الملف السياسي: رغم انها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها توتر وتصعيد عسكري بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، الا أن الأزمة والتصعيد الأخير كان مختلفا عن المرات السابقة، من حيث قوته وخاصة أنه تم الحديث عن استخدام السلاح النووي حتى وان كان تلميحا كما صدر عن المسئولين الباكستانيين. واذا كانت الأطراف الدولية قد كثفت جهودها خلال الأيام القليلة الماضية لنزع فتيل الأزمة، واذا كانت الهند قد أعلنت عن اتخاذها لاجراءات لتخفيف حدة التوتر فانه على أرض الواقع فان التوتر لا يزال شديدا وخاصة في ظل استمرار حالة التعبئة العامة للقوات والاشتباكات التي تتم على الحدود والتي راح ضحيتها العديد من القتلى والمصابين وكذلك في ظل استمرار أسباب الأزمة المتمثلة في عمليات المقاومة المسلحة للجماعات الكشميرية ضد الأهداف الهندية..( الملف) التقى د. محمد قدري سعيد مستشار مركز الأهرام للدراسات ورئيس الوحدة العسكرية به في حوار احتوى احتمالات نشوب حرب هندية ـ باكستانية، وهل تسعى الهند لاستثمار أجواء 11 سبتمبر في تصفية المقاومة الكشميرية؟ وتأثيرات هذا التوتر واحتمالات نشوب حرب على المنطقة العربية وطبيعة الأوراق المتاحة للرئيس الباكستاني والتي يستطيع من خلالها المناورة سواء مع الهند أو الولايات المتحدة.د. قدري سعيد أكد أن الوضع خطير للغاية رغم محاولات التهدئة التي تقوم بها الأطراف الدولية، كما أكد ان الولايات المتحدة لا تريد خسارة أي طرف من الطرفين ومن هنا تسعى لتجميد الموقف ومنع اشتعاله. وأشار الى أن المنطقة العربية ليست بعيدة عن هذا الصراع وأنه اذا اشتعل أكثر ستكون له تأثيراته السلبية عليها وفيما يلي نص الحوار: ـ بداية كيف ترون الموقف حاليا والى أين تسير الأمور بين الجارتين المتنازعتين الهند وباكستان؟ ـ لاشك أن الوضع خطير للغاية فهناك حشد كبير لقوات البلدين على الحدود وتبادل لاطلاق النار بين قوات الطرفين وسقط بالفعل بعض الضحايا، كما أن هناك جماعات كثيرة خارج السيطرة يمكن أن تقوم بأي فعل يعقد الأمور أكثر وفي أي لحظة وخاصة ما يطلق عليهم ثوار كشمير، أيضا هناك أطراف كثيرة لديها قوات وأخرى تشتغل في هذه المنطقة الحساسة من العالم وخاصة في أفغانستان، لكل ذلك فالموقف سيئ ويزداد سوءا ويهدد باشتعال الأوضاع في أي لحظة بواسطة بعض الأطراف الداخلية التي تريد هذه الحرب لأنها في الغالب ستكون في مصلحتهم، فنحن نعرف أن الجماعات الاسلامية في كشمير وباكستان وأفغانستان والأخرى الموجودة في الجمهوريات السوفييتية السابقة، كل هذه الجماعات لا ترحب بالتواجد الأمريكي في المنطقة وترى بضرورة أن تخرج هذه القوات وغيرها من القوات الأجنبية الأخرى لأن الأمر من وجهة نظرهم لا يتعلق بأفغانستان فقط ولكن هناك مطامع وأهدافا أخرى لهذه الدول الغربية في المنطقة، ولكن على الرغم من كل هذا التوتر والوضع الخطير وحشد القوات فالواضح أن كل الأطراف الدولية تحاول جاهدة لمنع اشتعال الموقف أكثر مما هو عليه الآن. ويضيف د. قدري : ليس من مصلحة الهند وباكستان أن يحدث الصدام العسكري وخاصة في وجود العنصر النووي وحتى لا تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، ولاشك أن كل طرف لديه قدرة على قراءة الموقف، واذا كانت الهند تمتلك قدرات عسكرية تقليدية أقوى من تلك التي تمتلكها باكستان، فان هذا لايعني أن باكستان ستكون في وضع أسوأ اذا نشبت الحرب لوجود السلاح النووي، الهند يجب أن تفكر جيدا فهي ان أقدمت على غزو الجزء الباكستاني في كشمير فان هذا سوف