يعتقد قطاع واسع في اسرائيل ان ارييل شارون رئيس الوزراء وياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مازال يتمتعنان بنفس السلوك ، الذي كانا عليه قبل عشرين عاما عندما تم اجتياح لبنان، لكن المطلوب من شارون الآن تقديم تنازلات مؤلمة كالتي وعد بها للحصول على السلام لان القوة كما ثبت لم تحل المشكلة. عملية «سلامة الجليل» التي انطلقت في طريقها في مثل هذا الاسبوع قبل عشرين عاما والتي أطلقت عليها أسماء مثل «حرب لبنان» و «لعنة لبنان» و «فيتنام الصغيرة» لم تنته في واقع الامر حتى يومنا هذا، العدوان اللدودان في عام 1982، شارون وعرفات، أصبحا أكثر تقدما في السن - شعرهما أبيض، أحدهما يتلعثم في كلامه والثاني يميل للنوم في وسط النهار - الا انهما ما زالا مستمرين في تلك الحرب الدموية التي أسقطت آلاف القتلى والجرحى من كلا الجانبين. عشرون سنة هي فترة طويلة، ولكن الانطباع هو ان كلا الزعيمين اللذين ما زالا في مستوى النجومية لم ينسيا شيئا ولم يتعلما شيئا، كلاهما على قناعة ان العناد والقوة سيوصلانهما الى هدفهما المنشود، أحدهما يريد كل شيء، والثاني لا يريد التنازل حتى عن نصف مستوطنة، الفرق بين تلك الفترة واليوم هو ان جيش الدفاع كان يتحرك في حينه ضد الارهاب في عمق الاراضي اللبنانية بينما يقوم الآن بالتحرك في عمق اراضي اسرائيل، منذ طرد عرفات من لبنان أصبح وضعنا اسوأ من الناحية النسبية، صحيح أننا نملك القمر الصناعي (أوفيك 5) القادر على التقاط صور لعرفات وهو يستخدم فرشاة أسنانه الا اننا بقينا جامدين من الناحية الاساسية مثل عرفات، لم يطرأ أي تغيير على النظرية المتقادمة التي يبلغ عمرها عشرين سنة لمكافحة الارهاب. الدروس المستفادة من «سلامة الجليل» لم تستوعب، مثلا: طرد عرفات من لبنان الى تونس لم يخلص المستوطنات الشمالية من تهديد الارهاب، وانما زاد الوضع خطورة، حزب الله ملأ الفراغ وتحول بالقوة وعمليا الى عدو أكثر خطورة بسبب الدعم الايراني، نفي عرفات الى تونس لم يؤد الى القضاء عليه فحسب، بل حوله الى عزيز العالم باعتباره الزعيم الأوحد للشعب الفلسطيني، ففي الوقت الذي يتجول فيه عرفات في العالم ويواصل تحريك الارهاب بقيت اسرائيل عالقة طوال 17 عاما في اراقة الدماء والاحباطات الى ان اضطرت الى الانسحاب من لبنان من طرف واحد. هذه الخطوة الجريئة والصحيحة التي قام بها باراك فسرت من قبل الفلسطينيين كخضوع للارهاب وهناك من يدعون ان أسطورة قوة الردع الاسرائيلية قد تحطمت في لبنان. لم يتعلموا شيئا، الا انهم لم ينسوا شيئا ايضا فعلى سبيل المثال: أنماط اساليب القيادة وتسيير مقاليد الامور لم تتغير تماما منذ أكثر من عشرين سنة، هيمنة القائد والجهل في معرفة الاتجاه الذي يسير نحوه بقيت كما كانت قبل عشرين سنة، في صحيفة «معاريف» الصادرة في نهاية الاسبوع كان هناك وصف منفعل للطريقة التي نجح فيها شارون في خداع كل الجهاز السياسي والجمهور والاعلام مرة اخرى، صحيح ان الحديث يدور عن حكاية شاس الا ان أنماط السلوك تشير الى ان الاشخاص في هذا السن لم يعودوا قابلين للتغير. بيغن وشارون تحدثا في السادس من يونيو عام 1982 عن عملية بعرض 40 كيلومترا ولمدة 48 ساعة، هذا كان ايضا مضمون الرسالة التي أرسلها بيغن لريغان في حينه، الا ان الجيش وصل الى بيروت وتجاوز الى ما وراءها ومن دون قرار حكومي في الواقع، اليوم مثلما كان بالامس لم يعلمونا بكل شيء، ولم تصل التقارير حول كل شيء، لا للحكومة ولا للجنة الخارجية والامن. مثلا: في السابق واليوم ايضا يوجد لرئيس هيئة الاركان تأثير سياسي حاسم في تحديد الخطوات العسكرية في السابق أوصلنا الامر الى بيروت والآن قد يقودنا الى احتلال كل المناطق، مثلا: في السابق مثل اليوم ما زال شارون يعمل على تغيير القيادة في الجانب العربي، في لبنان رغب شارون ببشير الجميل رئيسا يوقع على اتفاق سلام مع اسرائيل، الا اننا حصلنا على الشيعة بدلا من الحصول على «اخواننا المسيحيين» شارون يكرر نفس النمط السلوكي في محاولته الآن املاء القيادة الفلسطينية على الفلسطينيين، أي طرد عرفات من المنطقة، صحيح ان الجميع قد ملوا عرفات، الا انه ما زال يحظى بصفة المفاوض الوحيد لنا في العالم، واذا كان الحديث يدور حول الطرد فمن الأجدر ان نتذكر ان عرفات ومن دون العضلات التي يفتلها شارون، قد شهد تسعة رؤساء حكومة اسرائيليين وأسقط ثلاثة منهم بيديه. العبرة الاساسية المطلوب تعلمها من عملية «سلامة الجليل» هي أنك تعرف كيف تدخل في عملية ضد الارهاب، الا انك لا تعرف كيف تخرج منها، عملية عسكرية في منطقة مزدحمة بالسكان ومدعومة من قبل الدول العربية قد تتحول الى مصيدة. «السور الواقي 2» غزة اذا حدثت فقد تقودنا الى حرب دموية الرد على الارهاب وكل ما يلحقه بنا ليس موجودا في جعبة الجيش وانما في اقدام وجسارة زعيم الحربين وقدرته على تنفيذ ما وعد به: تنازلات مؤلمة مقابل السلام، ولا حل من دون ذلك.