ضمن الاستراتيجية الأميركية التي شرعت في تنفيذها واشنطن في زمن ما بعد 11 سبتمبر والتي تستند أساساً الى تعزيز الهيمنة على العالم والقضاء على خصوم ما تبقى من عهود الحرب الباردة الذين أطلق عليهم الرئيس الاميركي بوش دول «محور الشر». ضمن هذا الشعار وغيره من شعارات الحرب ضد الارهاب كانت جولة بوش الى أوروبا وروسيا لترتيب المصالح وحشد التأييد الاوروبي والغربي عموماً للاستراتيجية الاميركية في العالم وعبر كل المناطق الساخنة. في معظم البلدان الاوروبية وفي روسيا ايضاً خرجت المظاهرات الشعبية المناهضة للسياسة الاميركية ولمنطق الحرب، والمنتقدة للعولمة وافقار الشعوب، خرجت مظاهرات حاشدة ترفض الهيمنة الأميركية على مقاليد السياسة العالمية وتطالب بالعدالة الانسانية والسلام ووقف مسلسل الحروب وتصدير الأزمات. الأميركيون اعتبروا توقيع اتفاق خفض الرؤوس النووية مع روسيا مكسباً كبيراً تحققه السياسة الاميركية وتنازلاً كبيراً يقدمه بوتين، وعلى الجانب الآخر ترى موسكو في ذلك طريقاً للخروج من مأزقها الاقتصادي وخطوة تؤهلها نحو منظمة التجارة العالمية التي تحلم بالانضمام اليها بدعم ومباركة أميركية. أما بالنسبة لاعلان روما الذي صدر عن اجتماع قادة حلف الناتو مع الرئيس الروسي فقد مثل نقلة كبيرة لروسيا لأنه يجسد مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين الناتو وموسكو ايذاناً بدخول عهد جديد من التعاون الاقتصادي والسياسي، سيؤهل روسيا للانضمام الكلي للحلف ويمنحها فرص النمو الاقتصادي والاندماج في آلية الاقتصاد الغربي. ولا ريب ان المحللين السياسيين يشيرون الى ان اعلان روما قد مثل علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، كونه قد طوى ملف الحرب الباردة وفتح آفاقاً جديدة للعلاقات بين الشرق والغرب وكسر حاجز العداء التاريخي وحالة التوجس التي كانت سائدة. الرئيس الاميركي بوش في جولته سعى الى تحقيق جملة من الاهداف والمقاصد، فالى جانب الحرص على احتواء روسيا وترويضها وكذلك الابقاء على الدعم والتأييد الاوروبي، فإن بوش قد قام بعملية تحريض واسعة النطاق ضد ما يسميه «الدول المارقة» حيث حذر من مخاطر امتلاك هذه الدول للسلاح النووي، زاعماً ان تلك الدول والحكومات تشكل مصدر تهديد للسلام العالمي. وبحكم تقاطع المصالح والأهداف فإن روسيا وأوروبا لديهما رؤية مختلفة حيال ايران والعراق، لذا فإن قادة اوروبا حذروا من خطورة الاقدام على شن عدوان على العراق لما لذلك من آثار كارثية على منطقة الخليج والشرق الأوسط ومن شأنه أيضاً ان يزعزع الأمن والاستقرار في العالم ويدفع لمزيد من التوترات. إن أوروبا التي تبدو قوة دولية صاعدة بدأت تشعر اليوم بقوتها الاقتصادية بعد ان أصبحت حصتها من الاقتصاد العالمي تساوي الحصة الاميركية (نحو 22%) وباتت تشعر بأن مصالحها لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الاميركية كما كان الأمر بعيد الحرب العالمية الثانية. وهي في الوقت ذاته مقتنعة بأن الولايات المتحدة لن تسمح لها بتحقيق سياسة خارجية وأمنية خاصة بها لأن ذلك سيؤدي الى بروز منافس قوي لواشنطن على الزعامتين القارية والعالمية. ولذا يعتقد الاتحاد الاوروبي أن واشنطن تقوده من أذنه نحو سياسات تخدم الاهداف القومية الاميركية في الدرجة الأولى دون الالتفات الى الأهداف الاوروبية. وفي المقابل ترى الولايات المتحدة انه ليس عليها القلق كثيراً من الاعتراضات أو الممانعات الاوروبية على زعامتها لأسباب عدة. والواقع ان السياسة الاميركية في أوروبا لا تهدف الى منع ظهور قوى مهيمنة أخرى بقدر ما تهدف الى الحفاظ على التفوق الأميركي