بيان الاربعاء: في الرابع والعشرين من مايو الماضي وقعت الولايات المتحدة الاميركية وروسيا اتفاقية لتخفيض الأسلحة الإستراتيجية والمعروفة بالنووية. انتقل بعدها البلدان الى روما لإعلان انضمام روسيا، لحلف الناتو الذي غير اسمه الى «مجلس الناتو ـ روسي» تلاه توقيع اتفاقية تشبه ماحدث عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية من توقيع الناتو وحلف وارسو اتفاقية مشابهة تقريبا. وعد المراقبون ماحدث تغيرا باتجاه دفن الحرب الباردة نهائيا ومن ذلك دخول روسيا الحلف ودخولها بالتالي الى المعسكر الغربي الذي يمكن القول انه اليوم يمتد عبر مساحة شاسعة تخضع بشكل كامل للهيمنة الاميركية بدءاً من الأراضي الاميركية مرورا بأوروبا وحتى حدود روسيا الآسيوية الموقع والغربية الإنتماء اليوم. وفي خضم خلافات كثيرة بين اوروبا وأميركا حول قضايا محورية مثل الإرهاب واتساع نطاق هذه الحرب لتشمل «محور الشر» نجد ان الأوروبيين متفقون مع الأميركيين حول ضرورة إنضمام روسيا للناتو لأهمية ذلك من جانب سيطرتها مع الجمهوريات على نصف ثروات بحر قزوين ولكونها مازالت تشكل تهديدا للمخططات الغربية باتجاه آسيا. ـ كيف ينظر للإتفاقية الجديدة بين أميركا وروسيا وهل هي جديدة فعلا، وإن لم تكن فما الجديد فيها، قياسا على ماسبقها من اتفاقيات أميركية روسية او سوفييتية؟ ـ ماهي الظروف التي دفعت باتجاه انجاز هذه الإتفاقية التي واجهت اعتراضات الكونغرس الاميركي سابقاً في شكلها القديم وتواجه اعتراض الدوما في شكلها الجديد؟ كيف ينظر للظروف والأبعاد المختلفة لزيارة الرئيس الاميركي لثلاث عواصم أوروبية كانت آخرها روما التي شهدت انضمام روسيا للناتو وكيف عالج الرئيس الاميركي هذه الظروف. وما النتائج المستخلصة من هذه المعالجة؟ لم ينكر الأميركيون ان الإتفاقية الجديدة لاجديد فيها سوى الأرقام، ورغم التطبيل الذي حصل باتجاه تسويق نجاح الرئيس الأميركي الجديد في حل معضلة اتفاقية خفض الأسلحة الا ان المتعمق في مفردات ماحدث سيجد إنه وسط تمويه تجيد الولايات المتحدة اللعب به في حلبة السياسة وهي عندها اشبه بحلبة الروديو الأميركية الشهيرة. الإتفاق الجديد ـ القديم تعلق مثل سابقه بالأسلحة النووية الاستراتيجية التي تملكها كل من روسيا والولايات المتحدة والتي تكون مخزونها لدى كل منهما بفضل سباق التسلح ايام الحرب الباردة وبشكل اكثر دقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945. ضخامة الترسانة النووية لدى كل من البلدين كانت نتيجة حتمية لدراسات وبحوث رسمت شكل الدفاع الإستراتيجي والردع النووي مما يمكن ان يقي الولايات المتحدة وحلفاءها من حرب نووية قد يقودها الإتحاد السوفييتي السابق، وهو مادفع الخبراء الإستراتيجيون الى وضع سيناريوهات محتملة للحرب بين القوتين العظميين مثلما وضعوا برامج دفاعية متطورة كإستراتيجية للردع مثل برنامج حرب النجوم لريغان وبرنامج الدرع الدفاعية الصاروخية المتطور عنه. فكيف ينظر للإتفاق الجديد قياسا بالإتفاقات السابقة؟ الإستراتيجية العسكرية الأميركية لقراءة الإستراتيجية العسكرية الأميركية ينبغي المرور عبر نفق الدفاع الإستراتيجي وتطوره الى مفاهيم كثيرة اوجدت الشروط الأميركية في كل اتفاق ومنها اتفاقات سالت وستارت والإتفاق الأخير عبر حقبة زمنية تناهز خمسين عاما. ومفهوم الدفاع الإستراتيجي ينهل من نظرية الردع التي سادت فترة الحرب الباردة والتي قيل انها سقطت بسقوط الإتحاد السوفييتي. ووفق خبراء كثر فإن جوهر الدفاع الإستراتيجي لم يسقط مع انهيار جدران الحرب الباردة بل تطور مع ما تطور من أسلحة تنوعت بين نووية وبيولوجية وكيماوية وذكية وغيرها. ومع ذلك لايمكن ان نقول ان توازن الرعب بقي على ماكان عليه ايام الحرب الباردة فقد تغير مفهومه من الثنائية إلى الانفراد متفوقا على غايته وصولا إلى معاني التركيع والاجبار. ويصلح القول أن الردع للدفاع كان مضمون الاستراتيجية العسكرية الاميركيه الجديدة التي أظهرتها بأوضح صورها حرب القرن أو الحرب ضد الإرهاب. وعلى ذلك نجد أن الرؤساء الأميركيين الذين تلوا ريغان رفضوا أية خطط لخفض الرؤوس النووية وتحجيم قدرات الردع والدفاع الإستراتيجي قبل تقييم هذه القدرات، فبوش الاب استخدم استراتيجية الردع بكاملها «الدمار الكامل» ضد العراق في حرب الخليج الثانية، وكلينتون رفض خفض الرؤوس النووية وقال انه ينبغي تقييم الحد الأدنى اللازم من القدرات الدفاعية غير التقليدية قبل الموافقة على أية خطة تدعو إلى خفض كبير في الأسلحة النووية وفقا للمقترحات الروسية. كلينتون دعا إلى وضع خطة مستهدفة كفيلة بحماية الولايات المتحدة وهنا ظهر مفهوم جديد للخصم الذي يسكن الطرف الآخر من معادلة «توازن الرعب» وبدأت ملامحه تتجلى في صور الإرهاب الجماعي فالدولي. وخير دليل على ذلك ما أكده كلينتون نفسه عندما قال: «يجب أن تقنع روسيا والصين ودول أخرى بالتعاون في مجال تطوير عدد كاف من الصواريخ الدفاعية بهدف منع الدول المارقة والإرهابيين من اختراق حدود دولهم إلى حدود دولنا». استمرت السياسة الاميركية في عهد بوش الابن بالحفاظ على مفهوم الدفاع الإستراتيجي دون أن تحدده بالنووي، وبدت دعوة بوش الابن لاقامة الدرع الدفاعي الصاروخي أحد عناوينها. ورغم أن بوش تراجع عن فكرة الدمار المشترك لكن وزير خارجيته كولن باول خالفه الرأي عندما شدد على ضرورة ذلك كأساس للدفاع الإستراتيجي رغم مشروع الدرع الدفاعي الصاروخي المقترح وطالب دولا مثل كوبا على سحب جيوشها من أراضى أصدقاء لأميركا أو أراضى مصالح لأميركا. باول شدد على أن الدمار المؤكد المشترك الذي اعتبر أساسا للدفاع الإستراتيجي أثناء الحرب الباردة لا يمكن الاستغناء عنه حتى إذا أقامت واشنطن درعها الدفاعي، ونجده يخاطب الكونغرس بالقول: «لا يمكنكم الاستغناء تماما عما يعرف بالدمار المؤكد المشترك وهذا يعني الاحتفاظ بأسلحة كافية حتى يمكن دائما ردع أي من يخطط لضربنا». ومن هنا جاءت الدعوة للخروج من معاهدة «آي بي إم» التي صاحبت صعود الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة بوش الإبن مطلع عام 2000، وهي دعوة عزفت على تكريس وتعزيز الإنفراد الأميركي بعد سقوط الإتحاد السوفييتي السابق. ونجد خبيرا إستراتيجيا مثل شالي فيلدمان يبرر ذلك بالضرورة فمنطقة «الشرق الأوسط وآسيا» مثلا تنزلقان بطبيعتهما إلى العصر النووي وبالتالي فانه يرى أن من الأفضل لإسرائيل وأميركا أن تتحولا إلى استراتيجية الدفاع بمفهوم الردع النووي المفروض بشروط استخدام السلاح النووي. ويرى فيلدمان ضرورة أن تندمج القوة النووية مع القوة العسكرية التقليدية في استراتيجية استخدام قتالي واحد للجيوش الأميركية والإسرائيلية، والميزة