منذ بداية التاريخ الحديث وصراع القوى الدولية مستمر من أجل حماية مصالحها الحيوية والأمنية، وتعظيم هيبتها العالمية، وفى تاريخنا المعاصر، الذي بدأ في نهاية الحرب العالمية الثانية عام1945 بحقبة القطبية الثنائية، شهدت السنوات الخمس عشرة الأخيرة (1987 ـ 2002) انفراد الولايات المتحدة بمكانة القوة العظمى الوحيدة فيما يطلق عليه «العالم الأول». أما العالم الثاني الذي يضم الدول الكبرى البارزة اقليميا أو قاريا في التوزيع العالمي للقوة فيضم روسيا والاتحاد الأوروبي والصين، وربما اليابان بفضل قدراتها الاقتصادية على الرغم من تواضع قوتها العسكرية. أما دول العالم الثالث فان القوى العظمى والكبرى تريد لها أن تبقى في اطار بناء القوة الوطنية وحدها، والتطلع المحسوب الى مكانة القوة الاقليمية دون التأثير على المصالح الحيوية والأمنية لتلك القوى التي تنتمي الى العالمين الأول والثاني، والتي تسعى الى فرض علاقات التحالف أو التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية على الدول النامية التي يضمها العالم الثالث. عطلت الولايات المتحدة ـ الى يومنا هذا ـ دور الأمم المتحدة في عقد مؤتمر قمة عالمي لمواجهة الارهاب، وابرام معاهدة دولية ملزمة لمكافحته، مع أن فرنسا قدمت صيغة مقترحة لهذه المعاهدة منذ عامين كاملين، وذلك في اطار المخطط الأميركي لتهميش دور المنظمة العالمية في الصراعات الدولية والاقليمية المعاصرة، وبخاصة في مناطق المصالح الحيوية الأميركية ومنها جنوب آسيا. واستمر رفض واشنطن الانضمام الى الاتفاقية الأوروبية لقمع الارهاب المبرمة عام1977 متعللة باعتراضها على تعريفات ومفاهيم الارهاب التي وردت بها، ذلك لأن الأميركيين يخلطون بين الارهاب والكفاح المسلح لحركات التحرير الوطني الذي تقبله ثقافة المقاومة في أوروبا، ويقيدون مشروعية المقاومة الوطنية المسلحة ويقصرونها على مهاجمة أهداف عسكرية صرفة لقوات الاحتلال، وبشرط عدم استهداف المدنيين حتى ولو كانوا في مستعمرات استيطانية أمنية داخل الأراضي المحتلة مثل الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة في فلسطين المحتلة بغض النظر عما يقرره القانونان الدوليان العام والخاص في هذا الصدد. وفي سبتمبر 2001 حدثت تفجيرات واشنطن ونيويورك، فاهتزت الادارة الأميركية بشدة، وبخاصة بعد سوء تقديرها لتقارير المخابرات المركزية الأميركية التي توقعت ضربات ارهابية ضد أهداف حيوية في العمق الأميركي، وقرر الرئيس جورج بوش أن يبدأ حملة دولية كبرى ضد الارهاب، ولخدمة المصالح الحيوية والأمنية الأميركية في العالم كله، وهى التي حددتها استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي صيغت بصورة متكاملة في خريف 1996 وأقرها الكونغرس، وتحفظ للولايات المتحدة مكانة القطب الأعظم المنفرد في مستويات القوة العالمية. وأعلن الرئيس بوش أن حملته ضد الارهاب سوف تستمر طيلة مدة حكمه فى البيت الأبيض سواء استمرت دورة رئاسة واحدة أم دورتين!!! واتخذت الادارة الأميركية قرارها ببدء حملتها الحربية واسعة النطاق يوم 19 سبتمبر 2001 لضرب أفغانستان، وملاحقة تنظيم القاعدة والمنظمات الارهابية في ستين دولة، والتدخل العسكري المباشر ضد بعض الدول المارقة. وبذلت الولايات المتحدة أقصى جهودها لبناء أكبر تحالف دولي ممكن لتنفيذ استراتيجية حملتها مستخدمة كل أدوات الضغط الممكنة على الدول الحليفة والصديقة لها وعلى دول العالم الثالث. وانضمت سبع دول من حلف شمال الأطلسي، وهي كندا وألمانيا وهولندا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا وتركيا، الى تلك المجموعة من الدول الحليفة التي قدمت كافة امكانياتها لدعم الحملة الأميركية شاملة القوات والقواعد والتسهيلات العسكرية والاحتياجات الادارية. واكتفت أسبانيا واليونان بتقديم صور مختلفة من التعاون الاستراتيجي العسكري دون اشتراك قوات من جانبيهما في العمليات. ولقد قامت القوات البريطانية والفرنسية بدورين رئيسيين في عملية بقاء الحرية Enduring Freedom التي نفذت في أفغانستان في خريف2001 بدءاً من 7 أكتوبر الماضي تحت قيادة أميركية انفردت بالقرار دون استشارة الحلفاء كما فعلت أيام عملية عاصفة الصحراء فى الخليج العربي عام 1991. ولا تزال القوات الأميركية والمتحالفة من بريطانيا وكندا واستراليا تدير أعمال قتال محدودة في شرق وجنوب أفغانستان وبخاصة في اقليمي باكتيا، وباكتيكا، وفي مناطق متفرقة عبر الحدود الباكستانية الأفغانية المشتركة وشرقيها، ضد شراذم طالبان وتنظيم القاعدة. وبنهاية مايو الماضي شكلت الولايات المتحدة قوة عمل مشتركة يرأسها قائد الفيلق18 المحمول جوا لتتمركز في أفغانستان حتى نهاية عام 2003 كحد أدنى بما يضمن استمرار نظام الحكم الموالي لواشنطن في كابول. وتنسق هذه القوة المشتركة أعمالها مع القواعد الأميركية الجديدة في باكستان وطاجكستان وأوزبكستان وقرغيزيا. المرحلة الثانية لحرب بوش أبدت أغلب دول الاتحاد الأوروبي ـ عدا بريطانيا بالطبع ـ تحفظاتها على توجيه المرحلة الثانية من الحملة الأميركية ضد أراض وأهداف حيوية واستراتيجية ومنظمات متطرفة معينة في تسع دول اسلامية هي اليمن والصومال والسودان، واندونيسيا وماليزيا، ثم طاجكستان وأوزبكستان، والعراق وايران، الى جانب كوريا الشمالية، والانفصاليين المسلمين في جزر الفيلبين الجنوبية. وحين طالب الرئيس بوش ـ في جولته الأخيرة ـ نظيره الفرنسي جاك شيراك بشراكة عسكرية كاملة، سواء في اطار حلف الناتو أو على المستوى الثنائي، في المرحلة الثانية لحرب الارهاب وما يتلوها من مراحل قادمة، أوضح له أن الرأي العام في فرنسا وفي دول أوروبية عدة، وحكوماتها، بل وبعض مؤسساتها العسكرية، يتشككون في مشروعية استخدام القوة العسكرية ضد بعض أهداف المرحلة الثانية لحملة بوش، ويرون أن مقاومة الارهاب الدولي لا تتم بالعمل العسكري وحده، ولكن بالتعاون السياسي بين الدول المعنية، ودبلوماسية التفاوض، وتنشيط التجارة الحرة، ومعونات التنمية، وحوار الثقافات. وأكد شيراك وجيرهارد شرودر أن فرنسا وألمانيا معا تخشيان من مضاعفات استمرار الحملة الحربية ضد الارهاب بلا هوادة، والتورط المباشر أو غير المباشر في ضرب المنظمات الاسلامية في لبنان وفلسطين وكشمير والانقياد لوجهة النظر الاسرائيلية في هذا الصدد، مما يهدد العمق الأميركي ذاته وبعض دول أوروبا بأنشطة ارهابية متنوعة قد يكون بعضها غير مسبوق نتيجة الاحساس بالظلم السياسي والقهر الاقتصادي والاجتماعي في بعض دول العالم الثالث، وبخاصة الاسلامية منها. وقد أكد رؤساء فرنسا وألمانيا وايطاليا للرئيس بوش أنهم لا يستطيعون الاكتفاء بأسبابه المعلنة عن اعتبار كوريا الشمالية وايران والعراق عناصر الشر التي يترصدها الأميركان في حملتهم طويلة الأمد، مهما قيل عن تطوير الدول الثلاث لأسلحة الدمار الشامل التي قد توجه ضد الولايات المتحدة أو ضد مصالحها الحيوية وحلفائها في العالم الثالث، وبخاصة باستخدام الصواريخ الباليستية. فالاعلام الأميركي والصهيوني يركز على تمويل العراق وايران لبعض