يدفع بالمنطقة الى الانفجار الكامل فرغم أن الرئيس برويز مشرف أكد انه لا يريد للأمور أن تتوتر أكثر، فانه لن يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي في حالة وقوع اعتداء عليه وخاصة في ظل الضغوط الداخلية الرهيبة التي تمارس ضده من قبل التيار الاسلامي القوي، ومن هنا فلابد من اعادة الحسابات وقراءة الأوضاع جيدا، كما أن الضغوط الدولية سيكون لها دور كبير في مساعدة الطرفين على الوقوف عند هذا الحد وحتى لا تتدهور الأمور أكثر، فالدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والتي بدأت حربا ضد الارهاب في أفغانستان لن تكون سعيدة بانهاء هذه الحرب وترك الساحة الأفغانية بعد كل تلك المعاناة والعمليات العسكرية التي قاموا بها ومن هنا فسوف يعملون بقوة لمنع حدوث حرب هندية باكستانية قد تعقد وتخلط الأوراق وتربك حساباتهم في أفغانستان وفي حربهم ضد الارهاب، أيضا هناك روسيا والتي تقوم هي بدور كبير في تهدئة الأوضاع حتى تستمر الحملة ضد الارهاب وخاصة أنها تعاني كثيرا من العناصر الشيشانية. حرب ممتدة ـ هل يمكن أن نفهم الموقف الأمريكي على أنه يقوم على امساك العصا من النصف أم أنه أميل لمساندة الهند وتبني مواقفها في ضرب قواعد الارهاب في كشمير؟ ـ الموقف الأمريكي ومنذ البداية أعلن أن هناك حربا ممتدة ضد الارهاب في كل معاقلة، وهذا يعني أن هذه الحرب ستطال كل التنظيمات التي ترى الولايات المتحدة أنها ارهابية، هذا موقف أمريكي ثابت فيما يتعلق بالارهاب عموما، أما موضوع كشمير والهند وباكستان فالواضح حتى الآن أن أميركا لا تريد خسارة أي من الدولتين في هذه المرحلة الهامة التي تشن فيها حربها ضد الارهاب وخاصة أن كلتا الدولتين قد أظهرتا تأييدا كبيرا للسياسات الأمريكية في هذه الحرب وخاصة باكستان التي سمحت للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها العسكرية، ومازالت تقوم بدور فاعل لانجاح الحرب التي تجرى على الأراضي الأفغانية، ومن هنا فالأميركان في موقف صعب ولا يريدون خسارة أي طرف من الطرفين، هم يريدون تجميد الموقف ومنع اشتعاله وحتى اشعار أخر، وهذا لا ينفي أن هناك ضغوطا قوية تمارسها أميركا على باكستان لكي تمنع المتسللين من أفراد المقاومة الكشميرية من تنفيذ عمليات مقاومة مسلحة جديدة ولكنها لا تريد أن تتمادى في هذه الضغوط وخاصة في ظل تلقيها لهذا الكم من المساعدة الباكستانية في صراعها الدائر حاليا في أفغانستان، أي أنه يمكن تلخيص الموقف الأمريكي من النزاع الحالي في السعي لخفض درجة العنف والتوتر ومن هنا كان ارسال المبعوثين الأمريكيين للمنطقة. ـ ما هي الأوراق القوية من وجهة نظركم التي يمتلكها مشرف أمام الهند والولايات المتحدة للمناورة وممارسة الضغوط؟ ـ في مواجهة الهند لاشك أن أهم هذه الأوراق ورقة السلاح النووي فالتلويح باستخدامه سيجعل الهند تعيد حساباتها جيدا في ظل الخسائر المتوقعة في الأرواح اذا استخدم والتي تقدر بالملايين، وهذه الورقة يعرف الجانب الباكستاني قيمتها جيدا ويلعب بها على أحسن وجه اضافة الى التجارب الصاروخية التي أجريت مؤخرا ـ أيضا الجماعات الكشميرية المسلحة هي الأخرى ورقة للضغط من خلال غض الطرف عما تقوم به من عمليات ضد الأهداف الهندية وبما يضعف الحكومة الهندية ويزعزع جبهتها الداخلية بسبب تصاعد الانتقادات لها بعدم استطاعتها كبح جماح المقاومة، أما بالنسبة للأوراق المتاحة لباكستان أمام الولايات المتحدة فهو مساندتها في حربها الحالية ضد الارهاب وباكستان تدرك مدى حاجة أميركا لها في ذلك ولذلك فعندما سحبت باكستان قواتها من على حدودها مع أفغانستان ارتبكت الولايات المتحدة لأن هذا يعرقل خططها في أفغانستان وقد يتيح لقوات طالبان التسلل عبر الحدود الباكستانية الأفغانية. ـ ما هي النتائج التي قد تترتب على هذه الحرب في حال حدوثها وخاصة في ظل ما يتردد عن استعداد الطرفين لاستخدام السلاح النووي؟ ـ لقد قدرت التقارير العسكرية أن حدوث صدام عسكري نووي بين الجارتين الهند وباكستان من الممكن أن ينجم عنه خسائر بشرية فقط حوالي 12 مليون شخص وخاصة في ظل التجمع البشري الكبير في هذه المنطقة، هذا من ناحية الضحايا، لكن على الجانب الأخر حدوث حرب نووية سوف يكون له نتائجه السلبية الكبيرة على العالم كله لأنه لو حدث ذلك سيكون سابقة خطيرة وهي استخدام هذا السلاح الفتاك في حرب تقليدية وفي منطقة كثافة سكانية مثل تلك المنطقة فهذه ستكون المرة الأولى وسابقة خطيرة لأنه المرة السابقة التي تم فيها استخدام هذا السلاح فقد كان سقوط قنبلتين أميركيتين على مدينتين يابانيتين أما في هذه الحالة ستكون هناك قنابل ورؤوس نووية أي أن الأمر سيكون مرعبا بكل المقاييس وبصورة لا أحد يريدها سواء في الهند أو باكستان أو أي دولة أخرى من دول العالم. مصلحة هندية ـ هل يمكن القول ان نيودلهي تستثمر أجواء الحرب الأمريكية ضد ما يسمى بالارهاب في اتجاه تصفية المقاومة الكشميرية؟ ـ الموقف الهندي ببساطة شديدة يقوم على ضرورة بقاء الوضع على ما هو عليه في كشمير، هي لا تريد التنازل عن أي جزء من الأراضي الكشميرية التي بحوزتها، في حين ترى باكستان بضرورة اجراء انتخابات وتقرير لمصير الكشميريين في القطاع الهندي، ومن هنا تعقدت الأمور وحدثت العمليات المسلحة ضد الأهداف الهندية والتي جاء في أثرها التوتر على الحدود الباكستانية الهندية، قد يكون هناك مصلحة هندية في استثمار أجواء الحرب الحالية ضد الارهاب وخاصة أن أغلب الحملة ضد جماعات وتنظيمات اسلامية، وذلك بالتأكيد على أن الجماعات الكشميرية هي جماعات ارهابية تعمل ضد الغرب عموما ولابد من مساندة الهند للقضاء عليها لأن خطرها لا يقل عن خطر جماعات وتنظيم طالبان الذي يجرى تصفيته الآن على الأراضي الأفغانية، ولكن هذا لا يعني أن هذا هو السبب الرئيسي للتوتر الحالي للأوضاع وخاصة اذا ما عرفنا أن التوتر يعود لسنوات طويلة مضت وقبل أحداث 11 سبتمبر بوقت طويل. ـ في النهاية ما هو رأيكم في القول بأن أجواء التوتر واحتمالات وقوع حرب بين الهند وباكستان لاشك سيكون لها تأثيراتها السلبية على المنطقة العربية؟ ـ المنطقة العربية ليست بعيدة عما يحدث من صراع باكستاني هندي وخاصة اذا نظرنا الى طبيعة العلاقات العربية الباكستانية من جهة والعلاقات العربية الهندية من جهة أخرى فكلنا يعرف أن باكستان عضو في منظمة المؤتمر الاسلامي التي تضم كل الدول العربية، كما أنها تربطها علاقات سياسية واقتصادية قوية بالدول العربية، أيضا هناك علاقات عربية هندية ليست سيئة وتبادلات تجارية واتفاقيات اقتصادية، كما أن دول الخليج لديها جاليات باكستانية وهندية كبيرة، فضلا عن أن الهند وباكستان تمثلان مجتمعتين الجار الشرقي بالنسبة للمنطقة العربية وأي توتر يحدث لديهما لاشك سيكون له تأثيره على المنطقة العربية سواء من حيث الحركة التجارية أو الملاحية أو التوتر الذي قد يحدث بين أبناء الجاليات الباكستانية والهندية، وهناك عامل آخر قد يفجر الأمور ويجعل التأثيرات السلبية لهذا على المنطقة العربية سيئة للغاية وهو ظهور اسرائيل في الصورة فلو حدث وتردد أن اسرائيل تساند الهند مثلا فان ذلك سوف يوتر الأجواء كثيرا في المنطقة