التي يحققها هذا البديل هو انه بجانب تقوية عامل الردع فانه سيوفر إمكانية لتقليص حجم الجيش الإسرائيلي والأميركي معا حيث سيكونان أصغر حجما وأقل كلفة. فيلدمان استند بالتأكيد على جملة حقائق منها على سبيل المثال: ـ ان الفترة الزمنية للإنذار منخفضة بحيث يمكن ان تؤدي الى كارثة، وهو مايبرر الإحتفاظ بالجاهزية ويقود الى ضرورة الدرع الدفاعي او استراتيجية الدفاع. ـ ان كلفة تدمير رؤوس من البلوتونيوم عادة ماتكون باهظة التكاليف وتحتاج الى زمن طويل وتحضيرات معقدة عدا عن المخاطر الكثيرة. أما رامسفيلد فقد أكد على ضرورة استمرار مفهوم الردع بثوبه الجديد فقال: «علينا الاعتراف بأن الإستراتيجية التي كانت معتمدة أيام الحرب الباردة المتمثلة بالتدمير الشامل المتبادل الأكيد وبمفهوم الهجوم المرتد الساحق كانت ناجحة خلال تلك الحقبة، ومشاكل اليوم تعقدت عما كانت عليه ولذا فعلى عاتق الإدارة الجديدة يقع التخطيط لاستراتيجية دفاع جديدة»، بالطبع ستناور من اجل الإحتفاظ بالرؤوس النووية مخزنة في اقل تقدير بما يضمن تلك الجاهزية. تاريخ ليس بعيداً جداً قام المعتقد الاستراتيجي للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 على الاستراتيجية المسماة بـ «توازن الرعب» أو «الرعب المتوازن» ولم يتغير هذا المعتقد إلا في عام 1982، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تتوخى تصعيد كفاءتها العسكرية بالمستوى نفسه الموازي لكفاءة الاتحاد السوفييتي السابق أصبحت منذ العام 1982 تعتمد على التفوق النووي على الاتحاد السوفييتي السابق عبر التطور التقني المتقدم لمواجهة الصواريخ النووية السوفييتية. وجاءت مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي أعلنها الرئيس الأميركي الاسبق رونالد ريغان والقاضية بتدمير الصواريخ النووية السوفييتية داخل الفضاء وقبل سقوطها على أهدافها في داخل الولايات المتحدة، لتغير الموازين الاستراتيجية السابقة ونجد ما يماثلها في فترة الرئيس الحالي جورج ولكر بوش عندما أطلق الدرع الدفاعية الصاروخية، ثم عندما بادر بالحرب والتي تعد وفق نظرية الردع الضربة الثانية التي تدمر كل شيء. اقترن تغيير المعتقد الاستراتيجي العسكري الأميركي بالميزانية الاقتصادية التسليحية الخاصة بمثل هذا النوع من المواجهة النووية المنظورة وارتبط المعتقد الجديد جوهريا وبالضرورة بتغيير الخطط العسكرية ومنظومات الدفاع والهجوم بمعنى انه طرح تصورا جديدا للدفاع عن الأمن القومي ومواجهة التحدي العسكري الأكثر أولوية المتأتي من الاتحاد السوفييتي السابق كخصم استراتيجي أول، وفرض هذا الاسلوب المتقدم في تقنية الحرب النووية على الخصم السوفييتي حتمية إعادة النظر بمعتقده الاستراتيجي السابق من اجل خلق منظومة نووية للدفاع وللهجوم تمتلك تعاليم متفوقة على التقدم الأميركي في مجال الصواريخ النووية المعترضة وتحقق توازنا جديدا يرتكز على قدرة الطرفين على الردع النووي. تطور مفهوم المعتقد الاستراتيجي من دلالته العسكرية المحضة إلى دلالة سياسية فاصبح يقصد به أيضا الأيديولوجية الفكرية الأكثر أهمية وتأثيرا داخل حدود جغرافية ـ سياسية ما، بحيث تستطيع هذه الأيديولوجية التحكم بالواقع السياسي، الاجتماعي لبلد أو جماعة بشرية معينة، وتلعب دورا أساسيا في صياغة ضمير الجماعة أو فكرها الذي يواجه جماعة متحدية لها، فما هي مراحل هذا التطور؟ وجدت الولايات المتحدة نفسها وهي تتجه نحو الانفراد أن عليها الاعتصام خلف حجب دفاعية إيجابية استراتيجية ربطتها بسلامة الحرم السكاني والبشري، وخلقت لها أعداء كثر، أوجدت بعضهم آلتها الاعلامية السياسية واوجدت الآخر سياستها تجاه دول العالم. ولعلنا نجد في تراجع ريغان وطعنه في منطق استراتيجية قابلية الدمار الأكيد المتبادل شكلا واضحا لسعي الإدارات الاميركية ايجاد مبررات لجدوى الردع مع تصاعد الكلفة، ويذكر أن ريغان الذي يعده الأميركيون من الرؤساء العظماء الذين لا يتكرر عهدهم، قد ترك البيت الأبيض والولايات المتحدة مثقلة بأسوأ تدهور اقتصادي وتضخم، فقد ذهبت ميزانيتها لاستراتيجية ردع بات من المنطقي بعد تطور التكنولوجيا النووية دوليا عدم جدواها. لقد قيل وكتب في السبعينيات والثمانينيات بشأن استقرارية وجدوى وفاعلية وكلفة استراتيجية «الردع بقابلية الدمار الأكيد المتبادل» والدفاع الإستراتيجي، وانقسم الرأي إلى فريقين: أحدهما يزعم أن الردع بحالته الراهنة آنذاك قد بدأ ينثلم، والرأي الثاني ذهب إلى أن الردع مازال فاعلا، ولكل طرف منهما براهينه الخاصة. تململ الحلفاء الاوروبيون من هاجس الولايات المتحدة ولم يكن هناك بينهم وبين واشنطن تبادل اطمئنان، فلو كان للأميركيين رادعا له مصداقية عالية لهان الأمر، لكن الولايات المتحدة مضت تطور أسلحتها النووية والبيولوجية والكيماوية وبرامجها الفضائية التسليحية مما خلق جوا من الرهبة أو ضرورة البحث عن رادع جديد ضد تنامي القدرة الاميركية الرادعة يضفي استقرارا على العلاقات الثنائية والسياسية والدولية بشكل عام. ودفع التفوق الاستراتيجي الرادع للولايات المتحدة وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، طرف معادلة الدفاع الإستراتيجي الآخر، إلى تحقيق مكاسب على حساب العالم الغربي الذي بات يحتل الطرف الثاني للمعادلة في محاولة لإيجاد توازن رعب آخر، لكن هذا أدى إلى فشل معادلة التوازن، إذ انصفّ العالم الغربي إلى جانب الولايات المتحدة التي: ـ انفردت في مواقع مهمة في الشرق الأوسط وآسيا وعززت مواقعها في أفريقيا. ـ قوّت قبضتها على أميركا اللاتينية. ـ قادت أوروبا الغربية بصرامة من خلال الناتو والأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون الاوروبي. ـ حسنت منظومات الأسلحة الاستراتيجية ونوعتها فلم تقتصر على الأسلحة النووية،، بل تعدته للأسلحة البيولوجية والكيماوية وانواع جديدة من الأسلحة الكهرومغناطيسية. وهكذا باتت نظرية الدفاع الإستراتيجي لدى أميركا تأخذ مفاهيم أخرى مختلفة ارتبطت بمصالحها فباتت تسمي خصومها حتى آلت إلى إعطاء عنوان فضفاض هو «الإرهاب» اندرجت تحته كل مفاهيم الدفاع الاستراتيجي وصارت معادلة الردع ميزانا فقد كفته الأخرى واقتصر على كفة واحدة باتت الولايات المتحدة هي مالكها الأكيد. دراسات كثيرة قدمها صانعو السياسة الاميركية وجهت سياسة الولايات المتحدة أشارت إلى أن «قدر الولايات المتحدة والشعب الأميركي أن يصبح الأمن القومي للأمة ممتدا من نصف الأرض إلى آلاف الاميال بعيدا عن الأراضي الأميركية، وحتى تتمكن أميركا من الحفاظ على الأمن القومي لأراضيها وشعبها فإن ذلك يلزم الإدارات الاميركية بضرورة الحفاظ على الاستقرار والسلام في عدد من المناطق البعيدة في أوروبا والشرقين الأدنى والأقصى». وتعتقد الدراسة أن أمن الولايات المتحدة يمتد ليشمل أمن القارة الأوروبية من سواحل بحر قزوين حتى شواطيء المحيط الاطلسي، وبالمثل فإن استقرار مجموعة دول المحيط الهادي واليابان على رأسها يأتي في المرتبة الثانية يليهما الشرق الأوسط وعلى رأسها إسرائيل، ومن هنا جاءت ضرورة انهاء الخلاف مع روسيا وضمها للناتو لتتحول الى اداة اميركية لا ندا لها. الجديد في الاتفاق الجديد فعلا هو موافقة روسيا على خفض الترسانة النووية بالسهولة التي تمت والتي أعطت تصريح بوش بأنه ذاهب للتوقيع في موسكو انطباعا بأنه ذاهب لتركيع روسيا.والواقع ان تغير موازين القوى واسباب اخرى دفعت روسيا للقبول بالعرض الأميركي في تعديل الإتفاقية التي اعلن انها جديدة وانها نسخت ماقبلها، فكيف قاد الأميركيون المفاوضات؟. ركز الأميركيون وفق سيناريوهات المفاوضات على الجبهة الإستراتيجية حيث توفرت لدى اميركا ـ وفق مفاوضيها ـ الإمكانية لإنشاء أساس مستمر ومترابط، وبدلا من التركيز على التهديدات المركزية او المشاكل الرئيسية او الحلول المفردة، ركزوا على الطرق العملية في جعل امكانية المشاركة بالمصالح الوطنية والأمنية والسياسية والعسكرية. في المقام الأول اعترف الأميركيون انهم انما يتعاملون مع موروث الحرب الباردة ولهذا كان مهما لهم إعلان اتفاقية الحد من التسلح،ورغم ان الحرب الباردة انتهت منذ عشر سنوات لكن موروثها اثر على الأمن القومي للبلدين. جاء اعلان بوش انه سيوقع اتفاقية من منطلق ماكان عالقا بين الروس والأميركيين، فقد كان الروس اصروا على اتفاقية تنفيذية وليست موقعة فقط، بمعنى ملزمة في إطار القانون الدولي،معاهدة فعلية دولية تكون محكومة بتصديق الهيئات التشريعية «الكونغرس والدوما». كان ذلك مهما لروسيا للحصول على الإستقرار، فمعاهدة ممكنة التحقيق تحقق لهم قواعد أو أسساً للدفاع وخططاً عسكرية على مدى 1020 سنة مقبلة ليس فقط للقوى الإستراتيجية ولكن أيضا ليكونوا قادرين على تحقيق الإصلاح العسكري التقليدي الذي لم يتمكنوا منه خلال حقبة التسعينيات، يضاف الى ذلك ان قوتهم النووية بإنخفاض في كل الأحوال إذ اصبحت مكلفة جدا وأثارت ومازالت تثير جدلا سياسيا في روسيا. كان ذلك ماركز عليه الأميركيون، ونجد في ماعرضه المفاوضون الأميركيون مع الروس دليلا على ذلك،نقرأه في سيناريو المفاوضات إذ جاء: «انتم ستتحولون بمجرد دخولكم الناتو الى قوة عسكرية روسية صممت للحرب في أوروبا، إذا نجح الجيش الروسي في الدخول الى حركة التطوير والإصلاح وكان أسرع تحولا». لقد أشار الأميركيون الى التهديدات الحقيقية التي تواجه روسيا والمتمثلة في المناطق جنوب روسيا وشرقها وهو ماسيكلف روسيا الكثير من الأموال وسيحتاج الى ان يتحول الجيش الروسي الى جيش ا كثر احترافا ليتمكنوا من استثمار الجهود الأخرى في الإقتصاد والسياسة ولهذا قال الأميركيون للروس: «انتم تحتاجون الى اتفاقية ذات إطار زمني طويل» وهو ماتعطيه اتفاقية الحد من التسلح للمؤسسة الأمنية الروسية ولجيشها وهو ما لا تعطيه اتفاقية مجردة. وهكذا لم تصر روسيا على ان تكون هناك حدود قوية مثلا على عدد قواعد الإطلاق التي امكن للولايات المتحدة الإحتفاظ بها، وكذلك لم يتشدد الروس في موضوع تدمير قواعد الإطلاق وهي المركبات التي تحمل الرؤوس النووية او بتعبير أدق تسلمها فالمباديء الحقيقية في الإتفاقية هي عدم تدمير منصات الإطلاق لأنها قد تستخدم لإطلاق انواع ثابتة اخرى وهذا يحيلنا الى الطموح الأميركي في الحصول على موافقة ولو ضمنية على الدرع الدفاعي الصاروخي. وبالطبع فإن الإتفاقية الأخيرة ارتبطت بإتفاقية ستارت 2 ولهذا قلنا انه لاجديد فيها، فالذي تغير فعلا هو الأرقام، فبدلا من التخفيض حتى حدود «3000 ـ 3500» صار التخفيض وفق هذه الإتفاقية الى حدود «1700 ـ 200» أي الثلثين مع الإحتفاظ بالتفاصيل الأخرى التي شكلت اتفاقية ستارت 2، وقد أكد ذلك المسئولون الأميركيون بأنفسهم. ربط الاتفاقية الجديدة بإتفاقية ستارت 2 بشكل خاص بسبب نظام المراجعة الخاص بإتفاقية ستارت 2 وهو مايعني وفق الخبراء الأميركيين «بناء الثقة وخلق علاقات على المستويات السياسية والعسكرية فقد ساعدت هذه الإتفاقية أميركا وروسيا على الخروج من نفق الحرب الباردة وهي تطرح بيئة امنية جديدة». ربط المفاوضون هذه الإتفاقية باتفاقية أخرى تمت التهيئة لها وتعلقت بإغلاق ملف الحرب الباردة تماما عبر ضم روسيا للناتو، وهو مايتيح لروسيا ان تنضم للبرامج العسكرية للخطط والتدريبات المشتركة وهو مايهم روسيا على الصعيدين السياسي والعسكري. والروس رغم ذلك لايعتمدون على العلاقة مع الولايات المتحدة واوروبا قدر اعتمادهم على علاقاتهم بجيرانهم، فجيران الروس كثيرون والمشاكل التي تربطهم بها كثيرة سواء على المستوى الإقتصادي مثل اقتسام ثروات بحر قزوين، أو على الصعيد الأمني مثل الإشتراك في محاربة الحركات الإنفصالية، أو على الصعيد الجيواستراتيجي مثل تنسيق العلاقات في اطار الكومنولث، ولذا كان على روسيا ان تضع اوزار الحرب مع أميركا سواء الباردة أم غير الباردة. لقد لخص السياسيون جملة ثوابت ومتغيرات عدت اسبابا مباشرة وغير مباشرة منها: ـ إن روسيا على دراية بأن التقارب الأميركي هو عرض مؤقت ولاتوجد ضمانات لإستمراره. ـ أن عوائد روسيا من بيع الأسلحة الى إيران مثلا ونظير التعاون مع العراق تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. ـ ان روسيا تدرك بخبرتها الطويلة في عالم السياسة والعلاقات الدولية بأن الأميركيين يسعون لإستغلال روسيا أكثر من إفادتها فهم يتشككون في قيام شراكة متوازنة. ـ ان جيران روسيا هم الأهم فهي لاتجاور أميركا بل العالم العربي وايران بما يشكلونه من ثقل مادي واستراتيجي ولذا فإن التعاون معهم أجدى. ـ إن ماطرحته وماتطرحه اليوم الولايات المتحدة من تخفيض للأسلحة الإستراتيجية والباليستية هو في الصالح الأميركي وما السعي لكسب روسيا الا لإستكمال مشروع أو مخطط محاربة الإرهاب بينما لاتقدم الإتفاقية الشيء نفسه لروسيا حتى مع الوعود والآمال الاقتصادية والسياسية التي رسمتها له بانضمامه للناتو. هكذا نجد ان روسيا لم تهضم بعد الجزرة الأميركية وهي على ماهي عليه من اقتصاد لايتيح لها صيانة اسلحتها النووية وإصلاح جيشها، لكنها تملك السيطرة على ارض الثروات القفقاسية، وتملك الجمهوريات الساندة لها مثلما تملك اتفاقا استراتيجيا مع الصين ومع العدو القديم الهند ومع اثرى بقعة في العالم وهي الشرق الأوسط، ولهذا ذهبت صحيفة «البرافدا» للقول في صفحتها الأولى ان «بوش اتى خالي اليدين»، وهي بذلك ترمي الى ان الجزرة هي روسية هذه المرة وليست اميركية. لهيب عبدالخالق