رغم بوادر التهدئة التي ظهرت في الأيام الاخيرة، الا ان التوتر بين الهند وباكستان القوتين النوويتين، ما زال يثير المخاوف الاقليمية والدولية من احتمالات حرب واسعة النطاق بين البلدين تؤدي الى دمار شامل فيهما، مع ما يسببه ذلك من آثار سلبية على الاستقرار الاقليمي والأمن العالمي بشكل عام. ولا شك ان الدول العربية عامة ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، معنية بتطورات الأزمة بين الهند وباكستان واحتمالات تصاعد التوتر بينهما، بحكم الجوار الجغرافي والعلاقات متعددة المستويات اقتصادياً وبشرياً وانعكاسات ذلك كله على أمن المنطقة واستقرارها. فالهند، القوة النووية والعملاق البشري (بتعداد سكانها الذي يتجاوز 1.2 مليار نسمة)، ارتبطت تاريخياً بعلاقات واسعة ووثيقة مع الدول العربية، وكانت على مدى عقود من الزمن منذ استقلالها، مسانداً قوياً لحقوق العرب وقضاياهم المصيرية، فضلاً عن المصالح المشتركة الكثيرة والمتنوعة بما في ذلك حقيقة ان الهند، رغم قوتها النووية، لاتزال دولة نامية، شأن جارتها باكستان، كما هو حال الدول العربية كلها. اما باكستان، صاحبة القوة النووية او «القنبلة الاسلامية» كما يحلو لاعداء الاسلام والمسلمين ان يسموها، فهي ايضاً ترتبط بعلاقات تاريخية وسياسية واقتصادية مع الدول العربية ومع دول مجلس التعاون خاصة، فضلاً عن رابطة العقيدة والدين الحنيف. من هنا أهمية الجولة الخليجية للرئيس الباكستاني برويز مشرف، والتي بدأها بدولة الامارات العربية المتحدة وشملت المملكة العربية السعودية. النصيحة الصادقة في دولة الامارات اطلع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة من الرئيس الباكستاني على تطورات الوضع بين الهند وباكستان، والجهود المبذولة لاحتواء الأزمة بينهما. وعقب اجتماع ثنائي بين الرئيسين، اكد صاحب السمو الشيخ زايد على ضرورة نزع فتيل التوتر بين الهند وباكستان بالحوار والتفاهم، وبذل كل جهد ممكن للتقريب بين البلدين الجارين، من اجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. كما أجرى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، محادثات موسعة مع الرئيس الباكستاني استعرضا خلالها آخر تطورات الوضع في المنطقة وما آلت اليه الجهود الدولية والاقليمية لتهدئة التوتر بين الهند وباكستان. ومرة أخرى أكد سمو الشيخ محمد بن راشد على موقف الامارات الداعي الى الاحتكام لصوت العقل والمنطق السلمي، بعيداً عن قرع طبول الحرب التي ستكون نتيجتها وخيمة على شعبي البلدين الجارين وعلى المنطقة والعالم. وأكد سموه ان دولة الامارات بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد حريصة كل الحرص على تهدئة الوضع بين الهند وباكستان حفاظا على مصالح وأمن وسلامة شعبيهما وشعوب المنطقة. وتأتي هذه المواقف في دولة الامارات انسجاماً مع سياستها الراسخة القائمة على مباديء حسن الجوار وتغليب منطق الحكمة والتعقل في العلاقات الدولية، وحل النزاعات بالطرق السلمية عن طريق الحوار والتفاهم، حفاظاً على الأمن والاستقرار الدوليين. وقد آتت هذه السياسة أُكلها وأثبتت جدواها ونجاعتها، حيث ترتبط دولة الامارات بعلاقات جيدة مع جميع دول الجوار وتحظى بالاحترام والتقدير على المستويين الاقليمي والدولي، فضلاً عن المستوى العربي حيث تمثل سياسة الامارات نموذجاً يحتذى بين الاشقاء. لذلك نجد الرئيس الباكستاني يشيد بالجهود التي تبذلها دولة الامارات بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد، لاحتواء الأزمة ونزع فتيل التوتر بين بلاده والهند، وافساح المجال أمام الحل السلمي لمشكلة كشمير المتنازع عليها بين البلدين، معرباً عن شكره وامتنانه لنصيحة صاحب السمو رئيس الدولة وللامارات حكومة وشعباً للجهود المبذولة لحل النزاع ومنع تطور الموقف الى المواجهة العسكرية. المحطة السعودية في المرحلة الثانية من جولته الخليجية اجتمع الرئيس مشرف مع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي، حيث سيطر ملف الخلاف الباكستاني الهندي وجهود احتوائه على مباحثات الجانبين. وتؤكد جولة الرئيس الباكستاني في محطتيها الاماراتية والسعودية وفي هذا الوقت الذي تواجه فيه بلاده ازمة بهذا الحجم والخطورة الاهمية الخاصة للدور الاقليمي والدولي لدول مجلس التعاون عموما وللمواقف والسياسات الحكيمة التي عرفت بها الامارات دوما في علاقاتها الدولية وتعاملها مع مختلف القضايا والنزاعات، وكذلك اهمية المملكة العربية السعودية ومكانتها العربية والاسلامية. وقد تزامنت هذه الجولة للرئيس الباكستاني مع وصول دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي الى نيودلهي (الاربعاء) في بداية مسعى آخر لتخفيف التوتر بين الهند وباكستان، بينما اعلنت الهند عن اجراءات للتهدئة بينها سحب سفنها الحربية من المياه الاقليمية القريبة من باكستان اضافة الى الحديث عن احتمال عودة سفيرها او بعض دبلوماسييها الى اسلام اباد. ورغم تعدد الجهود الاقليمية والدولية وبوادر الانفراج في الازمة الراهنة بين الهند وباكستان، الا ان غيوم التوتر واحتمالات الحرب بين البلدين لم تنقشع كليا بعد، خاصة وان الاسباب الحقيقية للازمة لم تتغير ومازالت قابلة للاشتعال مجددا في اي لحظة سواء لاسباب مباشرة مثل الوضع في كشمير، او لاسباب اخرى داخلية كالحسابات الحزبية وتصدير الازمات او خارجية بفعل ضغوط او تقاطع مصالح مع اطراف تجد ان لها مصلحة في ابقاء التوتر بين البلدين وفي المنطقة بشكل عام. لذلك فان الدور العربي مهم ومطلوب لتطويق الازمة الهندية الباكستانية وتخفيف التوتر بينهما، ولاشك ان الامارات والسعودية تأتيان في مقدمة الاطراف العربية الاكثر قدرة على التحرك في هذا الاتجاه، لما تتمتع به الدولتان من علاقات قوية مع كل من الهند وباكستان وما للبلدين العربيين من مصداقية سياسية ومكانة اقليمية ودولية