يقول المحللون ان أبرز ما تنطوي عليه التطورات التي شهدتها العلاقات الأميركية ـ الروسية منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر هو اتاحة الفرصة امام موسكو لتحسين شروط تراجعها امام الضغط الأميركي المتواصل عليها، والحصول على بعض الفوائد الاقتصادية الاضافية. فتشكيل «مجلس العشرين» الذي ينظم العلاقة الروسية ـ الاطلسية على اسس جديدة لا يعتبر امرا مفاجئا، او «ثوريا» كما وصفته بعض المراجع الاعلامية. كذلك فان تخفيض عدد الرؤوس النووية لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا من ستة آلاف رأس حاليا الى ما بين 1700 و2200 رأس بحلول عام 2012، وهو اقتراح روسي في الاساس، انما جاء محصلة سلسلة طويلة من المفاوضات بين الجانبين استطاعت الادارة الاميركية في نهايتها ان تحبط مطلب موسكو بتدمير فائض الاخيرة من الرؤوس النووية على نفقة واشنطن، ثم ان تؤكد موقفها بالاحتفاظ بعدد غير محدد من رؤوسها النووية المقرر التخلص منها في مستودعات خاصة تجنبا لتدميرها. ومع هذا فقد حرص الجانب الاميركي على مجاراة القيادة الروسية في اظهار ما حدث، بالنسبة للموضوعين، وكأنه انتصار لموسكو، وذلك حتى يسهل عليها الموافقة على التنازلات المطلوبة منها ومواجهة أية معارضة داخلية يمكن ان تنشأ في المستقبل تحت تأثير الخطوات التراجعية المستمرة. ان مقياس «تاريخية» المدتين واهميتهما يتحدد، لا في النقاط التي سجلها احد طرفي المعادلة الدولية السابقة على الآخر، بل في مدى انعكاس ذلك على سلام العالم وأمنه واستقراره. فالاحتفال «بدفن الحرب الباردة» كما يقول الرئيس الأميركي جورج بوش والمسئولون الاميركيون الاخرون، هو في الواقع احتفال بدفن اخر مظاهر توازن القوى الذي كان يحول دون هيمنة دولة واحدة على العالم كله. والمحللون يؤكدون انه لولا هجمات الحادي عشر من سبتمبر وحاجة الولايات المتحدة الى تعاون دول العالم معها في حملتها الشاملة لمكافحة ما تسميه الارهاب، لما كانت الادارة الأميركية أبدت اي استعداد للدخول في مفاوضات جدية مع احد حول اي شأن من شئون العالم. ولعل انفراد واشنطن بالعديد من الخطوات والقرارات وانسحابها من عدة معاهدات دولية بالغة الاهمية خير دليل على رغبتها في التخلص من كل ما يشكل قيدا على حركتها ومواقفها، وهو ما يجعل سياساتها انفرادية وتسلطية ولا تراعي سوى مصالحها الخاصة فقط. وفيما يتعلق بروسيا تحديدا فقد بدت ادارة الرئيس جورج بوش، ومنذ تسلمها السلطة في الولايات المتحدة، اكثر تصميما على اعتماد سياسة متشددة حيالها. وقد ظهر هذا التشدد عبر مجموعة من القرارات الاستراتيجية التي اتخذتها برغم المحاولات التي بذلت معها لثنيها عن اسلوبها الانفرادي. ومن ابرز هذه القرارات: 1ـ مواصلة تنفيذ برنامج الشبكة الصاروخية المضادة للصواريخ، او ما يسمى اختصارا: «الدرع الصاروخية» التي ستكلف نحو مئة مليار دولار، ومع ان الولايات المتحدة لا تتعرض لأي تهديد صاروخي جدي، الا انها «اخترعت» خطرا وهميا اسمته «الدول المارقة» وقد جاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر لتضيف ذريعة اخرى الى الذرائع الاميركية، والتي تشكل في مجملها غطاء يحجب الدوافع الحقيقية لادارة بوش وفي مقدمتها ارضاء المؤسسات الصناعية الكبرى في الولايات المتحدة، فضلا عن امتلاك القدرة على تهديد اي دولة في العالم من دون ان تخشى أي رد مقابل. 2ـ انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الحد من انتشار الصواريخ «اي. بي.ام» الموقعة مع الاتحاد السوفييتي عام 1972، والتي كانت تعد احدى ابرز قواعد الاستقرار الاستراتيجي في العالم. وقد فشلت كل المحاولات التي بذلتها روسيا والصين والاتحاد الاوروبي لحمل الادارة الاميركية على وقف تنفيذ هذه الخطوة، وقال مسئول اميركي، ملخصا وجهة نظر ادارته في الموضوع «ليس لدينا استعداد للعودة الى وضع حدود حول نشر صواريخ باليستية». 3ـ مواصلة عملية توسيع نطاق حلف شمال الاطلسي ليصل حتى حدود روسيا الغربية المباشرة، وذلك بضم مزيد من دول أوروبا الشرقية اليه. وبحسب برنامج التوسع فان عدد دول حلف الاطلسي سيرتفع من 19 دولة حاليا الى ما يقرب من ثلاثين دولة بعد عدة سنوات. اذ يجري حاليا تأهيل عشر دول للانضمام الى الحلف. ففي حين جرى ضم ثلاث دول حتى الآن هي: بولندا وجمهورية تشيكيا وهنغاريا، يتوقع ان تنضم دول البلطيق الثلاث: استونيا، لاتفيا وليتوانيا في نوفمبر المقبل، ويبقى على لائحة الانضمام سبع دول اخرى هي: بلغاريا، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، البانيا، مقدونيا، كرواتيا. وهناك مجموعة شروط يجب ان تستوفيها هذه الدول حتى تستطيع اكتساب بطاقة العضوية في الحلف. 4ـ اقامت الولايات المتحدة علاقات ثنائية خاصة مع جمهورية جورجيا، التي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي السابق، سمحت للاولى بتقديم مساعدات عسكرية الى الثانية، برغم حالة التوتر القائمة بين روسيا وجورجيا منذ خروج الاخيرة من تحت مظلة موسكو. ومع ان ارسال خبراء عسكريين أميركيين الى جورجيا يتم تحت غطاء المساعدة في مكافحة الارهاب، الا ان المسئولين الروس يخشون ان تستغل تبليسي هذا الظرف لحسم نزاعها القديم مع جمهورية ابخازيا المدعومة من موسكو، بالوسائل العسكرية، ولم يستبعد المراقبون اقدام جورجيا على شن هجوم شامل على ابخازيا بحجة وجود ارهابيين فيها، في الوقت الذي تحتفل موسكو باتفاقاتها الموقعة مع واشنطن. 5ـ برغم ان اقامة قواعد عسكرية اميركية في بعض دول آسيا الوسطى المحاذية لافغانستان تمت في اطار رفد الحملة العسكرية التي اعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لكن واشنطن كانت تسعى لمد نفوذها الى هذه المنطقة الاستراتيجية الغنية بمصادر الطاقة، والتي ظلت تعتبر جزءا من منطقة نفوذ روسيا حتى بعد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي، والمحللون يعتقدون ان الوجود العسكري الأميركي «المؤقت» تحت غطاء مطاردة مقاتلي «القاعدة» و«طالبان» في افغانستان، سيصبح مع الوقت وجودا دائما بذريعة المحافظة على استقرار الحكم الافغاني الجديد. خيارات موسكو المحدودة وفي تقدير المحللين فان موسكو لاتملك خيارات مهمة تمكنها من اعتماد استراتيجية خاصة بها في مواجهة استراتيجية التمدد والهيمنة الاميركية وظروفها الاقتصادية السيئة التي تضطرها لتخفيض موازنتها الدفاعية، مرة بعد اخرى، تحول تماما دون دخولها سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة. كذلك فهي لاتستطيع منع توسع حلف شمال الاطلسي نحو حدودها الغربية، او حتى الانفاق على صيانة الرؤوس النووية التي تملكها حاليا من اجل الاحتفاظ بها، كونها تعتبر مصدر القوة الوحيد الذي ظلت واشنطن تحسب حسابه وتبدي تخوفات حياله. وهكذا فانه لم تكن لدى موسكو النية او الرغبة في خوض اية مواجهة مع واشنطن لذلك وجدت في احداث الحادي عشر من سبتمبر الظرف المناسب لارساء قواعد جديدة تتيح لها تحقيق نوع من تبادل الخدمات مع واشنطن، ومعالجة بعض القضايا الاستراتيجية التي تشكل حفظا على سياساتها الاقليمية والدولية دون الاضطرار الى تقديم تنازلات مهينة تسيء الى هيبتها ومكانتها الدولية بصورة عامة وفيما كان التعاون الاميركي ـ الروسي يأخذ اشكالا مختلفة في اطار الحملة الاميركية الشاملة على الارهاب لاسيما ما يتصل بتسهيل العمليات العسكرية التي تستهدف «القاعدة» و«طالبان» في افغانستان، كانت الاتصالات والمفاوضات تنشط بين الجانبين بصدد التعاون الاستراتيجي مع التركيز على موضوعين رئيسيين: تخفيض الاسلحة النووية، وتطوير علاقة موسكو مع حلف شمال الاطلسي. تقليص الرؤوس النووية بالنسبة للموضوع الاول، كان الخلاف بين الطرفين يدور حول نقطة رئيسية تتعلق بنوع الاتفاق الذي سيتم ابرامه في شأن التخفيض المتبادل لعدد الرؤوس النووية فالولايات المتحدة دعت الى عقد «اتفاق جنتلمان» شفوي يحدد مستوى الخفض المتبادل، في حين اصرت روسيا على توثيق الاتفاق وفي مرحلة لاحقة اقترح الجانب الاميركي ان يأخذ التفاهم شكل «اتفاقية» لتسهيل المصادقة عليها في الكونغرس الاميركي، بينما اوضح الجانب الروسي انه يفضل اعتماد صيغة «معاهدة». وفي الواقع فان الولايات المتحدة التي انسحبت من معاهدة الحد من انتشار الصواريخ «اي.بي.ام» لم تكن تريد ان تلزم نفسها تجاه احد بأية معاهدة اخرى مماثلة فهي ترى انها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وليست هناك قوة اخرى موازية يمكن ان تقاسمها النفوذ او المسئولية حيال الشئون الاستراتيجية الدولية. التعاون الروسي ـ الاطلسي وبالنسبة لموضوع التعاون الاطلسي ـ الروسي فقد كانت موسكو اقترحت في وقت مبكر خلال عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، الانضمام الى حلف شمال الاطلسي واكتساب عضويته الكاملة بيد ان الولايات المتحدة، التي كانت تدرك حقيقة الدافع الروسي للمطالبة بعضوية الحلف، قبلت بصيغة مخففة سميت (19 + 1) تمكن المندوب الروسي من حضور بعض اجتماعات الحلف بصفة مراقب ودون ان يكون له حق التصويت. وفي ضوء التطور الايجابي الذي طرأ على العلاقات الاميركية ـ الروسية منذ سبتمبر الماضي تقرر تطوير صيغة الـ (19 + 1) الى انشاء «مجلس العشرين» وهو مجلس اطلسي ـ روسي يتم فيه مناقشة واتخاذ القرارات المشتركة في شأن العديد من القضايا التي تهم الجانبين ولعل ابرز القضايا التي سيشملها التعاون: مكافحة الارهاب، ومنع انتشار اسلحة الدمار الشامل، ومراقبة التسلح، وعمليات الانقاذ في البحار، وخطط الدفاع المدني الطارئة لكن لن يكون لروسيا صوت حيال قضايا مركزية مثل توسيع حلف الاطلسي وقبول اعضاء جدد، والقرارات الخاصة باستخدام القوة. لقد وجدت موسكو اخيرا ان صيغة التعاون هذه المتطورة نسبيا عن الصيغة السابقة، تجنبها «الوقوف في طابور المنتظرين دورهم» للانضمام الى حلف شمال الاطلسي وهو الموقف الذي لا ترغب القيادة الروسية ان ترى نفسها فيه، كما قال الرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق. ولكن.. الى اين ستقود روسيا هذه «الشراكة الاستراتيجية» غير المتوازنة مع الولايات المتحدة؟ بل... الى متى ستطول رفقة الطريق هذه؟ بقلم: رياض أبو ملحم ـ كاتب لبناني مقيم في باريس