الجماعات الاسلامية أو المنظمات المتطرفة في العالمين الاسلامي والعربي، ودوريهما في استمرار المقاومة الفلسطينية المسلحة حتى الآن، وذلك لاستعداء آلة الحرب الأميركية ضدهما في أقرب وقت ممكن، مع أن ايران قد دعمت تحالف الشمال الأفغاني وفتحت مجالها الجوي للطيران الأميركي خلال حرب أفغانستان، بينما قبل العراق نظام العقوبات الجديد الذي أقره مجلس الأمن أخيرا ويوشك أن يسمح في يوليو المقبل بنظام دولي للتفتيش والرقابة على تسليحه وانتاجه الحربي. وهناك اقتناع في أغلب الدول الأوروبية أن توسيع نطاق حملة بوش يستهدف اعادة فرض الهيمنة الأميركية على العالم بالقوة العسكرية، وابرام تحالفات جديدة بين واشنطن ودول العالم الثالث. وطلب الرئيسان شيراك وشرودر من جورج بوش تأجيل تنفيذ قراره بضرب العراق الى بداية العام المقبل 2003 كخيار أخير اذا لم تتم تسوية سياسية ملائمة للمسألة العراقية، واشترطا الحصول على تفويض صريح من الأمم المتحدة لضرب العراق أو أية دولة أخرى في اطار حملة الارهاب. أما روسيا التي احتفت بالمعاهدة الجديدة لخفض الأسلحة النووية، وباتفاق المشاركة مع حلف شمالي الأطلسي وانشاء مجلس الناتو ـ روسيا، فقد أقنعها الرئيس الأميركي بأن الارهاب هو العدو المشترك الجديد لموسكو وواشنطن، وأنه يهدد روسيا في الشيشان وداغستان وربما في جمهوريات أخرى في روسيا الاتحادية، بل وصمت الرئيس بوتين، وهو براجماتي (نفعي) خطير، عن مخطط التحالف الهندي الاسرائيلي الجديد الموجه ضد ايران وباكستان على الرغم من نمو المصالح الروسية الايرانية المتبادلة، واكتفى باشتراط صدور قرار دولي قبل شن أية ضربات ضد العراق أو ايران!!! قضايا الخلاف الأوروبي ـ الأميركي لا تقتصر الخلافات على ادارة حرب الارهاب، بل تتصل بها من ناحية التقدير الأوروبي للممانعة الأميركية في ارتفاع الاتحاد الأوروبي الى مصاف دول العالم الأول في المدى المتوسط، ومحاولة واشنطن تقليص الدور السياسي لأوروبا في شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، والاكتفاء بطلب المساعدات الاقتصادية الأوروبية لشعبي فلسطين وأفغانستان. ويرى الأوروبيون أن واشنطن لا تحترم اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وتفرض الضرائب على واردات الصلب من أوروبا، وتدعم الانتاج الزراعي للفلاحين الأميركيين في اطار التمسك بالمغانم أحادية الجانب دون اعتبار لمصالح الاتحاد الأوروبي الاقتصادية. وتتنامى الاعتراضات الأوروبية على موقف الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية، وانسحابها من اتفاقيتها في مايو الماضي، ورفض الادارة الأميركية توقيع بروتوكول كيوتو الخاص بالحد من ظاهرة تدفئة كوكب الأرض المتفاقمة عاما بعد آخر. ويبقى أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل في المستقبل القريب برفض واشنطن لقيام منظومة أمن أوروبي مطلق تستند الى قوة عسكرية أوروبية صرفة، والى نظام دفاع صاروخي محدود قد ينسق مع روسيا. وبالقطع ستتعرض العلاقات الأوروبية الأميركية لمتغيرات عدة دولية واقليمية خلال ادارة الصراعات الحالية في حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط، الأمر الذي يتيح للدول العربية ـ اذا امتلكت المبادرة الاستراتيجية والفهم الصحيح للتطورات الدولية ـ أن تدخل عاملا جديدا في توازنات الصراع العربي الاسرائيلي قد يقلل على الأرجح من حدة الانحياز الأميركي لاسرائيل. بقلم: لواء أ.ح صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط