الملف السياسي: وقف وزير الدفاع الاميركى دونالد رامسفيلد متجهم الوجه ليقول ان على الهند وباكستان ادراك خطورة الوضع فكل المضاعفات ممكنة، وهذه الحرب يمكن أن تندلع في شكل غير متوقع. الوزير الاميركي اكد بطريقة غير مباشرة حق الهند في الرد على الهجمات الارهابية على أرضها، مثلما أعلنت الولايات المتحدة التي تعرضت لاعتداءات إرهابية في 11 سبتمبر تمامًا، الحرب على تنظيم القاعدة. وكرر رامسفيلد انحياز ادارة الرئيس الاميركى بوش عندما قال لكن بما أن هذا البلد ـ يقصد الهند ـ تعرض الى الارهاب، فقد قلنا بوضوح إنه يملك حق استئصاله. التمهيد للحملة الهندية ضد باكستان التى وصلت الى اقصى درجات الابتزاز، اتخذمسارا متدرجا منذ فترة طويلة، لكنه وصل الى ذروته مع اعلان الولايات المتحدة عن بدء حملة دولية ضد الارهاب ليست محدودة بفترة زمنية ، ولاتتوقف عندمنطقة بعينها، ولكن السيناريو الذى استخدمته اسرائيل بشكل متصاعد والذى وصل الى حد اجتياح المناطق الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وارتكاب ابشع المجازر تحت سمع وبصر الادارة الاميركية وبتأييد كامل منها للعمليات الاجرامية الصهيونية، تحت مبرر الرد على الارهاب، مانحة اسرائيل الحق فى ملاحقة رجال المقاومة الذين يشكلون بعملياتهم البطولية خطرا على امن الكيان العدوانى الصهيونى، هذا السيناريو يبدو انه اصبح نموذجا تحاول الهند حاليا اتباعه بشكل تفصيلى، بعد ان استطاعت هى الاخرى اقناع الادارة الاميركية بالربط بين احداث الحادى عشر من سبتمبر ضد الولايات المتحدة نفسها وعمليات الاستشهاديين الفلسطينيين والعمليات التى تنفذ ضد القوات و المنشآت الهندية فى كشمير. ويصب فى هذا الاطار، ما نقلته صحيفة «يو اس اي توداي» عن مسئولين في الاستخبارات الاميركية ودبلوماسيين اجانب، وذكرت فيه ان اعضاء من القاعدة وطالبان يشاركون في تنظيم حملة ارهابية في منطقة كشمير المتنازع عليها، لاثارةالمشاكل بين الهند وباكستان. وأضافت الصحيفة ان اعضاء القاعدة و طالبان يأملون من وراء ذلك تخفيف الضغط عن مقاتليهم المختبئين في غرب باكستان، من خلال اجبار إسلام آباد على سحب قواتهاالتي تلاحقهم وحشدها على الحدود الباكستانية الشرقية مع الهند. واضافت الصحيفة ان سحب القوات الباكستانية الى الحدود الهندية، قد يعطل الجهودالاميركية لملاحقة قادة طالبان و القاعدة الذين يعتقد انهم مختبئون في غرب باكستان. ونقلت يو اس اي توداي عن مصادر مطلعة على تحليل الاستخبارات الاميركية قولها ان قوات القاعدة عملت مع مقاتلين تدربوا في قواعدها في افغانستان على التسلل عبرخط المراقبة الذي يفصل بين المنطقة التي تسيطر عليها الهند من كشمير والمنطقة الباكستانية. وعلى الفور اعلن وزير الدفاع الهندي جورج فرنانديز ان إرهابيين بينهم عناصر من القاعدة و طالبان فرت من افغانستان، ينتشرون في الشطر الباكستاني من كشمير، وان هناك معلومات تفيد ان اجهزة الاستخبارات الباكستانية تعد لعمليات في المنطقة . استغلال الظرف التاريخي النغمة الهندية المتصاعدة عزف عليها وزير الخارجية الهندي جاشوانت سينغ حين اعلن رفض بلاده الحوار مع باكستان في ظل مسدس موجه الى صدرها، معرباً عن غضبها على ما تعتبره تهديدات نووية باكستانية. لكن الامر لم يتوقف عند حدود الانحياز الاميركى للهند بل ان بريطانيا تبنت وجهة النظر الهندية، خصوصا وان الوقت مهيأ للعزف على نغمة الارهاب، مادامت واشنطن هى قائد الاوركسترا، وعلى النحو المتوقع تماما صب التصريح الذى قاله وزيرالخارجية البريطاني جاك سترو بعد المحادثات التى اجراها مع الجنرال برويز مشرف في إسلام آباد، من انه حض الرئيس الباكستاني على ضرورة وقف العمليات الارهابية عبر الحدود، وضرورة قيامه بمنع تسلل المقاتلين الكشميريين الى المناطق الخاضعة لسيطرة الهند ـ ألا يذكر هذا بمايطالب به شارون عرفات بشكل متكرر الى حد الملل ؟. الوزير البريطاني المتحمس حذر أيضا من أن المخاطر واضحة وكبيرة في ظل حشد اكثرمن مليون جندي على الحدود بين البلدين اللذين يملكان قدرات نووية، مشيراً الى وجود حدود لما يمكن ان يبذله المجتمع الدولي لخفض التوتر. ومشددا على أن بلاده تنظر الى من يوصفون في باكستان بـ المقاومين من أجل الحرية على أنهم إرهابيون . واذا كانت الهند فى خطواتها التصعيدية تكرر التجربة الاسرائيلية فى الاستفادة من معطيات احداث سبتمبر فان من المؤكد أنه في حال نشوب حرب بين الهندوباكستان، فإن إسرائيل ستكون طرفاً في تلك العملية فحدوث هذا الأمر لن تقتصرآثاره على باكستان وحدها بل ستمتد آثاره الى الخليج العربي والشرق الأوسط،فالى جانب كونه سيساهم فى الاضرار بالقدرة النووية الباكستانية الامر الذى سيؤثر بشكل كبير على التوازن الهندي ـ الباكستاني، فانه سيكون له ايضا آثارا معنوية ضخمة على العالم الإسلامي، اضافة الى انه سوف يعجل التقارب الإيراني- الباكستاني الذي كان قد بدأ يتبلور في الشهور الأخيرة. الاسلوب الاسرائيلى الذى تتبعه الهند حاليا بدا واضحا فى تصعيدها للموقف بشكل مستمر والسعي الى الوصول به الى حافة الحرب، بدءا بحشد مليون جندي على خط المراقبة في كشمير وعلى حدودها مع باكستان، وبإطلاق التهديدات بالبديل العسكرى. كذلك تقديم مطالب متصاعدة بدأت بضرورة تسليم المتهمين بالهجوم على البرلمان الهندي، و بقمع الحركات المقاتلة في كشمير، ثم اعتراف باكستان بخط المراقبة كخط حدود نهائي، وأخيراً بمطالبة باكستان بتسليم الجزء الذي تسيطر عليه في كشمير إلى الهند. وإضافة الى المحادثات الأمنية التي تعقد كل ستة اشهر بين الهندوإسرائيل الديموقراطيتين الوحيدتين في محيط من الديكتاتوريات المسلمة المساندةللإرهاب، لم يتوقف تبادل الوفود الرسمية بين البلدين منذ شهور: ففي مطلع نوفمبر الماضى أجرى وفد إسرائيلي عسكري حواراً استراتيجياً في نيودلهي، وفي نهاية الشهر نفسه وللمرة الأولى منذ إقامة العلاقات الديبلوماسية بعد مؤتمرمدريد، زار وفد برلماني إسرائيلي البرلمان الهندي قبل الهجوم عليه بأسبوعين، وزار وفد هندي بعد ذلك إسرائيل للبحث في الحرب ضد الإرهاب، كما تجري استعدادات لترتيب زيارتيّ شارون للهند والرئيس الهندي لإسرائيل. واذا كانت إسرائيل قد تذرعت بعمليات (حماس) والهند بالهجوم على برلمان أكبر ديموقراطية في العالم. وهو الهجوم الذي تتشابه ملابساته بدرجة كبيرة مع الهجوم على مركز التجارةالعالمي الامر الذى سهل مهمة التحريض على المسلمين. فانه في الواقعتين لقي كل المهاجمين حتفهم، وأصبح مستحيلاً التوصل الى الحقائق والتعرف على هوية العقول التي دبرت العمليتين. على طبق الفضة الهند رأت ان هذه هى الفرصة السانحة امامها، لتحقيق ماسعت اليه منذ سنوات طويلة، وقد اتت هذه الفرصة على طبق من فضة بعد ان اعلنت الولايات المتحدة الاميركية فى الثانى عشر من نوفمبرالماضى انها سوف تستهدف الحركات الكشميرية فى المرحلة التالية لحربها ضد الارهاب، ويمكن فهم هذا التطور في ضوء التحول الدرامي في الموقف الاستراتيجي في وسط وجنوبي آسيا بعد النجاح الأولي للحرب الأميركية في أفغانستان، والذي اسفر عن وصول حكومة معادية لباكستان في أفغانستان، ما أضعف من القدرات الباكستانية. وقد أدى النجاح الأولي للحملة الأميركية في أفغانستان الى عودة الولايات المتحدة الى السياسة المتبعة قبل 11 سبتمبر التي تراهن على الهند بصفتهاالركيزة الأساسية للاستراتيجية الأميركية في آسيا ضد الصين. ليس بعيدا عن هذه التطورات الافتتاحية التى نشرتها صحيفة واشنطن بوست فى الحادى والعشرين من فبراير الماضى، والتى ذكرت فيها أن الخطوة المقبلة في الحرب على الإرهاب يجب أن تكون في باكستان لمواجهة جماعات الإرهاب التي تتهمها الهند بالاعتداء على برلمانها. وكتبت الصحيفة ذات الميول الصهيونية أن الهند مارست ضبط النفس بدرجة تدعو الى الإعجاب، وينبغي ألا يُحظر عليها ممارسة حق الدفاع عن النفس كما تمارسه أميركا وإسرائيل، في إشارة الى الضوء الأخضرالذي منحته الإدارة الأميركية لآرييل شارون لتدمير المجتمع الفلسطيني. وليس مصادفة أن تقرن الصحيفة الهند بأميركا وإسرائيل. فالهند وإسرائيل حليفان استراتيجيان للولايات المتحدة، والثلاثي تحكمه أحزاب عقائدية أصولية. وينتهك البلدان القوانين الدولية ومواثيق حقوق الانسان في معاملتهما لشعبي كشمير وفلسطين الواقعين تحت الاحتلال، وهما ترفضان تنفيذ قرارات مجلس الأمن في هذا الصدد إذ ينص قرار مجلس الأمن في (إبريل 1948 ) على حق شعب كشمير في تقريرمصيره عبر استفتاء وترفض الهند إجراء هذا الاستفتاء. ـكاتب مصري