فلسطين أرض لها أهميتها عند أتباع الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام ولذلك دارت على أرضها العديد من الحروب باسم الدين كان من أهمها الحروب الصليبية أو الغزو الصليبي مئة عام، في العصر الوسيط واحتلالها لفترة تقترب من أو الاحتلال الاسرائيلي ثم الغزو الصهيوني لها في العصر الحديث والمستمر حتى الآن ونظرا لوجود تقارب كبير في الأسباب والظروف والأوضاع والأدوار بين الوجودين الصليبي في العصر الوسيط والصهيوني في العصر الحديث فقد قام الدكتور عبد الله بن الرحمن الربيعي الاستاذ المشارك بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية والمتخصص في العلاقات الحضارية بدراسة تاريخية استشرافية مهمة عن مستقبل الصراع على فلسطين في ضوء مقارنة بين الاستعمارين الصليبي والاسرائيلي تؤكد حتمية زوال الاحتلال الصهيوني لها مثلما زال الاحتلال الصليبي من قبل. وقد صدرت الدراسة مؤخرا مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة ويقول د. محمد خليفة مدير المركز أن المؤرخين العرب واليهود اهتموا كثيرا بدراسة التجربة الصليبية وتحليلها من أجل الاستفادة منها في تحديد مستقبل الصراع العربي الاسرائيلي على أرض فلسطين. فالمؤرخون العرب اهتموا بدراسة التجربة الصليبية من أجل التعرف على كيفية التخلص من الوجود الصليبي للاستفادة منه في تحقيق التخلص من الوجود الصهيوني الحالي في أرض فلسطين وعلى الجانب الآخر اهتم المؤرخون الصهاينة بدراسة نفس التجربة لمعرفة الأسباب التي أدت الى نهايتها لتجنبها في الصراع الحالي من أجل تحقيق استمرارية الوجود الصهيوني في أرض فلسطين.ويقول المؤلف د. عبدالله الربيعي أنني عقدت مقارنة بين الاستعمارين الصليبي والاسرائيلي لفلسطين لأسلط الأضواء على أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بينهما وأناقش مستقبل فلسطين من خلال ذلك ولكي تكون المقارنة علمية واستشراف مستقبل فلسطين مبنيا على رؤى مختلفة فقد اعتمدت على مصادر ومراجع عربية وأجنبية اسلامية ونصرانية ويهودية لكي يخرج البحث منطقيا قائما على أسس جلية ونتائج معقولة واتبعت في معالجة النصوص منهج التحليل التاريخي الذي يستفيد من منطوق النص ومفهومه دون تحميله أكثر مما يحمل من معان وإخضاعه لمحك النقد التاريخي المبني على أسباب ونتائج وتتمثل الجوانب المشتركة بين الغزوين ونقاط التماثل والتباين في عناصر كثيرة. دور أوروبا في الغزوين يشير الباحث الى أن فكرة الغزو الصليبي ظهرت في أوروبا الغربية وبدأ التنفيذ في مؤتمر كليرمون فيران عام 1095م وأسهم في الحملات الصليبية معظم الأوروبيين في الغرب والشمال والجنوب وكذلك الغزو الاسرائيلي فقد بدأت فكرته من أوروبا الغربية وبدأ التخطيط للتنفيذ في مؤتمر الكونغرس اليهودي الأول الذي عقد في بازل في سويسرا عام 1897م غير أن الزحف اليهودي المسلح على فلسطين تأخر عن هذا التاريخ الى عام 1917 وهو العام الذي شهد وعد بلفور والاستعمار البريطاني لفلسطين بمشاركة فيالق عسكرية عبرية. واذا كانت الحملة الصليبية الأولى قد جرت تحت قيادات دينية بمباركة البابوية وزعامات سياسية وعسكرية فإن الهجرات اليهودية قد تأثرت بمواعظ الحاخامات ووجهتها قيادات سياسية وتدربت في معسكرات أوروبية. وبالنسبة لعناصر بقاء الدولة في الغزوين فإذا أمعنا النظر في نشوء مملكة بيت المقدس والدويلات والامارات الصليبية نجد أن الصليبيين ساروا بمحاذاة الساحل والأسطول الايطالي يعينهم على احتلال موانئ فلسطين وبعد