معركة المتن الانتخابية الفرعية فتحت الباب امام العديد من المفاجآت وكشفت الكثير من الحقائق. مسلسل المفاجآت تلاحق ولم ينته فصولاً. فمن مشاركة ميشال عون في الانتخابات وخروجه، على قرار المقاطعة، الى التراجع الانتخابي لميشال المر رغم الفارق الضئيل جدا في الاصوات، الى موقف وليد جنبلاط المؤيد لرئيس الجمهورية اميل لحود، مروراً بحركة نسيب لحود الذي انهى مقاطعته لرئيس الجمهورية، وانتهاء بتعليق اعلان النتائج وسواها من الحالات التي لم تكن متوقعة في الاصل. ولا اعتقد ان المفاجآت المتنية ستتوقف عند هذا الحد، فما هو اهم من المفاجآت في نظري، هو بروز مجموعة من الحقائق تشكل المشهد الشامل الذي يستحق النظر اليه ملياً واخذ الدروس والعبر منه. اولى هذه الحقائق ان الانقسام كبير بين الموالين والمعارضين في منطقة المتن، وقد وصل الى حد استخدام المعارضة لغة العنف السياسي الذي فجّر الغرائز والنعرات اكثر مما حرّك العقول والافكار. والى هذا الانقسام السياسي الحاد، برزت المعارضة رابحة في المعركة التي خاضتها موحدة. لكن الفوز الانتخابي لم يتحوّل الى مشروع سياسي بدليل ان كل طرف من اطراف المعارضة سارع فور انتهاء الانتخابات الى العمل بمعزل عن الطرف الاخر. وارى ان ما جمعته الانتخابات ستفرقه السياسة، بعد ان انقسمت المعارضة الى معارضتين على الاقل: معارضة متشددة بزعامة ميشال عون، ومعارضة محاورة بادارة نسيب لحود. في المقابل برز الحكم مرتبكاً، فهو يملك خطا واضحا رسمه بدقة رئيس الجمهورية، لكنه لا يملك خطة تترجم هذا الخط وتدخله في حيز الواقع السياسي. ومرد الارتباك هو في غياب برنامج عمل يجمع ما بين الحكم والحكومة. وقد بدت الحكومة غائبة ومنقسمة بين وزير الداخلية، الذي هو الاقرب لرئيس الجمهورية، ووزير العدل الذي هو اقرب لرئيس الحكومة، وقد أدى هذا الانقسام الى ظهور ثغرات داخل التضامن الحكومي وضعف على مستوى القرار السياسي. في المحصلة خرجت المعارضة رابحة في الانتخابات من دون ان تحقق مكاسب في السياسة. وخرجت الحكومة منقسمة ومرتبكة ولو بقيت متماسكة في السياسة. واذا اردنا ان نلتقط الاسباب الكامنة وراء المفاجآت المتلاحقة والحقائق الصعبة، لقلنا ان لكل هذه المفاجآت والحقائق سبب جوهري واحد هو ان اللبنانيين، موالين ومعارضين، باتوا بحاجة قصوى الى التغيير. فلا مجال بعد اليوم ان تستمر المعارضة من دون برنامج، ولا ان يستمر الحكم من دون خطة. في ظاهر الامور تبدو المعارضة قوية وصاعدة، في حين انها ضعيفة ومنقسمة في واقع الامر، ومحصورة في بعض المناطق ومرتبطة بالطائفة المسيحية دون سواها. في المقابل يبدو الحكم قوياً في خياراته الوطنية والاقليمية، لكنه يظل ضعيفاً في ادارة الشئون المحلية، وهو في كل حال لا يتمتع بالمد الشعبي الكافي في الاوساط المسيحية. امام هذا المشهد الذي يدل على نقاط الضعف في الحكم والمعارضة، لابد من قيام حركة تغيير في المعارضة وفي الحكم على حد سواء. وأرى ان اقصر طريق الى التغيير يبدأ بتغيير الحكومة والاتيان بحكومة وحدة وطنية تجمع الموالين والمعارضين حول مشروع سياسي وخطة تنفيذية مبرمجة. ولا يمكن للحكم ان يتجاهل بعد اليوم حضور المعارضة، لاسيما على الصعيد المسيحي، كما لا يمكن للمعارضة ان تحقق أياً من أهدافها وهي منقطعة عن الحكم وعن الاعتدال. ان استمرار الوضع القائم يغذي قوى التطرف على حساب قوى الاعتدال. اما التغيير فهو الطريق الوحيد لتعزيز الاعتدال الوطني بقصد الحفاظ على الاستقرار والخروج من المأزق الاقتصادي. التغيير بات ضرورياً للجميع.. والا فالمفاجآت لن تكون سارة للجميع.