رغم التصريحات المتتالية التي أطلقها الرئيس الأميركي بوش ومساعدوه اثناء جولته الأوروبية في ألمانيا وفرنسا وايطاليا، وكذلك في روسيا، حول عدم وجود خطط جاهزة في مكتبه لضرب العراق، الا انه كان واضحا لجميع المراقبين أن التخلص من النظام العراقي الحاكم في بغداد، وماتشكله الصواريخ (شهاب) الايرانية من تهديد لاسرائيل، كانا الموضوعين الرئيسين المسيطرين على محادثات الرئيس الأميركي في العواصم الأوروبية التي زارها، وان هدفه الرئيسي هو الحصول على دعم أوروبا للاستراتيجية الأميركية التي تستهدف تغيير الانظمة الحاكمة في هذين البلدين بدعوى محاربة الارهاب والديكتاتورية ومنع وصول اسلحة الدمار الشامل الى ايدي منظمات ارهابية مثل القاعدة وغيرها، الرئيس بوش في هذا ينطلق من خطابه في 29 يناير الماضي الذي تحدث فيه عن (محور الشر) والذي يضم العراق وايران وكوريا الشمالية، وحمل على دول تؤيد الارهاب وتملك أسلحة دمار شامل أو تسعى لامتلاكها. ليس خافيا أن الرئيس بوش واجه معارضة أوروبية شديدة، وكذلك عربية حتى من قبل دول الخليج العربية، لخطته لضرب العراق بهدف ازالة نظام صدام حسين الذي وصفه بوش (بالنظام الديكتاتوري) وترجع المعارضة الاوروبية لاسباب عديدة أبرزها المصالح الاقتصادية التي تربط هذه الدول لاسيما فرنسا وروسيا بالعراق، والتخوف من اندلاع حرب ربما تخرج عن نطاق السيطرة خاصة اذا ماشعر الرئيس صدام حسين بانه شخصيا المستهدف في هذه الحرب وبما قد يدفعه لاستخدام مالديه من اسلحة فوق تقليدية، وهو الأمر الذي دفع كلاً من وزير الخارجية الالماني (يوشكافيشر) ونظيره الفرنسي (هوبيرت فيدرين) الى ابداء مخاوفهما من تحول العراق الى فيتنام اخرى، ناهيك عن اثارة غضب العالم العربي والاسلامي الذي لا تنقصه الاثارة بسبب الموقف الغربي ـ والأمريكي على وجه الخصوص ـ الداعم لحكومة شارون في حرب الابادة التي يشنها ضد الشعب الفلسطيني، وبما قد يطيح ويدمر بكل المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط ومناطق اخرى من العالم لن تكون الولايات المتحدة ولا العواصم الغربية في منأى عنها ـ لذلك حرص بوش في خطابه امام البوندستاج الالماني ـ وهو يسوق سياسته الى رأي عام ألماني ـ أوروبي معاد لهذه السياسة ـ على عدم استخدام تعبير محور الشر ولكن تحدث عن (الشر في مقابل الخير)، كما لم يكرر عزمه على اسقاط صدام حسين بالقوة العسكرية، وان أبدى اهتمامه بالحاجة الى دور ألماني (تحت الطلب) يعزز الدور البريطاني في خدمة الاستراتيجية الأميركية في العالم لاسيما في منطقة الخليج حتى لا تبدو أميركا وأنها تحارب العالم وحدها، خاصة من دون حلفائها الأوروبيين، ولأن (لكل شئ ثمن) في السياسة الأميركية، ولتحييد الموقف الروسي في الحملة العسكرية القادمة ضد العراق، فلقد كان من الأهداف الرئيسية لزيارة بوش لألمانيا وفرنسا تحديد أدوار الأوروبيين في هذه الحملة، بما في ذلك دفع رشوة مالية أوروبية كبيرة لروسيا حتى تغض الطرف عن ضرب العراق، لأن أميركا لم تعد قادرة وحدها على مواصلة (رشوة روسيا) ويبدو ان بوش قد نجح في ذلك حيث حصل على وعد من المستشار الألماني شرودر بمنع الشركات الالمانية من تصدير مواد حرجة الى بغداد وبدعم الولايات المتحدة اذا قررت (ساعة الصفر) وهو ماطالبت به علنا مستشارة الأمن القومي الأميركي (كوندوليزارايس) ولأن موسم الانتخابات الألمانية قد اقترب، فقد اصبح موضوع العراق محل مزايدة بين الاحزاب الالمانية حيث نجحت أميركا في اختراق جبهة الرفض الالمانية على الرغم من كل الكلام المغاير لذلك. وهو ماانعكس في تصريح رئيس الكتلة النيابية للحزب الديمقراطي المسيحي المعارض (فريدريش ميرتس) الذي أوضح ان حزبه مؤيد لمثل هذه الخطوة، كما ان الحكومة الالمانية (اتخذت منذ فترة قرارا أوليا بالمشاركة في ضربة عسكرية محتملة ضد العراق) وأضاف ميرتس في مقابلة تليفزيونية أن كل معدات مواجهة اسلحة الدمار الشامل بقيت في الكويت، وهي تشمل مصفحات ألمانية عالية التقنية في الكشف والانذار بالمناطق الملوثة كيميائيا واشعاعيا وبيولوجيا وتطهيرها، وقوات مدربة تدريبا خاصا على ذلك، واضاف أنه في حالة نشوب نزاع مع العراق فإن ألمانيا ستكون في داخله. أما الموقف الفرنسي من الملف العراقي، فإن موقف الرئيس شيراك يتمثل أولا في الحفاظ على وحدة الصف بين أعضاء الأسرة الدولية داخل مجلس الأمن، وفي هذا الاطار ينبغي معالجة قضية العراق حيث تكون المعالجة في هذه الحالة أكثر فاعلية، ولكن ذلك لا يجب ان يكون على حساب مبادئ تتمسك بها فرنسا تقوم على ضرورة التزام العراق بتنفيذ كل ماصدر عن مجلس الأمن من قرارات منذ عام 1990 لاسيما فيما يتعلق بعودة فرق التفتيش الدولية من دون شروط، وهو مااستجابت له بغداد، كذلك يتسم موقف باريس بالسعي للتمييز بين الشعب العراقي الذي يعاني من اثار الحصار وبين النظام العراقي الذي تحمله باريس مسئولية هذا التردي في الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق، أما فيما يتعلق بامكان شن عملية عسكرية ضد العراق فإن فرنسا لم تعط موقفا صريحا من ذلك وان كانت قد ألمحت الى ان قرارات مجلس الامن تتيح شن حملة دولية ضد الارهاب وكل من له علاقة بتفجيرات 11 سبتمبر أما توسيع هذه الحملة فإنه ينبغي ان يستند الى قرار دولي، وهذا الموقف هو احدى نقاط التباعد الرئيسية بين الادارتين الأميركية والفرنسية. وإذا انتقلنا الى الموقف الروسي، فقد ناقش الرئيسان الأميركي والروسي الملف العراقي خارج اطار المحادثات الرسمية حيث طرح بوش رؤيته في (ضرورة اجراء تغيير في العراق لأن وضعه الحالي مصدر خطر)، الا انه رغم الاعلان الرسمي في رفض أي عمل عسكري ضد العراق، فإن الولايات المتحدة اذا أرادت تنفيذ مخطط عسكري ضد العراق فإن روسيا (لن تتصدى بقوة السلاح) بل ستواصل محاولات ثني الأميركيين عن مثل هذه الخطوة ومن الواضح ان روسيا تلقت الكثير من الرشاوى من أجل تحييد موقفها من الضربة المتوقعة ضد العراق، ليس فقط فيما يتعلق بالعلاقات التجارية بين البلدين، وقبول اشتراكها في الناتو، وتأييد سياستها العدوانية ضد شعب الشيشان والغاء تعديل فانك جاكسون الذي كان قد فرض تقييدات على التعامل مع موسكو السوفيتية لاجبارها على اطلاق الهجرة اليهودية، ولكن ايضا وعدا أميركيا بعدم معارضة انضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية، ووعدا اخر من رئيس ايطاليا بقبول روسيا في الاتحاد الأوروبي لذلك لم يكن غريبا ان يوافق بوتين على مشروع خفض الاسلحة الاستراتيجية على ان تحتفظ أميركا بالفائض في مستودعاتها بينما على روسيا ان تدمر فائضها، وهو مايكرس الخلل في ميزان هذه الأسلحة لصالح أميركا، لاسيما بعد ان صمتت موسكو على قرار واشنطن الذي الغى معاهدة 1972 الخاصة بالحد من الدفاعات المضادة للصواريخ، وهو ماسيطلق يد الولايات المتحدة في مشروعها للدفاع الوطني الصاروخي NMD، ناهيك عن سماح موسكو لواشنطن باطلاق يدها في اسيا الوسطى والقوقاز ومناطق أخرى قريبة من روسيا تقيم فيها واشنطن قواعد عسكرية، وانضمام دول أوروبا الشرقية الى الناتو واقتراب قوات الناتو من الحدود الروسية. قضية ايران تساءل بوش في خطابه امام البوندستاج الألماني عن التسلح الذي تقوم به ايران، وقال ضد من تتسلح ايران؟ واتهم النظام الايراني بانه (غير شفاف ويحكم من متطرفين يرفضون صديقتنا اسرائيل) ودعا روسيا الى مراجعة حساباتها فيما يتعلق بتزويد ايران بأسلحة خطرة (لأن هذا الأمر سيجلب مشكلة لنا ولروسيا أيضا) ومن الواضح انه رغم اتفاق الرئيسين بوش وبوتين على كثير من الموضوعات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، الا ان خلافا ظل قائما بينهما فيما يتعلق بقضية التسليح الروسي لايران، لاسيما مايختص بتطوير مفاعلاتها النووية، حيث أكد بوتين عزم بلاده على مواصلة التعاون العسكري والنووي مع ايران، مع دعوته الى فتح محطة (بوشهر) النووية للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية، والتي سيبدأ تشغيلها في عام 2004، وقد عبر وزير الطاقة النووية الروسي (الكسندر روسيا نتسيف) عن وجود هذا الخلاف في تصريح له نفى فيه امتلاك ايران تكنولوجيا اسلحة نووية، وان الصواريخ الايرانية ليست استراتيجية أو عابرة للقارات، ولا تشكل خطرا على روسيا ولا على الولايات المتحدة، أكد أن بلاده ستواصل تعاونها العسكري مع ايران مع عدم الاخلال بالالتزامات الدولية في مجال حظر انتشار الصواريخ البالستية والاسلحة النووية وزاد بوتين على ذلك بقوله أن أميركا التي تعترض على قيام روسيا ببناء محطة نووية في ايران، تقوم ببناء محطة نووية مماثلة في كوريا الشمالية، كما شدد على قلق روسيا من صفقات الاسلحة الأميركية مع تايوان، وقيام شركات غربية بتصدير تكنولوجيا نووية وصاروخية الى دول أخرى لم يحددها. ورغم ترحيب طهران بتصريحات بوتين والمسئولين الروس التي رفضوا فيها مطالب واشنطن بوقف التعاون النووي والعسكري مع ايران، الا ان المخاوف الايرانية من حدوث تغير في الموقف الروسي نتيجة الضغوط الأميركية لا تزال قائمة حيث تفيد مصادر المعلومات ان موسكو ربما تدخل تعديلات على برامج التعاون مع طهران استجابة للرغبة الأميركية، وهو ما انعكس في تصريح الامين العام لمجلس الامن القومي الروسي (فلاديميير روشيلو) الذي قال فيه ان بلاده تعارض انتاج ايران مثل هذه الاسلحة الاستراتيجية، كما شدد روشيلو بأن كل ماله صلة باسلحة الدمار الشامل (يجب ان يخضع لرقابة المجتمع الدولي) وفي تطبيق لهذا الطرح أعلن في موسكو مؤخرا ان روسيا قررت تشديد الرقابة على تصدير السلع والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، وستبدأ في مطلع يوليو المقبل في فرض عقوبات على الشركات والافراد الذين ينتهكون هذا القرار، وهو مايعني اخضاع عدد من العقود الروسية مع طهران لنظام (الرقابة المشددة) على الصادرات، وتمويل عقود اخرى من مؤسسات حكومية الى شركات خاصة ومن الواضح ان عيون اسرائيل في موسكو كانت وراء هذه المعلومات التي حصل عليها بوش وقدمها الى نظيره الروسي ويزيد من قلق طهران ماورد في اعلان روما حول مشاركة روسيا في حلف الناتو، حيث سيطلب منها الوفاء بتعهدات في مجالات عدة حول انتشار اسلحة الدمار الشامل ومكافحة الارهاب، وغيرهما، وهي عناوين قد تستخدم اميركيا ضد ايران، ناهيك بالطبع عن تغيير موسكو لسياستها تجاه تقسيم ثروات بحر قزوين وتوقيعها اتفاقا ثنائيا مع كازاخستان لتقسيم القسم الشمالي من هذا البحر، ومخاوف من امتداد النفوذ العسكري الاميركي المصاحب لشركات النفط الاميركية الى بحر قزوين وبمايقرب واشنطن من حدود ايران الشمالية. ولا تخفي طهران قلقها من أن يأتي عليها الدور بعد العراق في التعرض لضربة أميركية، وهو ماحذر منه محسن رضائي الأمين العام لمجلس تشخيص مصلحة النظام من أن الولايات المتحدة تنوي توجيه ضربة عسكرية الى ايران في السنة المقبلة، وقد أكد هذه المخاوف الرئيس الايراني خاتمي عندما قال (إن احتمال تعرض ايران لاعتداء أميركي أمر قائم) أما قائد الحرس الثوري (يحيا رحيم صفوي) فقد ذهب إلى تحديد الموعد الذي قررته واشنطن لتنفيذ تهديداتها ضد ايران عندما قال: (إن الإدارة الأميركية اتخذت قرارا بالانتهاء من ضرب افغانستان في عام 2001، وضرب العراق عام 2002، وضرب ايران 2003، ولكن الأوضاع في فلسطين ومقاومة الشعب الفلسطيني أوجدت اختلالا في هذا البرنامج). خلاصة القول أن أهم مايأخذه الأوروبيون على إدارة بوش انها تنتهج سياسات انفرادية دون أن تعبأ بالتشاور والتنسيق مع حلفائها، هذا بالاضافة لتحكم اللوبي الصهيوني في القرارات الأميركية بما يخدم اسرائيل وبغض النظر عن المصالح الأوروبية وقد أدى ذلك إلى ظهور خلافات حادة حول قضايا سياسية واستراتيجية واقتصادية عديدة، الا ان أخطر مايقلق الأوروبيين ان ادارة بوش لا تعبأ بأي معارضة أوروبية، وان واشنطن مصممة على تحقيق أهدافها وتنفيذ خططها حتى وان كان ذلك بمفردها وبدون حلفائها. وهذا يعني اصرار واشنطن على مواصلة الحروب التي بدأت في افغانستان ولا يعلم أحد أين تنتهي مهما كلف ذلك الولايات المتحدة من تكلفة لأن مخاطر هذه الحروب لا تطال المدنيين الأميركيين عبر الأطلسي بينما تهدد الأوروبيين ومصالحهم في الجهة الأخرى، وتشكل مخاطر على تماسك أوروبا نفسها، كما يدركون ان الحرب لن تحسم قضايا العدل العالمي - مثل القضية الفلسطينية - وان القانون أكد لهم ذلك، ومن ثم فإن موقف أوروبا من واشنطن لا يعني تعارض المصالح، وانما محاولة ترشيد المصالح بين القارتين في ضوء الادراك الأوروبي انه لا سبيل لتغيير القرار الأميركي اذا ما اتخذته واشنطن. بقلم: لواء ركن حسام سويلم ـ خبير استراتيجي مصري