شكلت الجولة الاوروبية التي قام بها الرئيس الاميركي جورج بوش الاسبوع الماضي والتي شملت كلا من روسيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا علامة في سياسة الولايات المتحدة الاميركية الخارجية وذلك على الرغم من ان اوساط المراقبين اعتبرت الجولة عنوانا اضافيا لحملة مكافحة الارهاب التي تقودها الولايات المتحدة منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي. وقد كان امرا طبيعيا ان تحظى قضية الشرق الاوسط باهتمام لافت خلال تلك الجولة خاصة وان الرئيس بوش سبق ان طرح العديد من الافكار التي تدعو الى ايجاد حل للصراع العربي الاسرائيلي ولكن بطريقة تتجاوز قرارات الامم المتحدة ومباديء الشرعية الدولية. وبدا واضحا ان الادارة الاميركية ارادت ان يحذو حلفاؤها الاوروبيون حذو سياساتها الجديدة سواء فيما يتعلق بمكافحة الارهاب او السعي الى حل ازمة الشرق الاوسط. وثمة تقييمات مختلفة لمثل هذه الاوضاع والنتائج التي اسفرت عن جولة بوش الاوروبية بالرغم من ان الموقف الموحد الذي اظهرته دول الاتحاد الاوروبي قد اثار الشكوك حول مدى قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم في هذه المرحلة. تناقضات اساسية لقد برزت اثناء الجولة الاوروبية للرئيس جورج بوش الكثير من التناقضات الاساسية بين الولايات المتحدة ودول غرب اوروبا ازاء قضيتين اساسيتين وهما: موضوع الارهاب والشرق الاوسط فعلى الصعيد الاول ابدت الدول الاوروبية وخاصة فرنسا تحفظا شديدا على التوجهات الاميركية بشأن توسيع مكافحة الارهاب ونقلها الى مناطق جديدة في العالم. وعبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن عدم رضا باريس عن السياسات الاميركية في هذا المجال وكان سبب التحفظ هو اصرار واشنطن على اعتبار حتى حركات المقاومة الوطنية في العالم منظمات ارهابية كما ان الاسئلة المحرجة التي طرحها الصحفيون في باريس على الرئيس جورج بوش قد اظهرت وجود جهل كبير لدى الرئيس الاميركي بشأن العديد من القضايا والملفات السياسية الساخنة في العالم حتى ان صحيفة «لوموند» الفرنسية سخرت من هذا الجهل الذي ابداه الرئيس جورج بوش بطريقة عكست درجة الامتعاض الفرنسي خاصة والاوروبي عامة من السياسات الاميركية ازاء القضايا الاهم دوليا. دور روسيا ولعل الانجاز الوحيد الذي حققته جولة بوش هي ضم روسيا الى التحالف الاميركي ـ الاوروبي لمكافحة الارهاب فقد وافقت موسكو على لعب دور جديد على هذا الصعيد وهو الامر الذي اثار انتقادات واسعة داخل روسيا وخارجها خاصة وان المفهوم او الرؤية الاميركية لمسألة الارهاب تتناقض جذريا مع الرؤية الروسية. ويبدو ان الضعف الاقتصادي الذي تعاني منه موسكو هو الذي شجعها على الاستجابة لهذا الضغط الاميركي ومن ثم الانضمام الى مجلس التعاون الدولي الجديد لمكافحة الارهاب وعلى الرغم من ان مصادر الكرملين سعت الى التخفيف من الصدمة التي اثارها الاتفاق فان الخبراء في الدول الغربية اجمعوا على ان موسكو قد خسرت الكثير جراء هذا الانزلاق غير المبرر من الناحية السياسية. وثمة تأكيدات ان روسيا حصلت مقابل ذلك على لعب دور اكبر في حل ازمة الشرق الاوسط من منطلق ان المنطقة قريبة جدا من حدودها الجنوبية ولكن الخبراء يشككون في هذا الاتفاق ويرون ان موسكو قدمت تنازلات غير مسوغة الى واشنطن حتى من دون الحصول على اية ضمانات واضحة. وقد يكون الموضوع او الملف العراقي هو الابرز لهذه الصفقة حيث تشير المصادر المراقبة الى ان روسيا قد تكون ضمنت بالفعل الغاء او على الاقل تأجيل الضربة العسكرية ضد العراق الامر الذي تعتبره الاوساط الروسية بانه مكسب سياسي مهم! الزعامة الاحادية والى جانب ذلك فان جولة بوش الاوروبية قد اكدت بان زعامة الولايات المتحدة للعالم لاتزال بحاجة الى الكثير من المصداقية السياسية على الاقل، فقد بدا واضحا من خلال محادثات بوش مع القادة والزعماء الاوروبيين ان هؤلاء ينظرون بالكثير من القلق الى التفرد الاميركي في معالجة القضايا الدولية الراهنة. وقد كان الرئيس شيراك اكثر وضوحا في هذا المجال عندما دعا الولايات المتحدة الى اشراك القوى الدولية في هذه المعالجة واعطاء دور اكبر للامم المتحدة. ومن المؤكد ان ازمة الشرق الاوسط كانت احد الملفات التي حظيت بالاهتمام الاوروبي والاميركي على السواء ذلك ان تصريحات الزعماء الغربيين قد اكدت بوضوح تام ان هناك هواجس استراتيجية تطرحها دول الاتحاد الاوروبي بشأن استمرار الصراع في الشرق الاوسط حيث جرى التأكيد بأن بقاء الحرائق مشتعلة في المنطقة يخلف حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في اوروبا نفسها. وحتى مع الافتراض بأن هذا الموقف الاوروبي قد يكون مقدمة لممارسة المزيد من الضغوط على اسرائيل حتى تعود الى مائدة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية فان من الاجدر القول ان حالة العلاقة الاميركية الاوروبية لا تدعو الى الكثير من التفاؤل لان ضغط الصراع في الشرق الاوسط يدفع بالدول الاوروبية الى مضاعفة الجهود والتحركات الرامية الى وقف دائرة العنف واطلاق المفاوضات من جديد. المحصلة العامة وفي ضوء مجمل هذه المعطيات يمكن التأكيد ان نتائج جولة بوش الاوروبية قد خلت من اية مفاجآت حتى ان بعض المراقبين يتحدث عن عودة الى سياسة التنافس بين اوروبا والولايات المتحدة بالنسبة للكثير من القضايا العالمية الساخنة فالرئيس الاميركي لم يستطع ان ينتزع من اوروبا اعترافاً رسميا باحادية السيطرة للولايات المتحدة على قضايا العالم. كما ان هناك الكثير من الثغرات والتعارضات التي تدعو الى الاستنتاج بأن الموقف الراهن لابد ان يتفجر في نهاية المطاف ليحمل الكثير من المؤشرات الساخنة. وعليه فإن الولايات المتحدة قد تتعرض لنوع من التراجع السياسي في حال استمر الوضع على ما هو عليه الآن ذلك ان اوروبا الرافضة ان تسلم الولايات المتحدة راية قيادة العالم تريد ان تمارس دورها خلال هذا العصر كقوة عظمى جديدة لها وزنها السياسي وثقلها الاقتصادي الى جانب اميركا وستكون هناك حاجة قوية الى الكثير من الضغوط والتفاعلات حتى تصبح واشنطن قادرة على الوصول الى اتفاق دولي شامل مع القوى الكبرى في العالم بشأن قيادة المسرح السياسي. هذا كله لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة التي تعاني اصلا من نقاط ضعف واختراقات كثيرة سواء من الداخل او الخارج وبالتالي فان الحاجة تصبح ماسة الى اعادة صياغة معادلة دولية جديدة تكون قادرة على جمع التناقضات في اطار هذه العملية. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري