رغم ان الرئيس الأميركي جورج بوش حاول خلال جولته الأوروبية والروسية وبشتى الطرق تسويق خططه الخاصة باستكمال الحرب ضد ما يسميه بالارهاب وخاصة تلك المتعلقة بالعدوان على العراق كأولوية أولى بالنسبة لمحور الشر الذي حدده على ان يأتي الدور فيما بعد على ايران وربما كوريا الشمالية، فالواضح وكما يشير الكثير من المراقبين للأوضاع على الساحة الدولية ان مهمته لم تكن بالسهولة التي كان يتوقعها وأنه كانت هناك معارضة وتحفظات من العديد من المسئولين الذين التقى معهم وخاصة الألمان والفرنسيين الذين تحفظوا بشكل واضح على موضوع ضرب العراق لأنه لن يكون في صالح الاستقرار في المنطقة وقد يضر بالمصالح الأوروبية في جنوب البحر المتوسط. ولم يتوقف الأمر على بعض المعارضات والتحفظات الرسمية ولكن كانت هناك مظاهرات واحتجاجات شعبية صاخبة صدرت عن شعوب الدول التي شملتها جولة بوش مؤكدة في مجملها الرفض التام لسياسة الهيمنة الأميركية على العالم وكذلك رفض الانسياق وراء الأميركان في حربهم ضد الارهاب وخاصة في ظل سياسة التهميش التي يقومون بها تجاه كل أصدقائهم وحلفائهم في العالم ومنهم الأوروبيون.. «الملف» التقى د. سعيد اللاوندي الخبير في الشئون الأوروبية ود. عمرو الشوبكي الخبير الاستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية للحديث عن أهداف جولة بوش الأوروبية الروسية وما تحقق منها وما لم تستطع تحقيقه. بداية يؤكد د. سعيد اللاوندي الخبير في الشئون الأوروبية ان هدف بوش من زياراته لبعض الدول الأوروبية الفاعلة كفرنسا وألمانيا وايطاليا هو الحرص على توضيح وجهة نظره في مختلف القضايا خاصة بعد ظهور خلافات جوهرية بين الادارة الأميركية وأوروبا فيما يتعلق ببعض القضايا ومنها الوضع في الأراضي الفلسطينية وموضوع اقصاء ياسر عرفات وضرب العراق، فالأوروبيون يرفضون تماما ضرب العراق ويرون في ذلك تعقيدا للأمور وضررا بالغا بمصالحهم مع دول الخليج وبقية الدول العربية، وخاصة فرنسا وهي من الدول المؤثرة في الاتحاد الأوروبي فهي تعارض بشدة ضرب العراق وترى ان ذلك يضر بمصالحها، كما ان بقية الدول الأوروبية تريد استقرار هذه المنطقة وحتى لا يتأثر موضوع الشراكة التي تعمل من أجله منذ وقت طويل أيضا، الأوروبيون حريصون على علاقاتهم ومصالحهم الاقتصادية والعسكرية مع ايران ويعتقدون انه ليس مفروضا ان يقطعوا علاقاتهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية معها لمجرد ان الولايات المتحدة غاضبة منها، كما ان هناك رغبة واصرارا أوروبيا على ألا يظل الدور الأوروبي مجرد دفع الفواتير للخطط العسكرية والسياسية للولايات المتحدة وأنه لابد ان يكون هناك دور فاعل للأوروبيين، دور الحليف المؤثر وليس التابع الذي ينفذ كل ما يملى عليه، من كل ما سبق يتضح ان هناك تعقيدا في الأمور وفي العلاقات الأميركية الأوروبية وهو ما تطلب ذهاب الرئيس بوش بنفسه الى عقر دار الأوروبيين لتوضيح سياساته ومحاولة كسب التأييد لحملته المستقبلية ضد العراق وغيره من الدول المارقة من وجهة نظره وكذلك بالنسبة للقضية الفلسطينية والتي توليها أوروبا اهتماما كبيرا وترفض ما يطالب به القادة الأميركيون من عزل لعرفات وترى بضرورة تواجده ليكمل المشوار الذي بدأه. هذا