتي أعلت من قضية محاربة الارهاب واعادة ترتيب الارتباطات الداخلية للنظم السياسية مع الجماعات الاسلامية المتشددة وقد نجحت الهند بالاعتماد على تلك البيئة في خلق ترابط واضح بين مشكلة كشمير ومحاربة الارهاب الدولي. ويلاحظ أن الربط لم يأت نتيجة نجاح الدبلوماسية الهندية بمفردها بقدر ما جاء نتيجة توافق المصالح الهندية والأميركية معا. وفي هذا الاطار وفرت البيئة الدولية للهند فرصة للقيام بدور المبادرة في تصعيد الصراع، كما توفرت لها الفرصة في ذلك عبر توظيف عمليات الجماعات الاسلامية الكشميرية ضد أهداف هندية، بل وتستخدم الهند نفس مفردات الخطاب الأميركي في حربها ضد ما يسمى بالارهاب الكشميري. وعلى الرغم من أن التعاون الهندي - الأميركي يعود الى ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنه قد شهد دفعة قوية على خلفية تلك الأحداث، فضلا عن تطوير أجندة أمنية واقتصادية مهمة تشمل ضمان الاستقرار في أفغانستان وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا. وضمان استمرار تدفق مصادر النفط والطاقة من الخليج، بالاضافة الى المصلحة الهندية - الأميركية المشتركة في ضمان إعادة صياغة هيكل الارتباطات الداخلية للنظام السياسي الباكستاني مع الجماعات الاسلامية المتشددة وتنفيذ تعهداته بهذا الشأن. واذا كان العسكريون الهنود يتحرقون شوقا الى ضربة عسكرية يكون من شأنها الاجهاز على حركة التحرير الكشميرية، فإن نفس الأمر يداعب أيضا خيالات المدنيين المتطرفين في حزب «بهاراتيا جاناتا» الذين يجدون هم أيضا في الضربة العسكرية المحتملة فرصة ومدخلا في آن معا، فرصة لوقف التدهور المستمر في مواقع الحزب الانتخابية منذ العام الماضي، ومدخلا لتحقيق طموحات القوميين الهندوس بتحويل الهند الى دولة كبرى. وهذا تطور يفترض أولا العمل على بسط هيمنة نيودلهي على شبه القارة الهندية، ثم الانطلاق منها الى مد نفوذها نحو بقية شرق آسيا ووسطها وربما غربها ايضا. ولا يخفى في ضوء ما سبق أن الخطر الأصولي الهندوسي الصاعد يشكل بحد ذاته أحد عوامل التصعيد الهندي، فالحركة العامة التي تقودها «راشتريا سوايا ميشيفاك سانغ» وهي منظمة المتطوعين القوميين التي تأسست في عشرينيات القرن العشرين، تواصل اختراقاتها الناجحة لكل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والأيديولوجية والثقافية في الهند، وهي تتحرك على عدد من المحاور منها اعادة كتابة تاريخ الهند، ومعه مناهج التربية والتعليم، بهدف توحيد الدين الهندوكي مع الأديان الأخرى الشقيقة له مثل السيخية والبوذية وغيرهما، وكذلك تحقيق ما تسميه «الهندونتا» أي المجتمع الهندوكي النقي، الذي تتحول فيه آلهة الهندوك خصوصا رام وكريشنا، من شخصيات أسطورية الى «عناصر قومية» فاعلة في صنع ماضي الهند وحاضرها ومستقبلها، فضلا عن التركيز على أن الآريين الذين بنوا الهند، لم يأتوا من آسيا الوسطى وبلاد فارس، كما تؤكد كل الأدلة التاريخية، بل انطلقوا من الهند نفسها، وكانوا هم ورثة «الفيدا» أي الفلسفة الهندية، التي اكتشفت في رأيهم منذ سبعة آلاف سنة «كل» حقائق الكون والوجود. وقد يقال هنا أن هذه التوجهات الأصولية الهندوسية، لا تختلف في شئ عمليا عن توجهات باقي الحركة الأصولية في العالم، فهي مثلها تسعى الى إحياء الماضي عبر تدمير الحاضر، وهي مثلها أيضا، تبني كل ترسانتها الفكرية - الايديولوجية - على تاريخ ذهبي مزعوم يوصف عادة بأنه كامل أو مقدس أو سحري. وهذا صحيح، بيد أن الصورة مع ذلك، تبدو أخطر في الهند. فغلاة الهندوس لن يستطيعوا نقل أساطيرهم الى أرض الواقع، إلا عبر شن حرب مع الحضارات الأخرى. وهنا تبرز المخاطر الحقيقية على سلامة شبه القارة الهندية واستقرارها. فحين تتقاطع الطموحات الجيوسياسية مع الأساطير الدينية والقومية، تولد مناخات عامة يسود فيها المطلق على النسبي، وتكون اليد العليا للتطرف بدلا من الاعتدال والتسامح، والهند تقف الآن عند هذا التقاطع الخطر. وبالتالي، فلكي تستطيع الهند لعب دورها العالمي المنشود فإنها ترى أنه يجب أن تتخلص من «هوسها الباكستاني» وأنه يتعين عليها أساسا أن تتخلص من تورطها في الأزمة الكشميرية التي تعتبر أخطر القيود على الحركة الهندية العالمية، وعلى الأمن الهندي في آن. وثمة جذر تاريخي آخر للأزمة، فالفكر القومي الهندي يعتبر أنه كان هناك عصر ذهبي هندوكي تمزق مع وصول الاسلام، وحركة التمرد التي أطلقها غاندي كانت تهدف الى احياء هذا العصر الذهبي الذي يدعى «رام راجيا»، وهي تعني حكم رام أحد آلهة الهندوس. والآن، ومع عودة السخونة مجددا الى خطوط المواجهة الباكستانية - الهندية، يطل كل هذا الكوكتيل من الاعتبارات الايديولوجية والاستراتيجية الهندية برأسه ليهدد بدفع شبه القارة الهندية برمتها الى حافة الانفجار. وما لم تتحرك الطبقة الوسطى الهندية لوقف تقدم الأصوليين الهندوس، وبالتالي انقاذ الديمقراطية الهندية من حروب الحضارات والطموحات الأسطورية، فإن انجراف شبه القارة نحو الكارثة سيكون أمرا محتما. فهل ثمة فرصة لتجنب كارثة المواجهات العسكرية، التي قد تتحول الى تبادلات حرارية نووية؟ الجهود الدبلوماسية لم تستنزف كليا بعد، والتحذيرات تدق الأجراس بعنف، ذلك أن القتال - اذا حدث - بين البلدين فإنه لن يكون مجرد معركة تستغرق عدة ساعات أو بضعة أيام، إنما سيستمر بقوة دفع ثلاثية تتكون لدى كلا الطرفين المتواجهين من قوة العقيدة، وكثافة البشر، وتقدم السلاح. ـ كاتب مصري