أصدر مئة وخمسون مثقفاً سعودياً يتقدمهم القضاة ورجال الدين وأعضاء في مجلس الشورى ومجموعة من السيدات ورجال الأعمال بياناً هو الأول من نوعه، لمخاطبة المثقفين من الغرب خصوصاً من الولايات المتحدة، بعد أن تداول المثقفون ورقة وقع عليها ستون مفكراً اميركيا ونشروها في موقع معهد القيم الأميركية تحت عنوان «على أي أساس نتقاتل»، وجوهر البيان دفاع عن الموقف الأميركي تجاه الإرهاب، واعتبار الحملة الأميركية عملية انسانية كونية لاجتثاث الإرهاب أينما كان ومهما كانت مبرراته، ومهما وظف من الإلتباس الوطني أو الديني. وقد أصدر البيان السعودي تحت عنوان «على أي أساس نتعايش» ركز فيه المثقفون السعوديون على مفاهيم حقوق الإنسان، ورفض العلمانية، ومعارضة ربط التطرف بالمفهوم الديني، والدعوة إلى الحوار، والدعوة إلى ترسيخ القيم الإسلامية الراسخة التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم، ويتطرق البيان إلى العملية الإرهابية في الولايات المتحدة، رافضاً الإستنتاج السريع حول دوافع المنفذين، ومشيراً إلى المبررات الذاتية التي دفعت المنتحرين إلى اختيار الولايات المتحدة كهدف، مع التطرق إلى اسرائيل وهيمنتها بدعم الولايات المتحدة. يتهم البيان السعودي الولايات المتحدة بأنها من أكثر الدول مخالفة لقيم العدل والحق، ويتجلى ذلك في الدعم الدائم للاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، وتبرير كافة الممارسات العدوانية مع دعمها بأحدث الأسلحة لقتل الأطفال والشيوخ والنساء وهدم المنازل، بينما تتوعد الولايات المتحدة دولاً أخرى مثل العراق بحجة انتهاك حقوق الإنسان، ويؤكد البيان على أن العلمانية خيار لا يمكن قبوله في العالم الإسلامي لأنه يحرم أفراده من حقهم في تطبيق أحكام حياتهم العامة، ويصادر حق الأغلبية، مهما قيل عن حمايته للأقلية، وينفي ربط التطرف بالمفهوم الديني، حيث تتواجد أشكال من التطرف السياسي والاقتصادي والإعلامي لابد من معالجته، ودعا البيان العالم الغربي إلى انفتاح جاد على الإسلام وقراءة مشاريعه بعقل والتعامل معه بهدوء، مجدداً التأكيد بأن غالبية الحركات الإسلامية تميل نحو الإعتدال الذي يجب الحفاظ عليه. وتوصل البيان إلى نتيجة أن افتعال الصراع لا يصنع الأفضل، وأن استخدام القوة لا يعطي ضماناً صادقاً للمستقبل، ولهذا لابد من ايجاد مساحة أوسع للحوار كبديل للغة العنف والتدمير. هذا موجز للبيان الذي دفعه المثقفون السعوديون وأود أن أقدم التعليق التالي: أولاً: لم يسبق لمجموعة من المملكة أن أصدرت بياناً يعالج التعايش ويدعو للحوار، ويتناول العلاقات مع الحضارة الغربية، ويتعدى المألوف إلى تأكيد الاتهامات للولايات المتحدة بالكيل بمكيالين، وبتحفيز العالم ضد الإسلام، وتجاهل لمسببات الحقيقة وراء الاعتداءات الإرهابية، ويغض النظر عن التطرف العقائدي والاقتصادي وحصره في الجماعات الإسلامية التي تنشد الاعتدال. هذه أمور جوهرية في تشكيل العناصر التي تمس جوهر الدولة السعودية في فلسفتها. عشت اثنتي عشرة سنة، وأعرف الكثير عن التجاذبات الفكرية في المجتمع السعودي، لكن لم أتوقع أن تصادق مجموعة من مختلف المشارب بما فيها سيدات المجتمع، على وثيقة تقدم المنظور السعودي تجاه ما يطرح على الساحة الدولية. يقول أحد المفكرين الإسلاميين، وهو فهمي الهويدي في صحيفة «الشرق الأوسط» الصادرة في الثالث من يوينو الجاري