حاول ريتشارد أرميتاج مساعد وزير الخارجية الأميركي، عند زيارته في الأسبوع الماضي لكل من باكستان والهند أن يبرهن على فاعلية الدور الأميركي في جنوب آسيا فقال ان حدة التوتر بين البلدين النووين، قد خفت. وفي ذات اليوم الذي أدلى فيه بهذا التصريح أسقطت الباكستان طائرة تجسس هندية آلية «تعمل بلا طيار» داخل الأراضي الباكستانية. ومهما كانت دوافع الهند السياسية من وراء حشودها العسكرية على الحدود، ومهما كانت الضغوط الدبلوماسية الدولية على البلدين المتخاصمين ليبتعدا عن الصدام فان حشد مليون جندي «ستمئة ألف على الجانب الهندي وأربعمئة ألف على الجانب الباكستاني» في الخط الفاصل بين البلدين وعلى ذات الأرض المتنازع عليها «جامو وكشمير» منذ خمسة عقود والتي تسببت في حربين سابقتين «عامى 47 و65» يشكل حالة خطرة ويضع البلدين على حافة الحرب. فالقصف المدفعي المتبادل عبر خط الهدنة طيلة الأسابيع الماضية راح ضحيته عشرات القتلى والجرحى من الجانبين وأدى الى هجرة السكان من القرى الواقعة على الحدود، وتأتى حادثة طائرة التجسس لتضيف بعدا جديدا للأزمة يقرب من حالة الحرب. بما أن الهند هى البادئة بالحشد العسكرى في أعقاب عملية للمقاومة بأحد معسكرات الجيش الهندي في كشمير أدت الى مقتل أكثر من عشرين شخصا فهي تتهم باكستان بأنها تدعم المقاومة وتسهل عبور عناصر باكستانية وأفغانية للقيام بعمليات «ارهابية» في كشمير الهندية، ومن ثم فهي تطالب باكستان بوقف تسلل تلك العناصر وبتسليمها عشرين شخصا تتهمهم بارتكاب أعمال ارهابية. وقد يكون القصد الحقيقى للهند هو دفع باكستان للتنازل كلية عن قضية كشمير وجعل خط الهدنة الحالى الذي يفصل كشمير الى قسمين «ثلثيها تحت الحكم الهندي وثلث تابع لباكستان» هو خط الحدود النهائية بين البلدين، وهى تستغل في ذلك تطورات ما بعد الحادى عشر من سبتمبر التي وصمت كل فصائل المقاومة الاسلامية للاحتلال بأنها ارهابية، وضعف الحكومة العسكرية الباكستانية التي تلقى معارضة من كل الأحزاب السياسية الكبيرة في البلاد ولا تأبه كثيرا للرأي العام. وترفض الهند مجرد الجلوس على مائدة مفاوضات مع باكستان الا اذا وافقت على شروطها بوقف التسلل وتسليم المطلوبين. واستجابت حكومة الجنرال مشرف الى حد ما للمطالب الهندية بتعهدها بوقف عبور عناصر المقاومة ولكنها رفضت تسليم المطلوبين الا بعد تقديم الهند لأدلة دامغة ضدهم. شهدت أميركا بأن التسلل عبر الحدود قد انخفض كثيرا، ورغم مصلحتها الكبيرة في عدم نشوء حرب بين البلدين حتى لا تتأثر حربها ضد عناصر القاعدة وطالبان بانسحاب الجيش الباكستاني من الجبهة الغربية مع أفغانستان الى الجبهة الشرقية مع الهند الا أن أميركا لم تخف تحيزها الواضح للهند في هذه المواجهة مما سبب خيبة أمل كبيرة للنخبة الحاكمة التي أيدت التحالف مع أميركا ضد حكومة طالبان. وتشعر باكستان أيضا بخيبة أمل من الدول العربية التي لها مصالح تجارية كبيرة مع الهند ولم تستغل ذلك في الضغط على الهند لتخفف من حدة التوتر والمواجهة على الحدود رغم الدعم المعنوى والدبلوماسى الذي تقدمه باكستان للقضية الفلسطينية وما يسببه ذلك لها من حرج في علاقتها مع أميركا. ومن الأفضل للدول العربية الكبيرة أن تحسّن وتطور علاقاتها مع باكستان لأن النظام العالمي الأميركي الجديد قرر حرمان كل الدول العربية من تطوير أسلحتها حتى تبقى اسرائيل هى الدولة العسكرية العظمى في المنطقة، وباكستان أكثر تقدما في صناعة السلاح من كل الدول العربية وجيشها الذي يبلغ تعداده أكثر من نصف مليون يظل قوة يعتد بها وتتربص به اسرائيل. فقد تحتاج الدول العربية وخاصة الخليجية الى قوة الجيش الباكستاني في وقت قريب، ولا ينبغي لها أن تعتد كثيرا بالحماية الدولية مدفوعة الأجر فقد أفتى خبير الدراسات الاستراتيجية الأميركي، صمويل هنتنجتون، بأن النزاعات الدولية المقبلة هى صراع بين الحضارات وسيواجه فيها الغرب العالم الاسلامى متحالفا مع الصين. وقد لا يكون الرجل بعيدا عن الصواب بعد ما شهدنا ما حصل في قبرص والبوسنة وكوسوفو والشيشان وتيمور الشرقية وأفغانستان وجنوب السودان. وان احتاجت أميركا لتحالفات دولية لتخوض معاركها في العراق والصومال والبوسنة وأفغانستان فلم لا تفعل الدول العربية الممزقة والمستضعفة والمحتلة مثل ذلك؟ أما أن ذلك أيضا مما يرفضه النظام العالمي الجديد! تقدمت باكستان باقتراح تكوين قوة دولية لحراسة الحدود بين البلدين حتى لا تتحمل مسئولية تسلل عناصر المقاومة التي ما عادت تسيطر عليها، ورفضت الهند الاقتراح لأنه يدول قضية كشمير ويبقى عليها كمنطقة نزاع تماما مثل ما ترفض اسرائيل استقدام قوة دولية في أرض فلسطين المحتلة. وتقدمت الهند باقتراح بديل وهو أن تقوم كل من باكستان والهند بحراسة مشتركة للحدود، أي أن تقوم باكستان بحراسة الحدود نيابة عن الهند وفي تعاون معها ضد المقاومة الكشميرية للاحتلال الهندي. ولا يخلو ذلك من وجه شبه آخر مع اسرائيل التي تطالب السلطة الفلسطينية بحراستها من عناصر المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي رغم أن قرارات الأمم المتحدة تعترف بأن كشمير أرض نزاع ينبغي أن يجرى فيها استفتاء لتقرير المصير وأن فلسطين أرض محتلة ينبغي أن تعود الى أهلها الذين شردوا في أصقاع الدنيا. وبالطبع فقد رفضت باكستان الاقتراح الهندي ولكن تحت ظروف الضغوط الدولية وضعف الحكومة الداخلي قد لا يصمد رفضها طويلا. لقد ضعفت احتمالات الحرب في الأيام القليلة الماضية لكن الحشود العسكرية الضخمة على الجانبين وتبادلها المستمر لاطلاق النار، مع التعبئة السياسية المعادية في كلا البلدين وتاريخ الصراع حول كشمير، يجعل احتمال الحرب قائما وخاضعا لأية حادثة طارئة أو لحسابات خاطئة من احد الجانبين.