أن احتلوا القدس أخذوا يتوسعون باتجاه البحر الأحمر وشرق الأردن ووسط الشام وبعد مضي 88 سنة عادت القدس الى المسلمين وبدأت الدولة الصليبية تنحسر نحو الساحل الى أن زالت عام 1291م. أما اسرائيل فقد بدأت هي الأخرى بالساحل وجزء من القدس حتى آيلة على خليج العقبة الى نهر الأردن شرقا ما عدا الضفة الغربية الى حدود سيناء 1948 ـ 1967 ثم زادت رقعتها بعد حرب 1967 لتشمل سيناء والجولان والضفة الغربية ثم انسحبت من سيناء ونصف الجولان عام 1974 باتفاقية مع كل من مصر وسوريا وتفاهمت مع الفلسطينيين على حكم ذاتي لهم يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة منذ 1993. أما عن العوامل التي أدت الى ضمور الاستعمار الصليبي ثم زواله فقد تمثلت بانشغال أوروبا بمشكلات داخلية وصراع مع البابوية مقابل قوة المماليك التي لا يستهان بها وترتب على ذلك توقف المدد الأوروبي وتدهور الاقتصاد الصليبي وضعف الهجرة الأوروبية الى فلسطين ومغادرة كثير من الصليبيين الى القسطنطينية بعد قيام الامبراطورية اللاتينية فيها عام 1204م ونزوح عدد منهم الى قبرص بعد قيام مملكة قبرص اللاتينية عام 1205م وتدهور الاقتصاد الصليبي وبالنسبة لاسرائيل فانها تعاني من الأعراض نفسها فهناك ضآلة في حجم الهجرة الى اسرائيل وتزايد نسبة الهجرة منها الى الخارج بسبب عدم قدرة الدولة الاسرائيلية على تأمين أمن اليهود بسبب نشاط المقاومة الفلسطينية وترتب على كل ذلك أيضا عجز دائم في الميزانية العامة للدولة. وتبين الدراسة أن الغزوين الصليبي والاسرائيلي قد اعتمد الارهاب عنصرا مهما لبقاء الدولة، فقد قام الصليبيون في الحملة الأولى بمجازر كان أولها في معركة اسكي في 1097م ثم في معركة النعمان عام 1098م حيث قتلوا الآلاف من السكان ثم ذبحوا عددا لا يحصى من سكان القدس عام 1099م وآخرها المجزرة التي ارتكبها ريتشارد قلب الأسد عندما قتل ثلاثة آلاف من الحامية الاسلامية في عكا في عام 1191م بعد أن أمنهم واستخدمت اسرائيل السلاح نفسه في دير ياسين قرب القدس في ابريل عام 1948 عندما ذبحت منظمة هاجناه الارهابية أكثر من ثلاثمئة فرد من المدنيين العزل وهذا يشبه ما قامت به منظمتا الاستبارية والهيكليين أيام الصليبيين من مذابح وقطع الطريق على المسلمين. المستعمرات بعد أن احتل الصليبيون مدن فلسطين اتخذوا من الجبال قلاعا مطلة على طرق وأودية مهمة معظمها على الساحل الفلسطيني مثل قلعة الحاج «عتليت» على نحو عشرة أميال جنوب حيفا وقلعة عكا وقيسارية بين حيفا ويافا وقلعة النمرود في الجولان وعندما تسلل الاسرائيليون الى فلسطين اتخذوا مواقع استراتيجية معظمها قلاع صليبية مثل مستعمرة مرهافيا التي أقيمت عام 1911م على أنقاض قلعة الفولة التي كانت معقلا لفرسان الهيكليين الصليبيين ومستعمرة ايلون التي بناها اليهود قرب قلعة القرين التي بناها الهيكليون وسموها مونت مورت ثم تحصن بها فرسان اليتوتون عام 1228م وأطلقوا عليها ستار كنبرج ومنها مستعمرة تسيفوري التي شيدت عام 1949م مكان قلعة صفورية الصليبية شمال غرب الناصرة ومستعمرة مرغاليوت نسبة الى الارهابي الاسرائيلي الذي أسهم في احتلال الجليل التي أقيمت محل قلعة هونين الصليبية عام 1951 ومنها مستعمرة «كبرى» التي بناها الاسرائيليون عام 1949 مكان قلعة صليبية شمال عكا ومنها «عتليت» التي أقيمت عام 1903 على بقايا حصن صليبي بناه الهيكليون سنة 1218 وتحصن فيه اليتوتون وهو على بعد 20كم من حيفا وكان يسمى جبل الحاج ومنها مستعمرة رامات شالوم التي أقامتها اسرائيل عام 1969 قرب قلعة النمرود الصليبية. إذا كانت الحملات الصليبية قد عقدت ألويتها بمباركة البابوية واذا كان مندوبو البابوات على رأس كل حملة يوجهونها حسب الأهداف الدينية المرسومة لها واذا كان البابا هو المراقب العام الذي يرصد الأوضاع الصليبية في فلسطين ويتدخل في حال الخطر فإن المؤتمر اليهودي العام بحاخاماته ورجال السياسة والاقتصاد يجتمعون كل عام ليدرسوا كل صغيرة وكبيرة تهم مستقبل اسرائيل وقراراته ملزمة كما أن المنظمة الصهيونية العالمية رافد قوي لحل مشكلات اسرائيل السياسية والاقتصادية وكما حدث للصليبيين من خلاف بين رجال الكنيسة ورجال السياسة فإن خلافات تطرأ حينا وتختفي أحيانا بين العلمانيين السياسيين وبين الأحزاب الدينية الأمر الذي يشعل الفتيل داخل الدولة العبرية وإن كانت المصلحة العليا المتمثلة ببقاء اسرائيل هي صمام الأمان على الأقل في المدى المنظور. وتؤكد الدراسة على أن الدعم الغربي يعد أحد أهم العوامل التي أدت الى نجاح الغزوين الصليبي والاسرائيلي حيث دعم الغرب الأوروبي الكيانات الصليبية بحملات عسكرية ومساعدات مالية وعينية كلما أحس الغربيون بتفوق المسلمين وعندما توقف المدد العسكري والمادي ضعفت اقتصاديات الصليبيين بالمقابل قويت الجبهة الاسلامية في مصر والشام مما أدى الى سقوط معاقل الصليبيين واحدا بعد الآخر أما اسرائيل فقد تعهدتها في بداية الأمر بريطانيا ثم تبنتها أميركا ضمن استراتيجية سياسية واقتصادية بعيدة المدة وكلما أنست أمريكا تحركا عربيا لجأت الى المهادنة ومفاوضات السلام واضعة خطوطاً حمراء لا تسمح للعرب بتجاوزها ضمانا لأمن اسرائيل ولكن رياح المصالح تتغير وربما تنصرف أميركا عن حليفها الاستراتيجي بعض الوقت لكن اللوبي الصهيوني يعيدها اليه. واذا كانت الأساطيل الايطالية قد أدت دورا في حماية الامارات الصليبية في الساحل الفلسطيني فإن الأساطيل الأوروبية والاميركية المتمركزة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط تقوم بالدور نفسه مع اسرائيل. الخلل الاجتماعي وللعامل الاجتماعي دور مهم في إنهاء الاحتلال الصليبي بسبب الخلل الذي حدث داخل المجتمع لظهور جيل جديد آباؤه غربيون وامهاته شرقيات أطلق عليه «البولان» أي المولودون وقد اتهمه المجتمع الصليبي الغربي بسوء أخلاقه وضعف ولائه بسبب اتصال هذا الجيل بالمسلمين وتأثره بحضارتهم ولاشك أن هذه النظرة ولدت لدى هذا الجيل موقفا مضادا للعرق الأوروبي النقي مما أحدث خللا في التركيبة الاجتماعية الصليبية يضاف الى ذلك أن نصارى فلسطين لم يحظوا بثقة الصليبيين بل أنهم فقدوا مزايا اجتماعية كانوا يتمتعون بها ابان الحكم الاسلامي وتتكرر الآن نفس القضية داخل المجتمع الاسرائيلي حيث ينظر اليهود الغربيون الى «الصابرا» وهم الذين ولدوا في فلسطين نظرة ريب لما يعتبر اليهود الغربيون العنصر الشرقي والفلاشا أقل مرتبة وشأنا وهذه النظرات الاجتماعية تحدث شرخا في لحمة المجتمع اليهودي، الأمر الذي يضعف الانتماء القومي ويكرس الانتماء الى بلد الأصل. تعتبر القدس قلب الصراع في الغزوين الصليبي والصهيوني لما تضمه من مقدسات للأديان السماوية الثلاثة بالنسبة للغزو الصليبي فبعد أن استعاد صلاح الدين الأيوبي القدس من الصليبيين ظلت مملكة بيت المقدس اسما في عكا ثم في قبرص وبعثت أوروبا العديد من حملاتها الصليبية من أجل اعادة احتلال المدينة المقدسة من خلال الحملات الثالثة والخامسة والسابعة أما الحملة السادسة التي قادها فريدريك الثاني فقد أسفرت عن مفاوضات سلمية بينه وبين الملك الكامل سلطان مصر انتهت الى توقيع اتفاقية يافا عام 1229م تنازل الكامل فيها عن القدس واحتفظ بمنطقة المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبعد انتهاء الهدنة بين الكامل وفريدريك ومدتها عشر سنين قدمت حملة فرنسية بقيادة تيبو الرابع كونت شمبا في عام 1239م ولأن الخلاف كان قد نشأ بين أمراء البيت الأيوبي فعرض الملك الصالح عماد الدين اسماعيل صاحب دمشق عام 1240م على الصليبيين تسليمهم القدس وطبرية وعسقلان وقلعة ثقيف أرنون وصفد وسائر بلاد الساحل وجبل عاملة مقابل الصلح معهم. وعندما تجدد الخلاف بين الأيوبييين في عهد الصالح نجم الدين أيوب سلطان مصر سلم الأيوبيون المسجد الأقصى وقبة الصخرة للصليبيين عام 1244م مقابل مساعدتهم للملك الصالح نجم الدين أيوب ضد مناوئيه وهكذا ظلت القدس تابعة اسميا للصليبيين من عام 1229 ـ 1244م حتى استعادها الملك الصالح نجم الدين أيوب في 11 يوليو 1244م والتي كان قد تنازل عنها لظرف سياسي واذا كانت القدس قد خضعت لظروف الطرفين احتلالا وتحريرا وتسليما واستعادة فإن الرأي العام الاسلامي لم يتغير إزاء مسألة القدس ولم يقر تلك المفاوضات السياسية وهذا ما يشابه ظروف القدس اليوم فقد احتلت اسرائيل نصفها الغربي عام 1948 ثم هيمنت على القسم الشرقي بما فيه منطقة المسجد الأقصى وقبة الصخرة منذ عام 1967 واشترت السلام من مصر مقابل انسحابها من سيناء وبدأت مفاوضات الحكم الذاتي مع الفلسطينيين الذين يصرون على دولة مستقلة تشمل قطاع غزة والضفة الغربية تكون عاصمتها القدس وهذا ما ترفضه اسرائيل ولكن ربما تتغير الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية فتجبر اسرائيل على تقسيم القدس الى عاصمتين غربية لاسرائيل وشرقية للدولة الفلسطينية. دور الماسونية لعبت الماسونية دورا هاما في الغزوين الصليبي والصهيوني فقد ذكر مؤرخو الماسونية أن ريتشارد قلب الأسد انتخب عام 1155م استاذا أعظم للمحافل الماسونية في انجلترا وظل في هذه الرتبة الماسونية الى أن مات وبعد أن عاد الأمير الانجليزي ادوارد من حملته على عكا عام 1271 رعي في لندن طبقة ماسونية وانتشرت محافلها في انجلترا وايطاليا واسبانيا وفرنسا ويبدو أن القاسم المشترك بين ريتشارد وادوارد ذهابهما في حملة على فلسطين مما يعني أن عضوية المحفل الماسوني مرتبطة بمدى نشاط العضو في تكريس استعمار فلسطين من قبل الصليبيين أو من قبل الاسرائيليين ولارتباط الماسونية بهيكل سليمان أسس في القدس عام 1873 أول محفل ماسوني في فلسطين اسمه «محفل سليمان» وقد قامت المحافل الماسونية في جميع أنحاء العالم بدورها في الاطاحة بالدولة العثمانية لوقوف سلاطينها حجرة عثرة أمام استعمار فسطين وما زالت الدولة العبرية تعتمد على أعضاء ماسونيين عربا وعجما في بث دعاياتها وجمع المعلومات عن العالم العربي واحباط أي مشروع وحدوي بل وعرقلة عقد المؤتمرات المصيرية إن وجدت ذات العلاقة بمستقبل الصراع العربي الاسرائيلي. وفي ختام الدراسة يؤكد الباحث أنه من خلال المقارنة بين الاستعمارين الصليبي والصهيوني ونظراً للتشابه الكبير بينهما أن زوال الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين أمر متوقع وقيام دولة فلسطينية مستقلة استقلالا تاما في المدى القريب أو على المدى البعيد وذلك عندما يضعف الدعم الخارجي وتتفاقم الأزمات الداخلية وتقوى المقاومة الفلسطينية في الداخل وتتحد الجبهة العربية المحيطة وتتفوق عسكريا واقتصاديا.