حينما يصغي المرء لضجيج الاعتراض وصخب الرفض لصيحات الحرب الأميركية من النخب الأوروبية الحاكمة ووسائل اعلامها، تختلط في نفسه الرؤية، وتتوهم عيناه غير ما ترى. فالزبد الكثيف الذي يثيره وقع التصريحات الرسمية والانتقادات الصحفية المعبرة عنها تمكر بالعين لأن تظن الخلاف على غير حقيقته، وكأنه مبارزة بين فارس يتزيا بالغايات النبيلة وآخر يتسربل بالأهداف الخسيسة. لكن سرعان ما يتبدى المشهد الصادق حينما يتعرى المشهد الزائف من زبده. فالنزاع الأوروبي الأميركي حقيقي، غير ان موطنه الوسائل ومربضه الآليات، الا انه سراب في أرض الغايات والأهداف. فالبلدان والمجتمعات كالأفراد يحدد سلوكها ويقود تصرفاتها منظوماتها الفكرية التي بها تؤمن وأنساقها المفاهيمية التي بها تتشرب. وكل البلدان الغربية على ضفتي المحيط الأطلسي قد آمنت ايمانا لا يتزعزع بالعقيدة الرأسمالية. فهي كيانات مصالح لا جمعيات خيرية. فأسمى أهدافها ان تتنامى مصالحها. وتاريخ الحروب الكبرى الحديثة هو تاريخ هذه البلدان، بها التصقت، ومن وقودها اشتعلت نيرانها. فقد كانت أسبابها التزاحم على الهيمنة من أجل تحسين شروط النهب. وبعد الحرب العالمية الثانية، وجدت البلدان الرأسمالية الرئيسية نفسها وقد ضعفت الا واحدة تعالت على ركام الحرب وخرابها، فأذعنت كل البلدان الرأسمالية لهيمنتها. واستفادت الولايات المتحدة من الحرب الباردة لاحكام قيادتها، لكن بثمن، أنها وجدت قيودا على هيمنتها اضطرتها لأن تقبل ان تكون شريكا وان كان قائدا. وقد ترجمت مبادئ الشراكة في المنظمات الدولية ، وبخاصة الاقتصادية كالبنك الدولي والصندوق الدولي والجات، لتحقيق أمرين: الأول، قسمة المنافع على أساس التساوي النسبي. الثاني، تثبيت آليات تدفق الفائض الاقتصادي من بقية بلدان العالم الى بلدان الغرب. وقد أغنت الآليات الجديدة البلدان الرأسمالية عن ضرورة الاستعمار المباشر للبلدان لأنها حققت ما كان ذلك ينجزه بالمجان، وان لم تلغ حاجتها لشن الغزوات لاخضاع المتمرد على قواعد الهيمنة الجديدة. وأذن انتهاء الحرب الباردة بوضع جديد خرجت منه ألسنة الاغراء للولايات المتحدة لأن تبدأ العمل في تكييف قواعده وتطوير آلياته. وتضاعف الاغراء في كونها وجدت نفسها عشية تهاوي الاتحاد السوفييتي يفصلها برزخ هائل من القدرات التقانية العسكرية عن شريكاتها اللواتي قبلن بالحماية العسكرية الأميركية ظنا ان في ذلك وفرا اقتصاديا. وقد كان ذلك في المدى المتوسط، لكنه أصبح خسارة في المدى الطويل، اذ تحولت أداة الحماية الى أداة للتخويف. فالولايات المتحدة، كأي بلد رأسمالي، ترى ان اغتنام الفرص المتاحة لتعظيم قدراتها ليس أمرا مسوغا فحسب بحكم طبيعة نظامها، بل مفروضا، لأن التوسع منطق تواصل النظام الرأسمالي واستمراره. فالمراوحة عند وضع معين تآكل تدريجي، لأنه يسمح للآخرين باللحاق ومن ثم الاستيلاء المتزايد على ما كان حكرا. وعليه، فقد رأت الولايات المتحدة ان الظروف الجديدة تمكنها ان تنتقل من وضع الشريك الأول في نظام تقسيم العمل الدولي، الى الاقطاعي الأوحد في مجتمع الأقنان الدولي. فطبيعة الشراكة تمنح الشريك مهما صغر سلطة على منطقة نفوذه، ويكون له رأي في ادارة النظام الدولي، وتمكنه ان ينافس طمعا في ان يحسن مجال حركته، ويعزز مدار توسعه. لكن جباية الخراج وظيفة لا رأي لمن يجبيها