مرت العلاقة ما بين السلطات السورية ومعارضيها خلال العامين الماضيين بأزمتين أساسيتين، هما ما نصطلح على تسميته بـ «أزمة المنتديات» في فبراير من العام الماضي وبتوقيف النشطاء العشرة، في سبتمبر من العام الماضي أيضا. حاول الرئيس الأسد في الأزمة الأولى بطريقة غير مباشرة، ان يعتبر ذلك نوعا من خطوتين الى الوراء في سبيل خطوة الى الأمام، ووجّه اكثر من رسالة باعتبار هذه «الأزمة» مجرد فاصلة عابرة، يجب الا تمنع الجميع من استعادة المبادرة والنشاط، وانه لا مبرر للتشاؤم بل المسألة مجرد مسألة وقت، وعلى سبيل المثال يبدو أنه كان يشجّع في حدود أوائل 2001 اهمية مبادرة فريق من النشطاء الى تشكيل جمعية سورية لحقوق الانسان على الا يكون للسلطة اي دور في تشكيلها، حفاظاً على استقلاليتها ومصداقيتها، ولعل هذا ما يفسر عدم معارضة السلطات لعقد حوالي خمسين من النشطاء البارزين، اجتماعاتهم التحضيرية والانتخابية العلنية التي تمخض عنها انتخاب مجلس لجمعية حقوق الانسان برئاسة المحامي السوري البارز هيثم المالح، وارسالها اكثر من اشارة باستعدادها للتعاطي الايجابي معها. واليوم تعتبر هذه الجمعية مرخصة بحكم القانون، رغم عدم اجازتها من الجهة الادارية المختصة. غير ان ما حدث فعليا في حدود أغسطس ـ سبتمبر من العام الماضي هو تحالف موضوعي بالمعنى الوظيفي المتبادل التام ما بين اصحاب الرؤوس الحامية على حد سواء، في المعارضة والسلطة التي يوجد فيها تيار قوي يخشى من مأسسة الانفراج الذي اشاعته رؤية الرئيس الاصلاحية، وتم في هذا التحالف غير المكتوب الذي طالما تخوفنا في تعليقاتنا على الوضع السوري في «بيان الاربعاء» من خطورة الدفع نحوه، توقيف النشطاء العشرة. وكان المفاجيء تحول بعض ابرز تلك الرؤوس الحامية من «نظرية» السقوط الوشيك المزعوم لـ «قصر الشتاء» الى نوع من «مدّاحي القمر»، وادارة السجال ضد بعض المعارضين في الخارج نيابة عن السلطة. والحقيقة ان تكتيك بعض تلك الرؤوس قد قام بشكل مسبق على التصعيد الذي يضع السلطات امام حلين لا ثالث لهما، اما اعتقالهم او غض النظر عنهم. وفي حال غض النظر تكون معركة الديمقراطية السورية قد ربحت جولة في حرب المواقع مع السلطة، اما في حال الاعتقال فيكون ذلك مقدمة للتحول الى عمل اعتصامي وشبه تظاهري، يعلن «بدء معركة الحرية» في سوريا. غير ان سوء الطالع كان كارثيا امام هذا التكتيك النضالي، اذ ما ان تم التحضير للعمل الاعتصامي، حتى وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وغيّرت مسار العالم كله. ولقد فاجأت السلطات السورية الجميع بعد هجمات سبتمبر بإيقاف حملة التوقيفات عند الحد الذي وصلت اليه، ونصح من يعدون للاعتصام بفض ذلك من دون اتخاد اجراءات «غليظة» بحقهم، بل والافراج في خطوة نوعية عن عدد من المعتقلين، كان معظمهم من المتهمين بعضوية جماعة الاخوان المسلمين، وبعض منهم متهم بالضلوع في أعمال توصف وفق لغة ما بعد هجمات سبتمبر بأعمال ارهابية. غير ان المناخ الانفراجي الثمين بالمعايير السورية كان قد أرهب بدرجة كافية. واذا كانت السلطات قد اتبعت في أزمة فبراير سياسة التهدئة التي لم تخلو من سجالات «حامية»، فإنها اتبعت هنا بعد ازمة اغسطس ـ سبتمبر، ما يمكن تسميته بسياسة العصا والجزرة، من هنا غضت النظر عن استمرار منتدى جمال الأتاسي الذي يمثل واجهة للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض في الوقت الذي فرضت ما سمي بإجراءات «تنظيمية»، ادت صرامتها الى الغاء المنتديات، او ارغامها على التحول الى تجمعات حلقية مبعثرة ونصف علنية، ولم تعرقل عمل المنتدى غير انها اوقفت الناطق الرسمي باسمه المحامي الناصري حبيب عيسى. وقامت بحملة توقيف النشطاء العشرة التي انصب مركز الثقل فيها على لجنة منتدى الحوار الديمقراطي الذي تصدره النائب الدمشقي السابق رياض سيف، في الوقت الذي حرصت فيه على حصر التوقيفات بالشخصيات وليس بالتيارات او الاتجاهات التي يمثلونها، وأعادت توقيف شيخ المعارضين السوريين والأمين الاول للحزب الشيوعي السوري المعارض «جناح المكتب السياسي» رياض الترك، في الوقت الذي وجهت فيه رسائل مباشرة الى قيادة الحزب بأن ذلك ليس موجها ضد الحزب او ضد احزاب التجمع الوطني الديمقراطي، وقدمت حوالي ثمانية من النشطاء العشرة الى محكمة امن الدولة في الوقت الذي غضت فيه النظر عن اعلان التجمع الوطني الديمقراطي انهاء تواري ملاحقيه وظهورهم الى العلن، واغلاق ملفهم، والذين كان في عدادهم بعض اعضاء القيادة الفعلية لجناح المكتب السياسي ابان المحنة. لقد كانت سياسة العصا والجزرة المزدوجة هذه تهدف الى تحقيق عملية ضبط للرأي الآخر في إطار سقف ما يسمى بـ «الثوابت». غير ان ترهيبات العصا طالت حتى أولئك الذين اتخذوا موقفا ايجابيا من خطاب القسم، وكانوا من المساهمين الأساسيين في إعلان البرنامج السياسي للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض على اساس العلنية والسلمية، مثل عبدالمجيد منجونة امين سر اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي. لقد أزيلت الدشم الاسمنتية الغليظة التي بنيت في دمشق ابان محنة الثمانينيات، غير ان القوانين التي صدرت في ظروفها الاستثنائية مازالت قائمة، وهي نفسها التي يقدم بها الاستاذ منجونة وغيره من المحامين الديمقراطيين الى الاستجواب المسلكي في نقابة المحامين. ان الأهم هو خروج الجميع سلطة ومعارضة من إزالة الدشم التي بنيت في ظروف استثنائية الى إزالة العقلية التي أدت اليها، فرغم تشاؤم العقل لابد من تفاؤل الإرادة.