في الوقت الذي تشتد قبضة الاحتلال على المناطق الفلسطينية بالعزل والإغلاق والحصار، ومواصلة أعمال القتل والإرهاب والترويع، تعمل الحكومة الإسرائيلية على ترسيم وعسكرة نظام فصل عنصري بغيض ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وذلك عبر اتباع خطين متوازيين، أولهما محاولة فرض التعامل مع ما يسمى «الإدارة المدنية» الإسرائيلية من خلال اشتراط حصول المواطنين على تصاريح خاصة من هذه الإدارة للتنقل بين أنحاء الأراضي الفلسطينية، وثانيهما الإعلان رسمياً والشروع في إقامة المناطق والجدران العازلة تحت ذريعة وباسم «المناطق الآمنة»، والتي تحول فعلياً المناطق الفلسطينية إلى «بانتوستانات» ومعازل، بل سجون حقيقية، الأمر الذي يجسد ابشع صور الابارتهايد، وإعادة الاحتلال، في كل المناطق الفلسطينية، إلى صورته المباشرة والأكثر بشاعة ووحشية. وذكر تقرير خاص صادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، إن المتتبع بدقة لما تقوم به سلطات الاحتلال على الأرض يستطيع أن يلمس بوضوح أن الحديث لا يدور عن «مناطق آمنة» أو «عازلة» لمنع عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية، بل يدور بالأساس عن استمرار لحرب سلامة المستوطنات التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني منذ ما يقارب العامين، والتي تدلل بشكل قاطع أن المحرك الأساسي لهذه الحرب هي الأيديولوجية العنصرية الصهيونية والقائمة على إدامة الاحتلال ومبدأ الإحلال ونفي الآخر، واعتبار أن كل فلسطين هي «ارض إسرائيل» وبالتالي عدم التخلي عن سياسة الاستيطان ومن الواضح أن ما سمته إسرائيل بالمرحلة «ب» من عملية السور الواقي والتي كانت مرحلة «أ» منها هي حملة قتل وتدمير. هذه المرحلة الثانية ما هي إلا عملية إقامة أسوار واقعية للمستوطنات من خلال تكريس الاحتلال المباشر بالقوة العسكرية الغاشمة، وفرض خارطة فصل عنصري، تكون بحسب السياسة الإسرائيلية هي خارطة وحدود أي تسوية نهائية للصراع، وهي كذلك تطبيق لمشروع «النجوم السبعة» الاستيطاني الذي أطلقه «شارون» سنة 1993م إبان توليه منصب وزير المالية. وبالنظر إلى خارطة الحواجز العسكرية الإسرائيلية، وأعمال التجريف وبناء الجدران الفاصلة، والنشاطات التوسعية الاستيطانية، فان الضفة الغربية تبدو وقد تحولت إلى أكثر من ثمانية معازل، تفصل بينها الحواجز العسكرية والطرق الالتفافية الخاصة بالجيش والمستوطنين، وتشكل المستوطنات القائمة الجسم الأساسي لعملية العزل الجغرافي والديموغرافي، حيث تعمل الحكومة الإسرائيلية على تعزيز هذا الجسم الاستيطاني بمزيد من البناء ونهب الأرض. ويتضح من خلال متابعتنا لما يجري على الأرض ما يلي: الاعلان عن بدء العمل في أكبر مشروع استيطاني في الضفة الغربية، وهو بناء مستوطنة جديدة في المسافة بين مستوطنتي «الكنا» و«شاعري تفكا» جنوب شرق محافظة قلقيلية، وذلك على 130 قطعة ارض وبواقع 350 وحدة سكن وعشرات الفيلات الخاصة، فان المساحة غربي المستوطنتين المذكورتين وصولاً إلى خط 4 حزيران غرباً، تكون قد تحولت إلى جيب فلسطيني معزول تماماً ومغلق بدائرة استيطانية من مستوطنات: شاعري تكفا، الكنا، عيتس افرايم، واورانيت، وتتواصل بخط عازل شمالاً حتى مستوطنة «الفي مناشيه» والتي شهدت مؤخراً البدء بأعمال تجريف واسعة في أراضي قرية «عسلة» شرق قلقيلية، بهدف بناء حي استيطاني جديد باسم «تل طال» والذي سيكمل إغلاق خط العزل. كشفت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية، النقاب عن طرح مناقصات لبناء 957 وحدة سكنية استيطانية، بعد أن حصلت على مصادقة وزير الحرب الإسرائيلي بن اليعازر، تضاف إلى البدء ببناء 480 وحدة في شهر نيسان الماضي، لتصبح بمجموعها 1437 وحدة، وتتركز غالبية أعمال البناء في مستوطنات محيط القدس وشمالي مدينة بيت لحم، حيث ستبنى 74 وحدة في مستوطنة «هار أدار» شمال غرب مدينة القدس، 244 في «بيتار عيليت» غرب مدينة بيت لحم، 76 في جفعات بنيامين شمال غرب القدس، 224 في «معالية ادوميم» شرقي القدس، إضافة إلى 339 وحدة في مستوطنة «افرات» جنوب شرق مدينة بيت لحم. إذا أضفنا إلى هذه العملية التوسعية، شبكة الطرق الالتفافية والأنفاق التي يجري العمل في تنفيذها منذ عدة اشهر في مدينة القدس ومحيطها، وكذلك ما يجري اليوم من عملية إنشاء لمنطقة عازلة شمالي مدينة بيت لحم عن طريق حفر خندق عميق وبمحاذاته سياج مزدوج بطول أربعة كيلومترات، والذي من شأنه ضم أكثر من 4 آلاف دونم من أراضي بيت لحم، بيت ساحور، وبيت جالا وضمها لبلدية «اولمرت»، فان عملية تطويق القدس بثلاث أقواس استيطانية من الشمال والشرق والجنوب تكون في مراحلها النهائية، مما سيعزلها بالكامل عن امتدادها ومحيطها الفلسطيني ويحولها إلى حاجز ضخم يفصل شمال الضفة الفلسطينية عن جنوبها. السياج المكهرب في إطار تنفيذ خطة بن اليعازر، والتي سيتم بمقتضاها، بناء سياج مكهرب وجدران لفصل الضفة الغربية عن إسرائيل بطول 90 كلم، يتواصل العمل في إقامة هذا الجدار في مقطع محافظة طولكرم من الغرب والجنوب الغربي، وعلى امتداده 2.5 كلم في أراضي قرى: الراس، فرعون، خربة جبارة، شوفة وكفر صور، حيث ستقام كذلك بوابتان حديديتان،، ويقع خط الفصل في أراضي الضفة الغربية بعرض لا يقل عن 2 ـ3 كلم، في عملية ترسيم جديد لحدود حزيران، الأمر الذي يعني ضم آلاف الدونمات إلى إسرائيل، فقرية كفر صور وحدها ستفقد اكثر من 2273 دونماً من أراضيها في هذا الحزام. وتأتي هذه العملية في إطار تنفيذ قرارين عسكريين إسرائيليين الأول خاص بقطاع غزة ويسري حتى 1/5/2007م والثاني بالضفة الغربية ويسري حتى 3/6/2006م، حيث سيجري بموجبهما مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الضفة وغزة على طول الخط الأخضر لإقامة الجدران الفاصلة. تمهيداً لبدء العمل في إقامة الجدار العازل في غرب محافظة رام الله، تواصل قوات الاحتلال فرض حصار مشدد وعزلة تامة على قرى شمال غرب وغرب المحافظة، حيث تخضع اكثر من 15 قرية فلسطينية عزلة خانقة منذ عدة أشهر، وتقع في هذه المنطقة مستوطنات: كريات سيفر، حشمونائيم، متتياهو، ناعلا، نيلي ومبو حوردن، وقد سبق لقوات الاحتلال في مطلع سنة 2000م، ان نقلت الحاجز العسكري الإسرائيلي المقام على الخط الأخضر إلى الشرق بمسافة 3 كلم داخل أراضي الضفة الغربية. تمتد عملية الفصل العنصري إلى عمق المناطق الفلسطينية، والتي تفرضها سلسلة طويلة من الطرق الالتفافية الخاصة باستعمال الجيش والمستوطنين، وعدد كبير جداً من الحواجز العسكرية الإسرائيلية المنتشرة على طول هذه الطرق وعلى المفترقات الرئيسية ومداخل التجمعات السكانية الفلسطينية، حيث تمنع حركة المواطنين الفلسطينيين وتخضع المدن والقرى والمخيمات لحالة حصار أشبه بالسجون وأماكن التجميع النازية، إذ تبدو المناطق الفلسطينية بانتونات وغيتوهات عزل عنصري. وتشهد الأراضي الفلسطينية الواقعة بمحاذاة هذا الخط من الجنوب والشرق حركة توسع استيطاني كبيراً، ببناء المزيد من مقاطع عابر السامرة، وإنشاء اكثر من 7 مواقع «بؤر» استيطانية، وجاءت عملية مصادرة اكثر من خمسة آلاف دونم من أراضي قرى: ترمسعيا المغير، قريوت، جالود، اللبن الشرقية، تلفيت وسنجل في محافظتي رام الله ونابلس في أواسط مايو 2002م، وتحويل الموقع العسكري الإسرائيلي المقام على أراضي سنجل إلى موقع استيطاني وربطه بمستوطنة «معالية لبونة» المجاورة، جاءت هذه العمليات لتعزز من هذا الخط الاستيطاني الفاصل والذي سيؤمن تواصلاً جغرافياً ولوجستياً اسرائيلياً بالأغوار ويشطر الضفة من وسطها. وفي السياق نفسه، جرت في الأيام الماضية أعمال تجريف واسعة النطاق في أراضي قرى: سالم، عزموط، دير الحطب، بيت دجن، شرقي مدينة نابلس، وتعزيز المواقع العسكرية الإسرائيلية على طول التفافي «الون مورية» في هذه المنطقة، في الوقت الذي يتواصل فيه الحصار المشدد على بيت فوريك، وبيت دجن منذ عدة اشهر،، وذلك بهدف اقتطاع الجزء الشرقي من محافظة نابلس بمستوطنتي: ايتمار وألون مورية، وربطه بالخط الاستيطاني وسط الضفة وبمستوطنات الأغوار. ويقول التقرير إن ذلك «يدلل على ان إسرائيل بحكومتها التي يتزعمها الأب الروحي للاستيطان، شارون، تملك فقط خطة توسعية عدوانية، تقدمها بمسميات مختلفة، ويبقى جوهرها السياسي هو إدامة الاحتلال والمستوطنات وتقديم حكم ذاتي مقطع الأوصال للشعب الفلسطيني، وهي ماضية في تكريس هذا البرنامج على الأرض بخلق نظام عنصري بشع، وفرض وإدامة حالة الحصار والحرب ضد الشعب الفلسطيني». وفي الإطار ذاته، قال تيسير خالد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية: إن ما تقوم به حكومة شارون وسلطات الاحتلال، هو مشروع تدمير منهجي للكيانية الفلسطينية بكل مقوماتها ومحاولة إعادة صورته الحقيقية والمباشرة، وفرض لسياسات الأمر الواقع الاستيطاني وخلق حالة فصل عنصري، وناشد الأطراف المعنية بالصراع والمؤسسات والهيئات الدولية والحقوقية والإنسانية للتدخل الفوري من اجل وضع حد لهذا المخطط الخطير. ودعا أبناء الشعب الفلسطيني بكل أطيافه للنهوض بقوة وإصرار لمحاربة السياسات الإسرائيلية وإعادة تنظيم صفوف الانتفاضة والمقاومة بوجه حكومة شارون وقواتها الغازية، وفي وجه مخطط الفصل العنصري تحت سمع وبصر المجتمع الدولي وبتشجيع من الولايات المتحدة الأميركية.