بأن الموقف الذي عبر عنه البيان يغدو جديداً في حدود ما نعرف عن الخطاب الإسلامي السعودي، وهو مبشر بظهور تيار في الساحة الإسلامية السعودية يتبنى طروحات أكثر اعتدالاً وانفتاحاً، ويضيف إلى خطاب الإعتدال في العالم العربي والإسلامي فصيلاً كان مرئياً على مستوى فردي من قبل ولكن لم يكن مسموع الصوت إذ في حدود علمي فإن عناصر ذلك الفصيل كانوا موجودين في الساحة، فطالما لقيت بعضهم والتقينا مع أفكارهم في مناسبات عدة، لكني أسمح لنفسي أن أقول بأنهم كانوا محجوبين، مقموعين إن شئنا الدقة من جانب عناصر وقوى التشدد والهيمنة. يعني هذا الكلام أن هناك الكثير من التململ والضجر من هيمنة التيار المتشدد في المملكة وأن البيان إحدى ثمرات رفض التشدد. ثانياً: اصطدم البيان بحملة سلفية تستنكر الحوار مع الحضارة الغربية، كما أثار البيان مجموعة من دعاة التحديث يرفضون محتوياته ويتصورون بأن البيان وليد تكتيك سياسي لا يتضمن تقبل مهندسيه الرأي الاخر وأصول الحوار وحقوق الإختلاف. وقد ظهرت حملة ضد البيان وضد موقعيه، لاسيما السلفيين منهم، وهم كما يقول الأستاذ خالد الدخيل في عدد «الحياة» الصادر في الثاني من يونيو الجاري، بدأت الحملة ضد ناصر العمر، وسفر الحوالي، وسلمان العودة، وهم مهندسو البيان، دفعت هذه الحملة الثلاثة إلى اصدار بيان توضيحي، تخلوا فيه عن كل ما وقعوا عليه في البيان الأول. وجاء البيان التوضيحي من نجوم الحركة السلفية مستنداً على بيان اخر مختصر من أحد المشايخ يشهد برجوع هؤلاء الثلاثة عما تضمنه البيان الأول من أجل أن تجتمع الكلمة في وجه الباطل. ويتطرق بيان الإنسحاب إلى إعلان المثقفين الأميركيين واصفاُ إياه بالإعتداء على الحق والضلال عن السبيل، وهو موجه إلى طلبة العلم والدعاة، لقطع دابر الخلاف، ويورد البيان اثنتي عشرة نقطة تتعارض مع كل ما ورد في بيان المثقفين السعوديين، وهو ما يعني التراجع عن البيان المشهور. كتب الدكتور حمزة المزيني مقالاً في «الشرق الأوسط» بتارخ 30 مايو الماضي، يقول فيه اختفت من بيان الثلاثة مصطلحات التعايش والعقل والعقلانية والعقلاء والهدوء والفكر والثقافة والسلام العالمي والمبادئ المشتركة والتعاون والعدل وكرامة الإنسان، وحل مكانها مصطلحات الولاء والبراء والجهاد والقتال والسيف والكفر والكفار وأداء الجزية وهم صاغرون والقمع والردع، واختفت منه الآيات والأحاديث التي جاءت في البيان الأول والتي تمثل مبادئ الإسلام الأساسية التي تحكم علاقات المسلمين بالأمم الأخرى، وأوردوا بدلاً منها بعض الآيات والأحاديث التي يرون أنها تمثل موقف المسلمين من الآخرين، وبدلاً من امكان التعايش مع المسلمين وغيرهم، يذكر البيان أن السلم بين المسلمين وغيرهم ممكن في حالتين «اثنتين فقط» فالأولى حين تقتضي مصلحة المسلمين عهداً أو هدنة، الثانية عند عدم القدرة على القتال، ويثير هذا التراجع بعض المسائل المهمة عن الجو الفكري في المملكة العربية السعودية.. ويقول الدكتور المزيني، بأن التراجع الثلاثي يعود إلى اكتشافهم أن البيان قوبل بعداء من التيار السلفي الذي ينتمي إليه مهندسو البيان، وإلى الخوف من فقدان المكانة العلمية في قواعدهم. واتهم الكاتب المزيني الثلاثة بأنهم جيشوا الشباب وبثوا فيهم روح الجهاد ودعوهم إلى السفر الى اصقاع الدنيا ليشاركوا فيما سموه الجهاد، كما اتهمهم بالتغرير بالناس واستغلال الثقة بهم لأنهم يعلنون أنهم ينطلقون من منطلقات اسلامية، والأمر الأخطر في بيان المثقفين السعوديين، وفي البيان الثلاثي الأخير، استخدام القرآن الكريم والاحاديث النبوية للاستدلال على أي موقف يمكن أن يتخذ حتى على المواقف المتناقضة.. ويشير هذا كله إلى هشاشة البنية العقلانية للخطاب الديني والفكري المحلي، وهو ما يوجب القيام بمراجعة جذرية لهذا الخطاب. تصدى لبيان المثقفين مجموعة استنكرت عملية الحوار الداخلي في المملكة ورفضت اللغة الهادئة التي جسدها البيان، تقول الكاتبة «إيمان القويفلي» في «الشرق الأوسط» في عددها 30 مايو الماضي بأن البيان هو «الهزة العقلية والنقاشية التي نحتاجها كي نستفيق من الخطاب الهستيري الذي ارتفع العام الفائت، وهذا هو ما يجعلني بدوري اتساءل عن سبب توجيه هذا البيان إلى المثقف الأميركي فقط، فالداخل أحوج إلى هذا، والمشكلة الأكبر من هذا وذاك هو كون هذه المبادرة جاءت كرد فعل على البيان الأميركي، لا كفعل مستقل بذاته، وربما لو لم يكتب المثقفون الأميركيون بيانهم، لما تحرك ساكن من طرف كثير من الكتاب والمثقفين». رابعاً: قدمت قناة الجزيرة حلقة كاملة مساء العاشر من مايو الماضي، بعنوان «المثقفون السعوديون يردون على مقولة الحرب العادلة» شارك فيها الداعية الإسلامي السلفي عبدالعزيز القاسم «أحد الموقعين على البيان» والكاتب جميل فارسي «وهو من الموقعين الليبراليين»، والمستر هاسون «المدافع عن الحرية الدينية». يقول الشيخ عبدالعزيز القاسم، أن البيان الأميركي جاء ليبرر أعمالا فيها تعد على الناس، وأن البيان السعودي يريد أن يقول عليكم أيها الأميركان أن تبحثوا كيف تتعايشوا مع العالم، ابحثوا كيف انتهكتم الحقوق التي أدت إلى كراهية الناس لكم، وعليكم معالجة الوضع، هناك هجمات على الأبرياء، مؤسسات اسلامية تعرضت للتحقيق وللمضايقة، أشخاص مطاردون، رجال في السجون، رؤوس أموال جمدت، كلها تحت ستار الحرب العادلة التي يبررها المثقفون الأميركيون. ويقول الكاتب جميل فارسي، بأن البيان السعودي متوازن، يدعو بعقل للحوار، وأن الخلاف هو سياسي وليس دينياً، و الخلاف هو مع تصرفات الإدارة الأميركية، وأن البيان هو ندية في الاجابة عن نقاط البيان الأميركي، لأن الحرب الأميركية الحالية غير عادلة، ويضيف جميل الفارسي أحد الليبراليين الموقعين علي البيان السعودي، بأن السياسة الأميركية تتحدث عن المبادئ بينما لا تلتزم بها وتصرفاتها تعارض ما تردده عن المبادئ. في عدد «الشرق الأوسط» الصادر يوم الخميس السادس من يونيو الجاري، كتب سليمان الضحيان مقالاً بعنوان «لماذا تراجع المثقفون الإسلاميون عن بيانهم» يقول فيه إن معرفة المثقفين السعوديين بالتيارات المخالفة لتوجههم الفكري تقتصر على العموميات مما أنتج قولبة كل تيار للتيار المخالف له في قالب واحد يشمل كل اطياف التنوع الفكري في الجزئيات او المنهج الذي يزخر فيه التيار المخالف. ويتساءل عن مستقبل الانفتاح الثقافي للخطاب الإسلامي الجماهيري بعد هذه النكسة، يقصد الانشقاق الذي سببه البيان داخل الحركة السلفية، وانسحاب اقطابها من البيان. بعد قراءاتي ومتابعتي لثورة البيان، أشعر بأن المطلوب في الساحة الفكرية السعودية هو المزيد من التداخل مع التيارات الفكرية العالمية، ويتحقق ذلك بالمزيد من الانفتاح، وبالمزيد من التسامح، وبالمزيد من المعرفة والعلم، ويمكن القول بأن البيان السعودي هو البداية..