التعارض وعدم الانسجام في المواقف بين الأوروبيين والأميركان فيما يتصل ببعض القضايا من وجهة نظر د. سعيد اللاوندي لا يعني ان أوروبا مثلا تريد الابتعاد كلية عن الولايات المتحدة، بل على العكس تماما هي حريصة على تدعيم علاقاتها الاستراتيجية معها وتقر بدورها وتعرف قدرها تماما في ضبط الايقاع العالمي وهذا يتضح من تصريحات المسئولين الأوروبيين التي صدرت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر وفي الزيارات التي قاموا بها الى البيت الأبيض فقد ذهب شيراك وبلير وغيرهم الى الولايات المتحدة وحرصوا وقتها على التأكيد ان الاعتداء الذي وقع لا يستهدف فقط أميركا ولكن كل العالم الغربي، وهذا يؤكد مدى تقارب المصالح الأميركية والأوروبية. احتجاجات شعبية وحول رأيه في تصاعد المظاهرات والاحتجاجات الشعبية الأوروبية ضد السياسات الأميركية أثناء جولة بوش في بعض الدول الأوروبية يقول د. سعيد اللاوندي: هناك صورة انطبعت في أذهان الكثير من الأوروبيين وهي ان كل ما هو أميركي أصبح كريها بسبب اصرار الولايات المتحدة على فرض الهيمنة على كل دول العالم وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين لقد باتت الولايات المتحدة تشعر انه لا أحد يستطيع الوقوف في وجهها وانها لم تعد في حاجة لأي مساندة أو مساعدة من أحد وتملكت منها غطرسة القوة ويكفي ان نشير في هذا الصدد الى كلمة قالتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت مفادها ان أميركا تصنع ما تريد وقد تحتاج لرأي بعض الدول الحليفة ولكن عندما يحدث تعارض لا تتردد في تنفيذ ما تراه مناسباً لمصالحها، هذه السياسة لا تعجب بالفعل الكثيرين في أوروبا التي كانت في يوم من الأيام هي المسيطرة والمستعمرة لغالبية قارات الأرض، لقد أصبح المواطن الأوروبي ومعه مواطنو مختلف دول العالم يشعر ان الولايات المتحدة انفردت بالعالم ولم تعد تأبه بأحد وتقوم بتسخير الأمم المتحدة لخدمة أهدافها ومصالحها ومن هنا نستطيع ان نؤكد ان المظاهرات التي صاحبت جولة بوش هي للتأكيد على رفض هذه الهيمنة الأميركية والمطالبة بأن تكون هناك استقلالية لأوروبا. ويعتقد د. سعيد اللاوندي ان زيارة بوش لروسيا كانت ناجحة تماما بالنسبة للادارة الأميركية حيث استطاع بوش ان يحصل من نظيره الروسي فلاديمير بوتين على الكثير من المكاسب ومنها الموافقة على خفض الترسانة العسكرية النووية وهذا انجاز أميركي كبير، فالولايات المتحدة بذلك استطاعت العمل على تحييد أخطر المنافسين في المجال النووي، كما ان بوش أعلن في الكرملين ان روسيا لم تعد عدوة ولكنها صديقة وحليفة والشقيقة الصغرى للولايات المتحدة وهو بذلك أنهى زمن العداء السافر بين الدولتين ويتطلع لدور روسى في ضرب العراق كما كان لها دور في ضرب أفغانستان. خطط أميركية ومن ناحيته يرى د. عمرو الشوبكي الخبير الاستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ان الهدف الرئيسي لجولة بوش الأوروبية الروسية كان تسويق الخطط الأميركية الخاصة بمواصلة الحرب ضد الارهاب وبالذات ضد دول محور الشر الذي حددته الادارة الأميركية بالعراق وايران وكوريا الشمالية ولكن الملاحظ ان بوش حاول تحقيق خطوة مهمة بالنسبة لروسيا وفق أجندة سياسية تختلف عن تلك التي استخدمها مع الأوروبيين، فمثلا حاول بوش ان يقنع الروس أنهم غير بعيدين عن نار الارهاب ولعب في هذا الاطار بالورقة الشيشانية مؤكدا لهم ان العدوان على العراق وحصار ايران هو محاصرة للارهاب الشيشاني الذي تعاني منه روسيا منذ وقت طويل مضى، كما انه لوح للروس بورقة المساعدات الاقتصادية وأنه سوف يعمل على زيادتها، وكذلك مسألة الانضمام للناتو والتي تحققت خطوة هامة منها في وقت لاحق، أي ان بوش استخدم كل الأوراق المتاحة من أجل تحييد وكسب الروس الى صفه في حربه ضد ما يسمى بالارهاب وضد الدول التي يراها تعارض السياسات الأميركية وتقف في وجه مصالحها. ولكن على الرغم من ذلك فالملاحظ كما يشير د. عمرو الشوبكي فان مهمة بوش في روسيا لم تكن بالسهولة التي يراها البعض رغم ان بوش دخل الى روسيا من خلال أجندة سياسية تؤكد ان ما تقوم به أميركا من مواجهة للارهاب هو لصالح الأمن القومي الروسي، حيث تبين ان الروس لم يقبلوا بما قاله بوش بشكل نهائي وخاصة ان لديهم مصالح عسكرية وسياسية واقتصادية مع ايران وكذلك مع كوريا الشمالية ولكن بدرجة أقل، ومن هنا فالذي سيحسم موقف روسيا النهائي بالنسبة لتراجعها في علاقتها مع ايران وتضحيتها بهذه المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية معها هو حجم الدعم الذي سيقدم اليها من الولايات المتحدة بصفة خاصة والغرب بصفة عامة، وكذلك مدى تفاقم مشكلة الشيشان، فلو زادت حدة هذه المشكلة ووجدت روسيا أنها في مأزق فسوف يكون هذا عاملاً مساعداً في تأييد الروس للولايات المتحدة في خططها ضد ما يسمى بمحور (الشر). أما بالنسبة للمحطة الأوروبية في جولة بوش فيشير د. عمرو الشوبكي الى ان الرئيس الأميركي لعب على ورقة الارهاب باعتبارها خطراً عالمياً يهدد الدول الاوروبية كما هدد من قبل الولايات المتحدة وأنه لابد من تكاتف الطرفين في مواجهته، ولكن مع ذلك فقد كان الأوروبيون أكثر تحفظا على أهداف جولة بوش وخاصة بالنسبة لضرب العراق، لأنهم لا يعانون من نفس الضغوط التي يعاني منها الروس فهم في وضع اقتصادي قوي، ولديهم مصالح وعلاقات قوية مع الدول العربية وليس لديهم الاستعداد لأن يخسروا هذه المصالح بسهولة ومن هنا كان تحفظهم وهو ما أدى لصعوبات كبيرة بالنسبة للأميركان فيما يتعلق بتسويق مخططهم الخاص بالحملة ضد محور الشر وخاصة العراق. وفيما يتعلق بالمظاهرات والاحتجاجات التي صدرت عن الشارع الأوروبي أثناء جولة بوش وهل تعني رفض الأوروبيين للهيمنة الأميركية يقول د. عمرو الشوبكي:لقد جاءت هذه المظاهرات والاحتجاجات بمثابة استفتاء عل رفض الهيمنة الأميركية بل وكل السياسات التي تدعو للعولمة وما الى ذلك، وهذا الرفض الشعبي الأوروبي لا يعود فقط الى المظاهرات التي صاحبت هذه الزيارة ولكنه موجود في أوروبا منذ فترة وقد تمثل كثيرا في نتائج الانتخابات عندما نجد الأوروبيين يصوتون لصالح الأحزاب اليمينية المتشددة التي تدعو الى اعلاء الذات الأوروبية ورفض لكل ما هو أجنبي حتى لو كان أميركيا، الأوروبيون ملوا القيام بدور دافع الفاتورة دون ان يكون لهم دور فاعل في رسم السياسات العالمية كما تريد لهم الولايات المتحدة، ومن هنا سيظل هناك رفض للهيمنة الأميركية من جانب رجل الشارع في أوروبا. القاهرة ـ مكتب «البيان»: