هل للقاتل قلب.. هل يرتجف جفنه امام انفجار الدم من ضحيته؟ هذا السؤال المقدم، هو جوهر اشكالياتنا مع ما يسمى معسكر السلام الصهيوني، وهي اشكالية مبنية ايضا على سؤال: كيف يمكن التعامل مع قادم من وراء البحار ليطردك من بيتك ومن ثم يرق قلبه لحالك ويعرض عليك اقتسام البيت؟! «آلهة الرفض» محاصرون عرضت في الآونة الاخيرة شبكتا التلفزة الاميركيتين «سي. ان. ان» و«سي. بي. اس» برنامجين عن ضباط وجنود الاحتلال الاسرائيلي من الاحتياط الرافضين للخدمة في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. اكثر المشاهد تأثيرا كان احد هؤلاء الجنود الذي كان من بين اخرين اقتحموا منزلا فلسطينيا واذلوا نساءه ورجاله واطفاله بطريقة وحشية، فما كان منه الا ان تمتم منهكا امام الكاميرا: يا الهي ما الذي افعله هنا؟! من هذا السؤال انطلقت تساؤلات سرعان ما تحولت الى اخطر ظاهرة تهدد جيش الاحتلال، اخطر حتى من الجيوش العربية: جنود اسرائيليون متمردون يعلنون رفضهم المشاركة في البطش بالفلسطينيين. الجندي ديفيد زونشين «29 عاما» ومهندس الكمبيوتر اطلق حركة التمرد هذه من دون ان يدري. فما كاد ان ينهي ثلاثة اسابيع من خدمته كاحتياطي في قطاع غزة حتى اصابته «نوبة ضمير» حين تذكر انه حفيد احد الناجين من المحارق النازية قال لوكالة الاسيوشيتدبريس الاميركية «كيهودي لا استطيع تنفيذ المهمات الموكولة الي ضد الفلسطينيين، وحتى لو انهار العالم من حولي لن ادخل المناطق الفلسطينية مجددا لانتهك وامارس الاذلال لفلسطيني امام ابنائه». في يناير الماضي، ابلغ زونشين مرؤسيه انه لن يعود الى الخدمة، وقام هو وصديق له بنشر رسالة على شبكة الانترنت اعلنا فيها رفضهما للخدمة العسكرية في الضفة وغزة والمشاركة في قهر ما يزيد على ثلاثة ملايين فلسطيني، واتفق الاثنان على انهما سيكشفان عن اسميهما اذا انضم لهما ثمانية اخرون، وفي اقل من اسبوع انضم اليهما 50 متمردا فسارعوا جميعا لاطلاق بيان عبر الصحف حمل اسم «شجاعة الرفض». خلال ثلاثة شهور فقط كان الموقعون على بيان الرفض 463 نشروا اسماءهم على الشبكة، ولقبوا بـ «الهة الرفض» وهو الاسم الذي اطلق على يهود الاتحاد السوفييتي سابقا حين كانوا «يكافحون» لانتزاع حق الهجرة. ثارت ثائرة المجتمع الصهيوني، وتنادى كتاب الصحف العبرية للتنديد بهذه الظاهرة التي اعتبروها خطرا داهما يهدد بتسميم الجيش الاسرائيلي من الداخل، وتعرض زونشين ورفاقه الى حصار مطبق حتى ان عائلته قاطعته كون افرادها من اليهود المتطرفين. شون لاكوب احد هؤلاء المتمردين قضى 31 يوما في السجن، وبعدها انقطعت علاقته مع صديق عمره الذي اصيب خلال مجزرة جنين. وفي مقابل هذا الحصار حصل المتمردون على دعم حركة «السلام الان» الاسرائيلية التي كانت نظمت تمردات مماثلة ابان احتلال جنوب لبنان، هذه الحركة سارعت لتبني هؤلاء ورأت فيهم فرصة لاستعادة نشاطها الذي خبا امام تقدم قوى التطرف اليهودية. كذلك نشر 157 اكاديميا من الجامعات والمعاهد الاسرائيلية اسماءهم على الانترنت كداعمين لهؤلاء الذين لم يفلح تمردهم في زحزحة العدوان قيد انملة، بل تركنا امام السؤال السابق نفسه! فجيعة القاتل حين يصحو وفي البال ايضا تلك الحادثة التي تكشف مدى الرعب المأساوي حين يكتشف القاتل ان له قلب انسان. كان ذلك منذ نحو ثمانية شهور جنديان اسرائيليان يشاركان في العدوان المستمر في قطاع غزة، احدهما صوب رشاشه تجاه فلسطينية حامل اطلق الرصاص بدم بارد ومن دون داع او خطر محدق. هرع الاثنان الى السيدة الملقاة على الارض تحدق فيهما بعيون فارغة وجامدة وهي تلفظ انفاسها الاخيرة مع جنين لم ير النور. نقل الاثنان الى مركز للجيش الصهيوني «للتحقيق» وذهل القاتل للمعاملة التكريمية التي لقيها حتى انه لم يوجه له اي سؤال. في ليلة كان الاثنان يحتسيان الكحول في معسكر بصحبة عشيقتيهما المجندتين، رقصوا جميعا، ودارت الخمرة في الرؤوس، سرح القاتل قليلا ثم غادر الخيمة مطالبا صديقه بان يهتم بعشيقته، ورفض مرافقة اي منهم له. وما هي الا لحظات حتى سمعوا صوت عيار ناري، هرعوا نحو المشهد: عينا القاتل جاحظتان وجزء من جمجمته طار مع رصاصة رشاشة. تناقلت وسائل الاعلام العبرية على استحياء خبر انتحاره من دون الاشارة الى السبب. هويدا وشابيرو يكسران المحرمات وغير بعيد عن القصص العسكرية النابضة ببقايا انسانية، هناك حكايا مدنية على صلة بالسؤال الآنف: هل تحمل تربة الشر ببذور خيرة؟ الحكاية بدأت منذ عامين في القدس حين تعرفت هويدا العراف الاميركية من اصل فلسطيني على آدم شابيرو الاميركي اليهودي الذي كان يدير انشطة «مركز بذور السلام». خلال العدوان الاخير تمكن شابيرو في 29 مارس الماضي من الدخول الى المقر المحاصر للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله حين تخفى مع آخرين في سيارة اسعاف لحماية عرفات من البطش الذي كان يتهدده. شعر شابيرو بالسعادة وهو يتناول الطعام مع الرمز الفلسطيني ومساعديه، قبل ان يخرج مجددا من المقر ليواصل انشطة التضامن مع الشعب المضطهد، لكن الاحتلال كان له بالمرصاد، وبعد اعتقال وتحقيق تم ترحيله الى الولايات المتحدة. اما هويدا وناشطة اخرى فقد اعتقلتا خلال محاولة الدخول الى كنيسة المهد ابان حصارها الشهير لاغاثة الجوعى فيها، تمكن عشرة من المتضامنين الاجانب من دخول الكنيسة فيما كان نصيب هويدا الاعتقال والترحيل الى مطار بن غوريون ومن ثم الى ديترويت الاميركية بعد اضرابها عن الطعام لمدة خمسة ايام. شابيرو «30 عاما» وهويدا «26 عاما» تزوجا منتصف الشهر الماضي في كنيسة كاثوليكية بديترويت في حفل زفاف تليت فيه التوراة. قالت هويدا «الامر ليس غريبا لدي اصدقاء اسرائيليون لكن المشكلة ان الصهاينة لا يفهمون ان الفلسطينيين شعب محتل ويناضل من اجل حريته». اما شابيرو الذي عبر عن سعادته العارمة فلم يأبه لتهديدات اليهود في نيويورك لاسرته التي اضطرت لهجر منزلها قبل ان تعود له بحماية الشرطة. اعلن الاثنان انهما بعد شهر العسل في جمايكا سيعودان مجددا الى الضفة الغربية لمتابعة الانشطة ضد الاحتلال. وطن لا يقبل القسمة تمر المشاهد هذه في الذاكرة، من دون ان تقوى على زحزحة السؤال ذاته: هل يمكن تخدير الآلام المصاحبة للاحتلال؟ هذا السؤال يذكر بالجدال الذي ثار في اوساط فصائل منظمة التحرير الفلسطينية اوائل السبعينيات، حول شكل العلاقة مع المحتل الصهيوني في ظل اختلال موازين القوى ضد العرب جراء تبني الولايات المتحدة والغرب عموما للمشروع الاسرائيلي في الشرق الاوسط. ميثاق منظمة التحرير قبل تعديله حل المعضلة عبر «فلسطين دولة ديمقراطية علمانية يعيش فيها الفلسطينيون واليهود سويا» او ما عرف انها بالتعايش السلمي. لكن خلل موازين القوى اياه جعل توفر موطيء قدم للفلسطينيين على ارضهم في مصاف التمنيات، وهبط السقف السياسي للنضال الفلسطيني الى دولة مشتهاة في المناطق التي احتلت عام 1967. بيد ان اشكالية اللاجئين الذين هجروا من المناطق التي احتلت عام 1948 جعلت هذا السقف اخفض من حقهم الشرعي في العودة، واعادت الجدال مجددا حول عدالة الحلول السياسية المطروحة والاهم مدى نجاحها في حيازة صفة الديمومة واسدال الستار على اعقد الصراعات على وجه الارض مرة اخرى، واذا ما تجاوزنا الوضع الراهن بمعطياته وموازين قواه نحو الامام، يبرز مجددا سؤال البيت، الذي يذكر بالكاريكاتير الشهير للمرحوم ناجي العلي، حيث اسرائيلية تسأل فلسطينيا يركب الحمار: «ركبني على حمارك» وفي المشهد الثاني بعد قبوله تقول له «حمارنا تعب» ومن ثم تصرخ فيه «انزل عن حماري»! الوطن، البيت لا يقبل القسمة او الاقتسام مع غرباء، وعليه هي دعوة للذاكرة الفلسطينية والعربية ان تحفظ هذه المقولة جيدا، وان تتفهم الانحناءات المرحلية الجارية مع التمسك بالشموخ المستقبلي المأمول، وشعاره: فلسطين لاهلها الفلسطينيين يؤسسون دولتهم على كامل ترابها، ويمكن لهم السماح ببقاء يهود لا يمتلكون بيتا اخر لكن على سبيل الضيافة لها الحق التاريخي المزعوم. خالد ابوكريم