لم يخرج الإتفاق الأميركي الروسي الأخير من ثوب معاهدة ستارت 1، بل انه الثوب نفسه الذي صاغه الرئيس الاميركي الأسبق جورج بوش الأب، والأخير نجح في وضع آلية لتطبيق المعاهدة ووصف نظام مراجعتها هو انه من افضل من كل ما وضع في السابق. ولاندري سبب التطبيل الذي شنته الآلة الإعلامية والسياسة الأميركية حول ما زعموا انه انسحاب من المعاهدة السابقة، ربما احتاج بوش الإبن الى دعاية لتعزيز فكرة الدفاع عن السوبرمان الاميركي وجمع التأييد لبرامجه السياسية، فالذي اختلف في الإتفاقية الجديدة الأرقام فقط، او ربما أ راد أن يبدو كمن فعل شيئاً جديدا ليبرر انتخاب الشعب الاميركي له. وفي الواقع بوش لم يأت بجديد حتى عندما اعلن أنه ذاهب الى روسيا ليوقع اتفاقية هي موقعة اصلا من قبل سلفه وماأجراه فريقه المتفاوض مع روسيا كان تعديلا للأرقام فقط. وشخصية الرئيس الجديد الإستعراضية لاتترك له مجالا لرسم خط مستقل خاص به في السياسة، فهو جاء ريغاني التطلع والوجه والسمات والسياسة، حتى قال السياسيون انه «ريغاني» أكثر من ريغان نفسه. وسلك بعد ذلك نهجا ريغانيا فأعاد الحياة لبرنامج حرب النجوم وأعلن إصراره على إقامة الدرع الدفاعية الصاروخية الذي مازال يثير حفيظة الكثير من دول العالم ومن ها روسيا التي لم تردد عن التأكيد بأنها رغم توقيعها الإتفاقية مع أميركا لكنها مازالت معارضة للدرع الدفاعية الصاروخية. لم أجد في كل ماقيل وماكتب عن الإتفاقية الجديدة مايثير إنتباها كجديد يضاف لإتفاقيات الحد من التسلح التي وقعت ايام الحرب الباردة وماتلاها، لكن الجديد فعلا هو الرضوخ الروسي لبعض التعديلات وهي ليست بالكثيرة، وعملية دمج روسيا في منظومة الأمن الغربية عبر مجلس الناتو ـ روسيا. هذا الدمج الذي يؤشر انحرافا في السياسة الروسية باتجاه العولمة وباتجاه تغير المفاهيم الأيديولوجية فيها، ولن يكون غريبا اذا ماتطلعنا ذات يوم ورأينا طائرات روسية تابعة للحلف تقتحم اجواء دول هي في العرف الأميركي دول مارقة، او ان نشهد قوات روسية تسهم في حملات ردع الإرهاب الذي يقلق اميركا ويشكل جوهر سياستها الجديدة في القرن الجديد. وبالطبع فإن هذا التغير في السياسة الروسية سيقلق الدول التي كانت تعول على الدعم الروسي لقضاياها ولسياساتها، مثلما سيقلق الدول العربية والإسلامية من أصدقاء روسيا، خوفاً من ان تصبح روسيا أداة اميركية ضد ماتسميه أميركا بـ «الإرهاب الإسلامي» أو «الإسلام السياسي» في ألطف تعبير اميركي له. روسيا اذن لم تتراجع واميركا لم تقدم جديدا سوى انها اعادت تظهير اتفاقية قديمة نوعا ما بشكل جديد ومظاهر ترضي العنجهية الأميركية التي ينبغي ان تتماشى مع: حرب «الإرهاب»، انتصار القيم الأميركية، الإنفراد بالقطبية، الأمن القومي الأميركي وضرورة الدفاع عنه عالمياً، وأخيرا ضرورات التفوق العسكري والتكنولوجي الاميركي. مصطلحات مثل هذه سادت الخطاب الأميركي الذي صار اساسا للمفردات السياسية الدولية، وصدق الآخرون أكذوبة الإتفاقية الجديدة التي غيرت وجه العالم وفق ماسوقت أميركا، الوحيدون الذين لم ينخدعوا باللعبة الأميركية كان الروس انفسهم، فهم لايستطيعون الثقة بعدو الأمس رغم كل التغييرات التي حصلت والتي قيل انها انهت الحرب الباردة. وهم ايضا لاينخدعون بالتعبيرات الذهبية التي يطلقها رعاة البقر عن التحالفات الإستراتيجية، فقد سبق للسياسيين الأميركيين ان نسفوا أو كادوا ان ينسفوا جهود ساسة كبار واتفاقات سابقة لوقف التسلح لمجرد الإستعراض. مايعرفه الروس بشكل أكيد هو ان الإستراتيجية الأميركية التي طالما حلمت بأرض آسيا تضع اليوم اقدامها على هذه الأرض بشكل حقيقي وتحتاج للسلم مع عدو الأمس الذي يسيطر على جزء كبير من الثروات القفقاسية وهو مطمع أميركي ولابد منه وإن طال الزمن،ولذا لعبوا على أوتار المصالح والأمن الذي لم ينس بوتين ان يربطه بالأمن العالمي خاصة وهو يواجه الشيشانيين ويواجه اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، ويواجه أيضا أزمة إقتصادية خانقة.ورغم ان الإتفاقية القديمة ـ الجديدة لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد مصادقة الكونغرس الاميركي ومجلس الدوما الروسي إلا انها استطاعت ان تؤثر في كل الوسائل الإعلامية وفي شعوب العالم إلا ماندر منها متخذة وجها قيل بأنه غير التاريخ وأنهى الحرب الباردة نهائيا، وهي في افضل احوالها لاتتعدى كونها طبولا جوفاء. بقي ان أقول كلمة أخيرة تستل من مغزى انضمام روسيا للناتو معناها، لقد قسم انضمام روسيا للناتو العالم الى قسمين انقساما حقيقيا فصار الناتو ـ روسيا هو الغرب وهو الشمال، وبات العرب والمسلمون ودول العالم الثالث هم الجنوب الذين خسروا قوة حقيقية بانتقال روسيا الى التحالف الغربي، وهو انقسام بقي حبيس الخطابات السياسية حتى نقلته روسيا الى حيز الأمر الواقع. ل. ع.