في الوقت الذي نؤمن فيه أن قيام سلطة فلسطينية يعتبر مطلبا وطنيا وشرعيا، ولذا رحب الشعب الفلسطيني بقيام سلطة الحكم الذاتي خاصة في بداية الأمر، ظنا منه وقد غررت به التصريحات البراقة، أنه سيتخلص من الاحتلال ليعيش مرحلة استقلال حقيقية، ولكن الذين لم تتمكن الدعاية الإعلامية المضللة من الاستحواذ على عقولهم، وسلبهم أفهامهم وقفوا موقف المتوجس خيفة من مخاطر قيام سلطة فلسطينية قبل الأوان، وبشروط تسلب السلطة سلطتها، وأدركوا أن سلطة الحكم الذاتي التي قامت بناء على اتفاقيات أوسلو قد ولدت مكبلة، وإرادتها مصادرة، ولابد إذن أنها ستعيش مأزقا حقيقيا، وأنها لن تتمكن أبدا من تلبية طموحات الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال، وحذروا من خطورة التفاؤل غير المحسوب، ولكن السلطة لم تلق بالا لهذا الطرح الواعي والذي كانت تمثله الحركة الإسلامية في فلسطين، وكذلك الحركات الإسلامية المختلفة في أقطارنا العربية والإسلامية، وكثير من القوى الأخرى، وضربت السلطة عرض الحائط بهذه النصائح المخلصة، فماذا كانت النتيجة؟ كما نرى فشلا ذريعا أعاد القضية الفلسطينية عشرات السنين إلى الوراء، مما يشكل تهديدا لمستقبل القضية الفلسطينية، بل وللوجود الفلسطيني. فلا غرابة إذن أن رفضت الحركة الإسلامية المشاركة في السلطة، بل الغرابة كل الغرابة أن تقبل المشاركة فيها بعد أن تكشفت الأمور وتبين أن الحركة كانت على صواب في موقفها الرافض لأوسلو، فالسلطة اليوم تقف عاجزة أمام ما ألزمت به نفسها فيما وقعت عليه، بل لا تجد سبيلا للهروب من الضغوط التي تمارس عليها من الغرب، والشرق، والصهاينة، والعرب بحجة أنها لم تف بما التزمت به في الاتفاقيات المعقودة، فهي في مأزق حقيقي خلقته لنفسها، وكأن دعوتها اليوم لفصائل المعارضة للدخول في السلطة، ليست سوى دعوة لحشر المعارضة في نفس المأزق بدلا من بذل الجهد نحو إصلاح حقيقي يخدم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، ويحرر السلطة من مأزقها. وواجبنا الوطني يفرض علينا أن نتحرك الآن وقبل فوات الأوان من أجل إنقاذ شعبنا الفلسطيني من براثن أوسلو واستحقاقاتها، ولا يكون ذلك إلا بإلغاء هذه الاتفاقية المشئومة، وإن تساءل متسائل: ألا يعني إلغاء أوسلو نهاية السلطة التي انبثقت عنها؟ وإن كان كذلك فأي مصلحة للشعب الفلسطيني إذن في إنهاء السلطة؟ نقول بأن السلطة لا تنتهي بإلغاء أوسلو، ولكن الذي سينتهي هو عجز السلطة، لتولد من جديد كثمرة لاستمرار المقاومة، وليس كما يريدها الصهاينة معولا لهدم المقاومة، فالسلطة المطلوبة لإنقاذ الحالة الفلسطينية يجب أن تكون سلطة حرة مستقلة، غير مكبلة أو ملاحقة بالضغوط الأميركية والصهيونية، وسلطة كهذه لا يمكن أن تفرزها حالة الضعف التي كانت تعيشها منظمة التحرير الفلسطينية عندما بدأت مفاوضاتها مع العدو الصهيوني، حيث كان همها الأكبر اعتراف العدو الصهيوني بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، ولتحقيق هذا الهدف دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا، فقد كانت المنظمة تملك أوراق ضغط هامة، منها الانتفاضة والمقاومة، ومنها الحاجة الصهيونية للانفتاح على العواصم العربية، ومنها وحدة الشارع الفلسطيني على خيار المقاومة، ومنها عدم الاعتراف بشرعية الدولة العبرية الغاصبة، ولكنها مزقت كل أوراقها على أعتاب المفاوضات وقبل الحصول على شيء، فقد نبذت الإرهاب «المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني»، ولقد اعترفت بما يسمى بدولة «إسرائيل»، ثم انسلخت عن الوفود العربية مما أضعفها على طاولة المفاوضات، وقبلت بلعب دور خطير تمثل بالتصدي للمقاومة الفلسطينية المشروعة، ثم ألغت الميثاق، أي أنها حرقت سفنها قبل أن تصل إلى بر الأمان فغرقت في دوامات الضغوط. والسلطة الآن تمثل نقطة الضعف الأشد في الحالة الفلسطينية، عليها تمارس الضغوط كي توقف المقاومة، ولولا ذلك لوقف العدو الصهيوني أمام خيارين أحلاهما مر، الأول أن ينسحب دون شرط أو قيد، والثاني أن يواصل احتلاله وعدوانه مع تلقيه الضربات الموجعة التي جعلت «يديعوت أحرونوت» تقول: «إن إسرائيل في أزمة كبرى بسبب العمليات الاستشهادية.. أزمة لا تتعلق بقتل أشخاص يهود فحسب ولكن أزمة تتعلق بوجود إسرائيل ككل أي وجودها كدولة»، ومما لا شك فيه أن الكيان الصهيوني لن يتحمل الضربات التي باتت تهدد وجوده، ولكنه اليوم يراهن على السلطة كي تنقذه من العمليات الاستشهادية، وطالما أن هذا الرهان قائم فلن يفكر في الخروج، ولن يسمح بميلاد سلطة حقيقية ذات سيادة. فالمطلوب إذن في هذه المرحلة أن ننقذ السلطة من حالة الضعف التي خلقها الالتزام بأوسلو، وأن نعزز قدرتها ببرنامج يرتكز إلى خيار المقاومة، فاندثار أوسلو يعتبر مصلحة عليا للشعب الفلسطيني، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام مشاركة كل القوى في صناعة القرار الفلسطيني المستقل، ويهييء الأجواء لميلاد سلطة مستقلة وقوية، وإذا كان العدو الصهيوني قد نفض يده من أوسلو، فلماذا لا تنفض السلطة يدها منها؟.