الا بمقدار ما حدد له، فمردوده منها مشروط بعظم ولائه للاقطاعي الأول، ومرهون بالتزامه بما يفرض عليه من سياسات. لكن أوروبا يخيفها ذلك، وتقاتل من أجل ان تبقى الصياغة الحالية قائمة، حيث يدير العالم مجلس أمناء، وان اختلفت أوزان أعضائه، وهو حاليا مجموعة السبع التي يريد البعض، كاسبانيا، توسيعها لتكون مجموعة العشر. وأن تكون أدوات تنفيذ سياساته، مثل الناتو والمنظمات الاقتصادية الدولية وغيرها، خاضعة له لا لارادة دولة واحدة. وحين امعان النظر في القضايا الأساسية التي تثير الخلاف بين الجانبين نجد أنها تعكس الشد بين أوروبا التي تريد ان تبقي على الوضع القائم، والولايات المتحدة التي تسعى الى وضع جديد يعبر عن المستجدات في شروط القوة وظروف الهيمنة. فاتفاقية كيوتو، تعبر عن قلق الغرب مما آل اليه حال الكوكب الأرضي من جراء قاذوراتها، وضرورة ان تتحمل بلدانه بشكل أساسي نفقات الحد من تلويثه وفق معادلة حجم المساهمة في النفقات يقرره قدر المساهمة في التلويث. لكن الولايات المتحدة، التي ترى في نفسها الاقطاعي الأول تأبى ان تخضع لمتطلبات الشراكة، ولذلك خرجت من الاتفاقية. فهي حتى لم تسع لأن تخفض حجم مساهمتها لأنها لا تقبل أصلا بالمبدأ. فما أزعج الآخرين ان الولايات المتحدة لا تريد ان تحسن وضعها في لجنة صياغة السياسات وانما الاستئثار بعملية اتخاذها وأن لا تخضع لمتطلباتها. والشيء نفسه ينطبق على أسباب رفضها لمقترحات انشاء المحكمة الجنائية الدولية. فاعتراضها الجوهري، ان قبولها بالاتفاقية سيعني احتمال مثول جنودها مستقبلا أمام المحكمة، وهي ترى ان الاقطاعي الأول الذي يسن القوانين لا يخضع لها، لكن جباة الخراج والأقنان عليهم الالتزام بها صاغرين. كذلك أمر الخلاف حول عزمها شن الحرب على العراق، اذ ان الأوروبيين يدركون ان السبب الأساسي هو أنها تريد اخضاع نفط الشرق الأوسط بالكامل لاقطاعها، ومن ثم تقرر هي منح قطع منه للجباية. فهي ترفض ان تكون الاتفاقات النفطية مباشرة بين الأطراف المعنية من دون ارادتها. ولذلك، فقد ألمحت وربما صرحت، في المباحثات الخاصة، للروس والفرنسيين وغيرهم ان اتفاقاتهم مع العراق لن تسري الا باذنها. كما يرى الأوروبيون والروس والصينيون ان أنظمة الدفاع الفضائي والجوي ليس المقصود بها الدول«المارقة» بقدر ما هو تجريد البلدان النووية الرئيسية من أنيابها، ومن ثم اخضاعها لارادتها. وحتى التصدع الذي يلاحظ في موقف الجانبين حول الناتو يتركز جوهريا في ان الولايات المتحدة تعمل على تحويله الى مؤسسة ذات طبقتين، كما يقول بعض الأوروبيين، طبقة تبذل الدماء، وطبقة توفر الأسلحة العالية الدقة. فأوروبا لا تختلف مع الولايات المتحدة على ضرورة اخضاع المتمردين على الهيمنة الغربية، مثل ايران والعراق وكوريا الشمالية، وتوسيع مدى انتشار قواعد الليبرالية الرأسمالية، والهيمنة على مصادر الطاقة في العالم وغير ذلك، لكنها تفترق عنها أنها تعتقد ان عملية الاخضاع ان تمت في اطار العمل المتعدد الأطراف ، فلن تكون هناك حاجة في كثير من الأحيان لاستخدام القوة العسكرية، اذ ان الآليات الجماعية كفيلة بتحقيق هذه الأهداف. لكن أميركا لا تقبل بهذا المنطق لأن ذلك يعني الابقاء على مفهوم الشراكة. ولذا فان منطق العمل الأحادي يتطلب القوة العسكرية، الذي ستكون ثماره حكرا لها، ولا يشارك بها الآخرون الا على سبيل الاقطاع. ولا تملك أوروبا في معارضة الولايات المتحدة في منهجها هذا سوى ان تظهر التميز عنها باسباغ صفة الكاره للحرب المنافح عن حقوق الانسان على نفسها، واظهار الولايات المتحدة في شخص الرئيس الأميركي كراعي البقر الجلف. كما تحاول الامتناع أو تحديد مشاركتها في مغامراته العسكرية. والادارة الأميركية الحالية لا تأبه كثيرا لمثل هذه المواقف الا بمقدار تأثيرها على الرأي العام داخل حدودها. ونظرا لأن الحماس للحرب بين الشعب الأميركي استقر عند الحدود التي وصل اليها، ولم يعد خطه متصاعدا، ونظرا لأن التساؤلات بدأت تخرج، من بين سحب التخويف وغيوم الترهيب للأميركيين، حول مصداقية الادارة وحسن ادارتها للأزمة، فقد بدأ القلق يلفها. فهي تدرك ان الضجيج الأوروبي في هذه الأجواء سيضاعف حجم الشكوك ومن ثم سيضخم مقدار الاعتراضات على حربها ضد «الارهاب». فزيارة بوش الى أوروبا ترمي الى تحقيق هدفين. الأول، اسكات أصوات المعارضة بالاغراء. فقد أعطى بوش لبوتين ما يريده ليظهر بأنه حقق شيئا، حينما وافق على امضاء اتفاقية من ثلاث صفحات، كان مضمونها سينفذ على أية حال بالاتفاقية وبدونها. كما انه وعد شرويدر انه لن يثير موضوع الحرب ضد العراق قبل سبتمبر القادم موعد الانتخابات الألمانية. وقد حرص منظمو زيارة بوش على كتابة كل سطور فصولها حتى لا يظهر بوش كراعي البقر الفج. فكانت خطاباته التي لم تحد عن مسلمات السياسة الأميركية القائمة مليئة بالعموميات وناقصة في التفاصيل. فقد تجاوز مظاهرات الجماهير الأوروبية التي عكست حسا انسانيا راقيا، وأجهض الانتقادات الرسمية والاعلامية الأوروبية بالتزامه بالدور الملقن في أحاديثه وخطبه. الثاني، محاولة بناء ما أسماه البعض «محور الخير» مقابل «محور الشر» كي تصل الرسالة الى الجمهور الأميركي انه لا يقف وحده في حربه ضد «الارهاب»، بل ان العالم المتمدن يشاركه في منطلقاتها وفي غاياتها. وهو لا يتوقع من هذا الحلف مشاركة فعالة، لأنه لا يريدها، بل تأييدا أو سكوتا ضرورياً لجبهته الداخلية. لكن الأوروبيين لم يجدوا على ما يبدو تغييرا في الموقف الأميركي الذي يريد التفرد في القرار والاستئثار بنتائجه. ولذلك، فقد كان انطباع صحيفة سيد دويتشه الألمانية عن بوش (انه الرجل الذي تغشي قوته المطلقة رؤيته، والذي يفضل ان يسلك طريقه منفردا، ويقوم بذلك لتعزيز هيمنة الولايات المتحدة على العالم). وقبل ذلك، انتقد فيردين وزير خارجية فرنسا السياسة الأميركية حينما أكد (انها تختزل كل المشاكل في العالم بالنضال ضد الارهاب)، ثم وصفها بالسذاجة. ويدرك فيردين ان بوش وان كان ساذجا وفجا لكن السياسة الأميركية ليست كذلك، بل هي ماكرة. فكيف بها تحشد تأييد الرأي العام الأميركي خلف أهدافها، هل بمصارحته بأنها تريد الهيمنة على العالم، أم باثارة مخاوفه وخلق خيال التخويف الذي يلوي الانتباه عن حقائق الأمور؟ ولذلك فحينما تمتد الأيدي لاسناد أوروبا وتشجيعها حتى تقاوم التفرد الأميركي، لا ينبغي ان يغيب عن البال ان الخلاف بينهما يجري حول الأدوار والوسائل. فالتسلح بهذا الوعي هو الخطوة الأولى في النضال والمقاومة ضد كل أشكال الهيمنة على صعيد الاستراتيجية كما على صعيد التكتيك. بقلم: د. خالد عبدالله ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية الى واشنطن