يعيش الواقع السوداني هدوءاً ظاهرياً خادعاً ولكنه يعود الى انعدام القدرة على الحركة الذاتية او القصور الذاتي كما يسميه علماء الفيزياء. وبحثت عن وصف دقيق لحالة الواقع السياسي حين استكتبتني احدى الصحف. فقد أصبح حديث «الازمولوجيا» او علم الازمة مبتذلاً ولا يعبر عن اي دلالات او ايحاءات عميقة، فهذا الوصف تحصيل حاصل. فالحالة اكثر تعقيداً وحرجاً، لان المشهد السياسي السوداني قد وضعه المبادرون والوسطاء في العناية المركزة منذ فترة. اذ لم يعد اهل الشأن انفسهم يدرون ماذا يفعلون؟ لكل استنجدت بعلم النفس لكي اقتبس مفهوم الاكتئاب السياسي ونقله الى حقل معرفي اخر اي السياسة. فالقصور الذاتي يعني ايضا التبلد وضعف الاحساس بالمحيط مما يقود الى اللامبالاة وعدم الاهتمام والانتظار للتكيف مع ما سيأتي به المستقبل دون المشاركة في تحديد او تشكيل او صنع هذا المستقبل. يتمظهر الاكتئاب السياسي في المواقف المرتبكة التي تعيشها القوى السياسية والحيرة الواضحة في المواقف المتناقضة وهو ما يقود الى حالة العجز التي تحدثنا عنها كثيراً مع استمرار جمود الوضع وانتظار التدخل باشكاله المختلفة. ولو بدأنا بحزب الامة باعتباره حزب الاغلبية خلال فترة الشرعية البرلمانية، لظهر الاكتئاب جليا فالحزب وقيادته شعرا سريعاً بالاحباط وعدم الجدوى بعد العودة من الخارج. فقد كان حزب الامة يهدف الى الدخول في مشاركة ما في السلطة ثم تنظيم صفوفه استعداداً لانتخابات مقبلة. وفشل في الاثنين، اذ لا توجد مقاعد شاغرة يمكن ان تمنحها الانقاذ لحزب الامة. ومن ناحية التنظيم فقد ظلت لجان النظام والعقوبات هي الانشط مما يعني سيادة الخروج والتمرد. ومازلنا نشاهد مسلسل مبارك الفاضل، وتثير محاولاته الحوار والمشاركة خلافاً عميقاً يحاول زعيم الحزب التقليل من خطورته. ففي مؤتمر صحفي عقده الصادق المهدي يوم الاربعاء الماضي 5/6/2002 اعترف بوجود خلافات داخل حزبه بشأن الحوار مع الحكومة ولكنه وصفها بالمحدودية ووعد بعقد مؤتمر عام لانهاء الخلافات. ومن الملاحظ ان الحزب في حالة اكتئابه توقف عن ندوة الاربعاء الاسبوعية، كذلك اللقاء الدوري مع الصحافة الذي استنه الصادق. اذ لا يوجد الجديد الذي يمكن ان يقال وبدأ الزعيم يزهد في الحديث. اما الحزب الاتحادي الديمقراطي فقد انهك نفسه في متاهات الوحدة والاصلاح والمؤتمر المؤجل باستمرار. وعودة احمد الميرغني الى مصر هي قمة الاكتئاب مهما كانت التفسيرات او المبررات الصحية او الخاصة. فقد استمر النظام في تجاهل أي دور للاتحاديين وهو يراهم قبائل شتى. ومن ناحية اخرى ازداد عدد من اختار اللجوء السياسي في اميركا وكندا من بين الكوادر الاتحادية وهذا أبلغ تعبير عن حالة الاكتئاب السياسي. فقد ابتعد هؤلاء جغرافياً ونفسياً عن الحزب والسياسة ويمثلون حالة اللاعودة ومنتهى القرف الذي يولده الاكتئاب حين يكتمل العجز والهمة المثبطة. رغم ان الاسلامويين يحكمون او بعضهم على الاقل، الا انهم الاكثر اكتئاباً وقد بلغوا ايضا قمة الاحباط حين لجأوا الى المذكرات السرية في بلاد مكشوفة لا تعرف السر الا لكي تنشره. فالسؤال الذي يتجنب الاسلامويون الاجابة عنه: ما هي اصلا اسباب الانقسام والخلاف؟ ما هي القضايا الدينية او الفقهية او حتى السياسية الاصولية التي اوصلتهم الى هذه الوضعية؟ يفصح هذا الغزل مع الشيخ حسن الترابي عن حاجة الاسلامويين الى الاب الذي اغتالوه والى الشخصية المثيرة للجدل والتي تجذب الاهتمام ـ بحق ام باطل ـ الى الحركة التي اصبحت مهملة. اذ ليس لديها ما تقدمه من آراء وافكار وحوارات. محاولات العودة او التوحد مجددا هي سعي لكسر حالة الاحباط واللامبالاة التي تغطي الحركة. يبقى الحزب الشيوعي الاكثر دهاءً وليس ذكاءً لبيع فكرة انه مازال متجدداً وحيوياً وبعيداً عن الاحباط، مع انه الاكثر معاناة ولكنه يتهرب من مواجهة واقعه. ومن الملاحظ ان اصرار الحزب على اسمه يمثل حيلة للاستمرار كقوة اكبر من حقيقتها. اذ لابد من الابقاء على فكرة «الخطر الشيوعي» حتى وان كانت غائبة في الحياة الفعلية. فالحزب يبقى على فكرة التهديد او الخطر او على الاقل ـ كما قال أحد قادته ـ مصدر ازعاج مهما كان ضئيلاً. والحزب الشيوعي، الباطن والظاهر منه جزء ثابت من حالة الاكتئاب مهما حاول الهروب الى الأمام. هذا الوضع السياسي في حاجة الى اطباء نفسيين يعيدون الى القوى السياسية روح الاهتمام والمبالاة والنشاط والحيوية، قبل الحاجة الى الوسطاء حتى ولو كانوا رجال دين مثل دانفورث، وهذا موضوع آخر.